لا جديد لدى القوم يقدمونه، غير أنهم يقومون بالسطو على الأفكار القديمة، المعتمدة لأهل الحكم في عهد مبارك، فيعيدون من جديد اختبارها ليصلوا لنفس النتيجة، وهي الفشل، أو يفسدونها بالتطبيق!
عندما طالع مقرب من دوائر لجنة السياسات في الحزب الحاكم سابقاً، التي كان يرأسها جمال مبارك، مشروع الحكم الحالي في مجال الاقتصاد، هتف: هذه الرؤية التي وضعها الاقتصاديون في اللجنة وبالعنوان نفسه.
ويبدو أنها وضعت في حال انتقال السلطة للوريث، ومن الواضح أن الحاكم العسكري المتمكن، عثر عليها فاعتبرها من غنائم الحرب، وهي رؤية لم يتم اختبارها عملياً في «العهد البائد»، لكن عندما ننظر لمألات الأمور، والفشل في البر والبحر، لا يمكن أن نرجع العيب في المشروع، ولكن الأزمة في التطبيق، فليس معقولاً أن رؤية وضعها خبراء، لا يحدث لها نجاح على أي مستوى، حتى لو كنا نعلم عن مجموعة جمال مبارك إنهم ينحازون إلى الرأسمالية في أسوأ صورها، غاية ما في الأمر أن جمال مبارك كان يعتمد على طبقة من رجال الأعمال، في حين أن الجنرال استبعد كل رجال المال والأعمال، لصالح رأسمالية الجيش، فالبديل لهم هو الهيئة الهندسية، وجهاز الخدمات، صاحب الولاية على صفقة الدجاج البرازيلي، ولهذا تم تسخير برامج التوك شو، للحديث عن مذاقه، واستعمالاته، وفوائده الجمة للمفاصل! ودخل عمرو أديب بكل شهيته المفتوحة دائماً، لتأكيد الانتماء الوطني، ولإثبات أنه ليس جزءاً من مشروع سعودي معاد لمصر، كما صوره عدد من المذيعين مؤخراً!
ما له صلة مباشرة باختصاص هذه الزاوية «فضائيات وأرضيات»، هو استدعاء فلسفة الحكم السابق في مجال الإعلام، والتي وضعها وزير إعلامه صفوت الشريف؛ وهي المنافسة بالإغراق، معتمداً سياسة وصفتها هنا، في هذه الزاوية؛ «العدد في الليمون»، ولأنه لا يمكن منافسة قناة «الجزيرة»، فكان الإغراق بالقنوات، بين المتخصصة، والإقليمية. وأجبرت السلطة على السماح بإنشاء فضائيات خاصة، لطليعة من رجال الأعمال المقربين من النظام، وبالمشاركة في الملكية في البداية، كما حدث بمشاركة اتحاد الإذاعة والتلفزيون الحكومي في ملكية أول قناة خاصة، وهي «المحور»، فالأيدي المرتعشة لا يمكنها أن تسمح بسهولة بالحرية، ولو المقيدة، في مجال الإعلام!
تجربة «النيل للأخبار»
وأثبتت التجربة أن سياسة الإغراق لم تأخذ المشاهد من «الجزيرة»، ولم تمثل نقاطاً إضافية في رصيد الحكم، وليس لأن الصعيدي مثلاً عندما يشاهد برنامجاً في القناة الثامنة، التي تبث من أسوان، يتحدث عن الجاموسة، وخصائصها وكيف أنها تمشي على أربعة أرجل، سيجد نفسه في القناة، ومن ثم يكتفي بها، فإن وجد لديه متسعاً من الوقت، ذهب الى قناة «النيل» الثقافية، فإن لم تتفق مع ميوله، يشاهد «نايل كوميدي»!
وقد فشلت هذه السياسة بالتطبيق، والمدهش أن يأتي الحكم الجديد، فيعتمدها اعتقاداً منه أنه سيحصل على نتيجة مختلفة، فيترك القناة الإخبارية التابعة للتلفزيون الرسمي، بدون تطوير، ويطلق قناة «إكسترا نيوز»، فتفشل فيتركها ليطلق «القاهرة الإخبارية»، وهو تعدد في مجال واحد لم يعرفه زمن صفوت الشريف، إلا عندما أطلقت «النيل الثقافية»، ثم قناة مشابهة، مجاملة لأحد الأشخاص ليتولى رئاستها!
وبالمقارنة بين تجربتي «النيل للأخبار»، و«مصر الإخبارية»، فإن «العهد البائد» يكسب، فالأولى كانت يديرها إدارة فعلية، إعلامي مرموق، هو حسن حامد، بكل خبرته الطويلة، وكانت هناك قواعد لاختيار المذيعين والمذيعات، نستطيع القول إن نسبة المجاملات فيها، كانت مما يسمح به في أي وسيلة إعلامية أخرى، لكن المجمل كان شباباً واعداً، وقدمت عدداً من البرامج الجيدة، ولم أجد حرجاً، رغم نقدي لصفوت الشريف شخصاً، وسياسته، في الإشادة بها في هذه المرحلة المتقدمة، لكن كانت تنقصها الإمكانيات المادية، كما تنقصها الحرية، الأمر الذي يجعل الدعاية المناسبة لها: «مشاهدتك اليومية لن تكتمل إلا بمشاهدة النيل للأخبار»، فلا يمكن لمشاهد أن يترك «الجزيرة» في هذا الوقت وينصرف اليها كلية!
بيد أن حسن حامد انشغل برئاسة قطاع القنوات المتخصصة، ليحدث الفشل المتوقع، وفي مرحلة تالية تحولت الى جزء من قطاع الأخبار، وهي نهاية طبيعية لـ»خضراء الدمن». قيل ومن خضراء الدمن يا رسول، قال المرأة الحسناء في المنبت السوء، وإن ضعف البعض هذا الحديث فكما يجوز الأخذ بالأحاديث الضعيفة في صالح الأعمال، فيجوز كذلك استعارة المجاز في الأحاديث الضعيفة!
قناة ولدت ميتة
والأمر مختلف بالنسبة لـ «قناة مصر الإخبارية»، التي ولدت ميتة، وقد اقتطعت وقتاً طويلاً لكي أتابعها، على حساب «الجزيرة» و«ماسبيرو زمان»، لعلي أجد على النار هدى، ولكن دون جدوى، فلا شيء فيها يستحق، هذا الوقت المقتطع، فلا مذيعون تتوسم فيهم خيراً، كما توسمنا خيراً في المذيعين الشباب في «النيل للأخبار»، ولا برنامج جدلي، ولا فكرة دبت فيها الروح، وهو فشل غير مسبوق، وكأن المنفق عليها هو مال يتامى!
ومع هذا الفشل، فان الشركة المتحدة المالكة للإعلام، نيابة عن المالك الحقيقي، تطلق قناة وثائقية، «لعل وعسى»، وقرأنا أن قطاعا للوثائقيات للشركة المتحدة تطور فتحول إلى قناة، ودون أن تكون للقطاع بصمة، أو أن يثبت وجوداً، أو ينتج أفلاماً تجذب الانتباه عند عرضها في القنوات التابعة للشركة، ليكون لهذا النجاح السبب في إطلاق قناة من بابها، لكي تستوعب هذا النجاح، لكنه تصرف أقرب إلى أداء أناس يتولون إطلاق قنوات نيابة عن الغير، لتمكينهم من الحصول على «العمولة»، ضمن ثقافة السمسرة التي تسود المشهد السياسي والإعلامي في مصر! ونعلم أن قناة «دي إم سي»، المملوكة أيضاً للشركة المتحدة، هي تمويل إماراتي خالص وبالمليارات، وكان مقدراً لها أن تكون شبكة، من ضمنها قناة للأخبار، لتنافس «الجزيرة»، ثم تم الاكتفاء بهذا القدر؛ قناة واحدة، لتكون القناة الإخبارية مختلفة، وليست ضمن شبكة «دي إم سي» التي نصبوا لها «فرح العمدة»، ثم بدت كما لو كانت سقطت من «قعر القفة» لصالح المشروع الجديد ممثلاً في القناة الإخبارية هذه!
وقد نُشر أن تمويل «مصر الإخبارية» سعودي صرف، لكن الحملة على عمرو أديب مذيع «إم بي سي مصر»، وبجانب شواهد أخرى، أكدت أن الخلافات على أشدها بين الجانبين المصري والسعودي، فهل يعقل أن يكون المال المدفوع قبل الخلاف؟! الأمور كلها تسير في وضع ضبابي، والقانون يلزم القنوات بالإفصاح عن ميزانياتها السنوية، لكن القانون أيضاً ينص على عدم جواز أن تمتلك الشركة الواحدة أكثر من سبع قنوات تلفزيونية، ولا يجوز أن تشتمل على أكثر من قناة عامة وأخرى إخبارية، والشركة المتحدة التابعة للجهات السيادية تملك أكثر من قناة إخبارية، وأكثر من قناة عامة، كما أنها تملك ترسانة من القنوات التلفزيونية، وليس فقط سبع قنوات، لكن لا أحد يتحدث عن القانون في مصر!
القناة الوثائقية الجديدة
الشركة التي تعتمد فلسفة الراحل صفوت الشريف، تعتمد سياسة الإغراق والري بالغمر، وكلما فشلت لها قناة أطلقت قناة أخرى، لعلها يمكن أن تزاحم في مجال التنافس، ورغم المعلن، فلا أظن أن أهل الحكم في مصر يعتقدون بقدرتهم على منافسة «الجزيرة»، فحديث المنافسة ربما يتم بها غواية «بلاد الرز»، وقد ثبت أن الشقيقة الكبرى الإمارات لديها طموح قديم في منافسة «الجزيرة»، ولهذا كانت قناة «الحياة».
وليس هذا موضوعنا، فشعار القناة الوثائقية الجديدة «القصة كاملة»، فهل لدى القوم اللياقة الذهنية لتقديم «القصة كاملة» في أي موضوع، حتى وإن لم يكن له صلة بالسياسة الجارية؟! شاهدت فيلم «نصر حامد أبو زيد»، وهو من انتاج الشركة المتحدة، وراعني أن التعليق باللهجة العامية، وكأن من يديرها هو نجيب ساويرس، الذي كان يحرص في زمانه على شيوع العامية في كل وسائل الإعلام التي مولها. ورغم موقفي المنحاز ضد قضية التفريق منذ البداية، إلا أن الفيلم لم يقدم القصة كاملة، وغيب الرأي الآخر تماماً، وهو نوع من الأفلام، تشبه أفلام المقاولات التي عرفتها السينما المصرية، حيث بأقل عدد من الممثلين، وفي شقة للتصوير، وأقل مبلغ مالي، وبقصة مثيرة، وإن افتقدت للحبكة، يتم انتاج فيلم، وهي نوعية من الأفلام تظهر مع مراحل انهيار السينما!
لا أمل في نجاح.
٭ صحافي في مصر