الهيراركية في الفن… هل يمكن؟

منذ عرفتُ السوشيال ميديا صرت على يقين من أنها فضاء كبير للعبث، كما هي فضاء للحقيقة والجمال. كيف تختار لنفسك مكانا بين هذا كله؟ الأمر صعب. اخترت لنفسي قراءة المقالات المنشورة في الصحف والمجلات التي صار نشرها الورقي مسألة صعبة. واخترت معها متابعة الأخبار، لكن طبعا اكتشفت بسرعة مدى التزييف فيها، فصرت أبحث في غوغل عن حقيقة الخبر في أكثر من موقع، قبل أن أعلق عليه أو أقول فيه رأيا، بالإضافة إلى أن كل ما أقرأه من تعليقات أو متقتطفات لا أجد صاحبه إلا بريئا لم يرتكب في حياته أي خطأ حتى كتبت يوما في روايتي «في كل أسبوع يوم جمعة» الصادرة عام 2010 «كل الناس على الميديا أبرياء فمن الذي يصنع الشر في هذا العالم؟».

هذه مقدمة طويلة دفعني إليها ما يحدث مع الفن في شهر رمضان هذا العام، من اهتمام سلبي فاق كل الأعوام السابقة، والأهم هو الردود على المنتقدين أو حتى المستهزئين. هذه الردود أخذت الأمر إلى السياسة ـ وأنا هنا أتحدث عن حالتنا المصرية ـ كون الفن صار في يد جهة واحدة تحتكر إنتاجه، وهي جهة أساسية في النظام الحاكم، ومن ثم فالانتقاد الموجه إلى النظام الحاكم في سياسته الاقتصادية وغيرها، خاصة مع الحريات، يمكن أن يجعل تلقي البعض للمسلسلات يحمل الرفض مقدما، لكن حتى هذا كان الأفضل تجاوزه في الردود، فالله أعلم بالنيات.

ومن المؤكد أن هذا لا ينطبق على الغالبية من المشاهدين، فهناك مشاهدون يبحثون عن المتعة لا يملكون إلا ثقافتهم العادية، ومن ثم هم صادقون في رأيهم، رغم أنه قد يكون رأيا ساذجا، أو لا يعجب الآخرين. من قال إن كل المتلقين للفن نقاد حقيقيون؟ عشت أعرف وأذكر أن النقد الأدبي أو الفني لا يكون إلا في مقالات أو دراسات أو ندوات خاصة بالعمل محل المناقشة. وعشت أؤمن بأنه على صاحب العمل الأدبي أو الفني أن يحترم كل الآراء السلبية والإيجابية، وينصرف إلى إنجاز عمل آخر، فليس هناك من عمل يمكن اعتباره نهاية العالم. هذه الرؤية حتى لو تم تدميرها على السوشيال ميديا، إذ لم تعد المقالات أو الدراسات هي مجال النقد، لكنها البوستات أو التغريدات، فكيف غاب هذا عن بعض الفنانين أو الصحافيين، وحاز الأمر منهم الاهتمام.

في الحقيقة هي أزمة ازدادت هذا العام، ليس لاتساع البوستات أو التغريدات المنتقدة أو حتى الهازئة بالأعمال، لكن لأن قليلا من الفنانين أو المخرجين تصدى لها وكذلك بعض الصحف وهنا الخطأ، فالقليل من الفنانين كثير بحكم نجوميتهم وكذلك الصحف. لقد حدث ما لم أتوقعه وهو اعتبار المهاجمين للأعمال الفنية إخوانا مسلمين لهم أهداف في تدمير أيّ شيء جميل في البلاد. هكذا صار الفن معصوما مثل الزعماء، وهو في الأصل حقل مفتوح للأرواح. زاد هذا بدوره من حدة الهجوم على المسلسلات وهذا طبيعي، فما أسهل الراحة النفسية بالكتابة على السوشيال ميديا. صرت أسأل نفسي لماذا لم يتحلَ من ردوا على المنتقدين بالصحيح من السلوك، وهو احترام كل الآراء أو إهمالها ما دامت سيئة. لماذا لم يدرك من وجهوا الاتهام للمنتقدين أن حكاية وصف كل مختلف بالانتماء للإخوان، تعيد إلى الجميع وجود الإخوان أنفسهم في الذاكرة الجمعية، والأهم لماذا لم يدرك الذين ضاقوا بالآراء أن كل هذه الأصوات المختلفة تعني شيئا واحدا، وهو أن العمل الفني يحظي بمشاهدة كبيرة، وإلا كيف قال من قال رأيه، أو حتى شتائمه. أحسست بقفزة غير مريحة، فقد تعودت لصق تهمة الإخوان بالمعارضين من السياسيين، لكن أن تصل إلى صاحب رأي في الفن فهذا أمر شديد السوء للفن نفسه.

رأيت أن سذاجة الآراء في المسلسلات ناتج عن التسرع، فبعد الحلقة الأولى من بعض المسلسلات بدأ الانتقاد، ولم ينتظر الكثيرون رؤية عدد كبير من الحلقات فيكون ذلك مبررا صحيحا لما يقولون.

رأيت أن سذاجة الآراء في المسلسلات ناتج عن التسرع، فبعد الحلقة الأولى من بعض المسلسلات بدأ الانتقاد، ولم ينتظر الكثيرون رؤية عدد كبير من الحلقات فيكون ذلك مبررا صحيحا لما يقولون. ومن ثم كنت اتمنى أن يكون الرد هكذا إذا كان ضروريا. ورغم أن بعض العقلاء من الكتاب والفنانين قالوه، إلا أن الذي شاع هو اتهام الرافضين بالإخوانية، ووصل الأمر إلى الإعلام وبعض الصحف كما قلت. كيف لم يدرك هؤلاء أنهم هكذا يغلقون الطريق على الرأي في الفن بعد أن أغلق النظام الحاكم الطريق على الآراء في السياسة، بل كيف تتعب نفسك بالرد على الهازئ بعملك الفني، جاهلا مسكينا وحتى مغرضا؟ عرفت من حوار تلفزيوني أن هناك من تقدم إلى النائب العام يشكو بعض الرافضين بالإخوانية والانتماء لجماعة معروفة ولا أصدق. تذكرت كارثة الهيراركية في النظام الاجتماعي، التي تحاول فيها كل جماعة أسفل جماعة القمة، أن تحاكيها في سلوكها مع الجماعة التي تحتها في سلم الطبقات. كيف تسري بين الأفراد أيضا، فالموظف الأقل غايته إرضاء من هو فوقه وكبت من هو تحته، لتصل إلى الرجل الذي يعود إلى بيته يكبت زوجته فهي الأضعف، ولا ينتبه إلى دهشتها فهى لم تسئ إليه. أدرك أن هذا يمكن أن يحدث في السياسة والاقتصاد في البلاد مركزية السلطة مثل بلادنا، فكل من هو أعلى السلم لا يخطئ، وكل من هو تحته خاطئ، لكن أن يصل إلى الفن فهي كارثة أودت بالفنون في نظم سياسية كثيرة إلى التفاهة والضياع.

في الفن لا توجد مسلمات غير الصدق الفني الذي يتجسد في مفردات، منها التصوير وزواياه والديكور والملابس والحوار المناسب لكل شخصية والبناء الفني للعمل، وهذا بالذات في المسلسلات لا يظهر من حلقة واحدة أو اثنتين، ومن ثم من الأفضل عدم الوقوف عند أصحاب الرأي المخالف مبكرا، أو التفكير في دوافعهم النفسية، لأنه من البداية لا معنى لرأي في مسلسل من ثلاثين حلقة بعد مشاهدة حلقة واحدة أو اثنتين، وعلى أصحاب المسلسل الصمت، لأنهم لا بد الأعرف والأعلم بذلك، فهم ليسوا مجرد دُمَى يحركهم المخرج، فلا بد أيضا من أنهم قرأوا في الفن، أو تناقشوا أو سمعوا شيئا من تاريخه. أنا هنا بينما ألوم من اتهموا المخالفين بأنهم إخوان، لا ادافع عن المخالفين فهم لا يهموني في شيء، وسينتهي حديثهم مع انتهاء رمضان، لكن سيبقى أن هناك اتهاما سياسيا من بعض الفنانين والصحافيين لمنتقديهم ممن لا يعلمون معنى الفن، أو لديهم فقط شيء من الانطباعات. حين يقول شخص إن نابليون كان طويلا أو قصيرا فلماذا تتعب نفسك في الرد عليه، بأنه ليس من الضرورة أن يكون كما هو. الأفضل إذا كان لا بد من رأي هو أن تلفت نظره إلى الصدق الفني في الأداء. حين يقول شخص إن الصعايدة لا يتحدثون هكذا، فلماذا ترد عليه والكل يعرف أن هناك دائما اختلافا في اللهجات. وحين يقول شخص إن الإمام الشافعي لم يكن يتحدث العامية، لماذا لا تؤخر الرد حتى يتعود المشاهد على ما يراه، أو حتى يتوقف عن المشاهدة فهناك غيره لا بد.

رغم الردود لم يتوقف المنتقدون لأنه إغراء السوشيال ميديا، وكان الأهم أن تتوقف الردود فلا معنى لها ولن يقتنع بها أحد، بل تزيد الأمر اشتعالا. الفن هو الشارع الوحيد الباقي للتنفس بحرية، فلماذا تغلقوه بالاتهامات. اتركوه يمر، بل والله سيتم نسيان كل شيء، فالعالم لن يتغير بالمسلسلات ولا الرأي فيها. بالمناسبة أنا لا أشاهد المسلسلات في رمضان، رغم حبي لكثير من الممثلين والمخرجين والممثلات. لا لشيء إلا لكثرة الإعلانات وأنا لا أشتري شيئا، ولأني أيضا لم أعد في هذا البلد أعرف الليل من النهار.

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية