الدكتور عبد الله بو حبيب، الذي كان سفيراً للبنان في واشنطن في فترة قيادة الرئيس أمين الجمّيل للبنان ورئاسة رونالد ريغان للولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح حالياً وزير خارجية لبنان في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، يواجه الآن أزمات خطيرة في طليعتها العلاقة اللبنانية مع المملكة العربية السعودية وبعض الدول الخليجية المتحالفة معها بحجة تصريح سابق لأحد وزراء الحكومة حول حرب اليمن ودوافعها.
ومن الخطوات المفيدة لفهم مبادرات الوزير بو حبيب في منصبه الحالي، العودة إلى مواقفه السياسية السابقة. وأحد هذه المصادر كتاب صدر له منذ عامين بعنوان: «أمريكا، القيم والمصلحة، نصف قرن من السياسات الخارجية في الشرق الأوسط» تناول مواقف رؤساء أمريكا منذ ريتشارد نيكسون حتى دونالد ترامب.
وبما أن المعلومات الواردة في هذا الكتاب مفصلة وتُنبئ بمعرفة وثيقة لكاتبه في الشؤون الأمريكية وعلاقتها بالشرق الأوسط ولبنان، فسنركز في هذه المراجعة على شؤون مرتبطة بما يجري حالياً في لبنان والمنطقة وخصوصاً في فصليه الثالث والرابع (أي فترتي رئاسة ريغان وجورج بوش الأب) حيث حصلت أحداث في لبنان والمنطقة لعب رئيس الجمهورية اللبنانية حاليا الجنرال ميشال عون دوراً رئيسياً فيها عندما كان بو حبيب سفيرا في واشنطن.
يقتضي التوضيح بان الوزير بو حبيب كان وما زال من المتعاملين بإيجابية مع الجنرال ميشال عون ومن الذين نصحوه وما زالوا بعدم المواجهة السياسية مع القيادة الأمريكية عبر مواقف حادة.
يوضح المؤلف ان الرئيس أمين الجمّيل عينه عبر قرار مجلس الوزراء سفيراً للبنان في واشنطن في كانون الثاني (يناير) 1983 وانه بعد أشهر على هذا التعيين كان عليه اتخاذ المواقف إزاء اتفاق 17 أيار (مايو) الذي وقّعه الجمّيل من دون فهمه العميق آنذاك لتفاصيله ولا إلى أي مدى اتخذ الجمّيل قراره لإرضاء قيادة ريغان أو لاقتناعه الفعلي به كحل للعلاقة اللبنانية الإسرائيلية وتنفيذ معاهدة بين البلدين، ولا إذا كان الاتفاق سيُنفذ أو يُلغى، إذ أن أمين الجمّيل نفسه استفسر من الحكومة الأمريكية إذا كان ذلك الاتفاق سيُنفذ أو سيلغى وبالتالي ترك خيار العودة عنه وخيار إلغائه مفتوحين (ص 70).
وفاقمت أحداث 6 شباط (فبراير) 1984 في بيروت الغربية التوجه نحو إلغاء الاتفاق من قبل حكومة الرئيس شفيق الوزان ثم استقالت وتبعتها خيارات صعبة أمام الرئيس الجمّيل. ويقول بو حبيب إنه نصح الجميل بتعيين الجنرال ميشال عون قائداً للجيش، علماً ان عون كان زار واشنطن قبل فترة عيد الميلاد عام 1983 حيث خضع لدورة تدريبية أمريكية عسكرية لضباط كبار. وكان الجمّيل طلب من بو حبيب اصطحاب عون إلى وزارة الدفاع «البنتاغون» للتعرف على الضباط الأمريكيين القياديين علماً ان تلك الوزارة منذ تلك الفترة وقبلها كانت تساعد في تجهيز الجيش اللبناني. وبعد أشهر على انعقاد مؤتمر لوزان للحوار الوطني اللبناني في آذار (مارس) 1984 عُين ميشال عون قائداً للجيش بالتزامن مع إلغاء اتفاق 17 أيار (مايو) وبعد تفجيرات السفارة الأمريكية ومواقع المارينز وبداية عمليات خطف أمريكيين وأوروبيين بارزين في لبنان (ص 72 و73).
إسرائيل، حسب بو حبيب، أرادت اتفاقاً مع لبنان يتحول إلى معاهدة كاتفاقها مع مصر تحت قيادة أنور السادات في أواخر السبعينيات من القرن الماضي.
وكان المبعوث الأمريكي إلى المنطقة فيليب حبيب أكد استحالة حدوث مثل هذا التطور في مواقفه وخصوصاً على أثر اغتيال الرئيس بشير الجمّيل في أيلول (سبتمبر) 1982 بعد أيام على انتخابه رئيسا.
ويشير بو حبيب ان شقيقه أمين كان مقرباً من الأمريكيين من دون قربه من الإسرائيليين الذين فضلوا ترؤس كميل شمعون للجمهورية بعد بشير بدلاً من أمين (ص 74).
ويوضح أن مسؤول شؤون الشرق الأوسط وسوريا ولبنان في وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك ريتشارد مورفي والسفيرة في سوريا ابريل غلاسبي فتحا نافذة أمريكية مع دمشق بعد فشل زيارة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى موسكو بقيادة ميخائيل غورباتشوف عام 1987. وقد تسلم مورفي ملف سوريا ولبنان بكامله بعد تعيين غلاسبي سفيرة في بغداد.
وأبلغ بو حبيب مورفي ان اختيار زعيم حزب الكتلة الوطنية ريمون اده رئيساً للجمهورية آنذاك سيحظى بتأييد جميع الفئات اللبنانية، إلا أن قيادة سوريا فضلت تأييد المرشح مخايل الضاهر الذي رفضته القيادات المسيحية والبطريرك نصر الله صفير وقائد الجيش ميشال عون، فوقع شغور رئاسي ابتداء من 23 أيلول (سبتمبر) 1988 لمدة 14 شهراً قاد خلاله عون حكومة عسكرية. وحسب رأي بو حبيب فإن خلاف رئيس الحكومة العسكرية ميشال عون مع القيادة الأمريكية حدث لكونها أرادت انتخاب الرئيس ثم تثبيت الأمن فيما عون أراد تثبيت الأمن أولاً وتحرير البلاد من الهيمنة العسكرية والسياسية الأجنبية قبل الانتخاب (ص 80). الواقع، كما فسره المؤلف في فصل لاحق عن رئاسة جورج بوش، كان أن وزير الخارجية الأمريكي في عهد بوش الأب جيمس بيكر كان يفاوض سوريا على الدخول في تحالف يساهم في ضبط الرئيس العراقي صدام حسين بعد ترجيح كفته في حربه مع إيران بين عامي 1980 ـ 1988 وتصاعد أهدافه التوسعية الإقليمية تجاه جيرانه الكويت وسوريا، ومساعدته للمجموعات المعارضة في سوريا ولبنان لتحقيق هذه الأهداف.
ويشير بو حبيب أيضاً أن مورفي والسفير الأمريكي المعين في سوريا قالا في صيف 1988 إن الحل في لبنان غير ممكن من دون سوريا، كما ان المبعوث الأمريكي فيليب حبيب نجح (برأي الكاتب) إخماد حرائق في لبنان بين الفلسطينيين وإسرائيل وبين الميليشيا المسيحية اللبنانية وسوريا واستطاع وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان وفك الحصار عن بيروت بعد خروج الفصائل الفلسطينية المسلحة من لبنان عام 1982 (ص 87).
وبنظر بو حبيب يتمتع وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر بالبراغماتية والدبلوماسية وهو يتحفظ حول كثير من النظريات التي اطلقت عن ان كيسنجر اختلف في مواقفه عن مواقف رئيسه ريتشارد نيكسون إزاء التعامل مع سوريا حافظ الأسد وقضية فلسطين، وحول أن خسارة نيكسون لمنصبه الرئاسي على إثر فضيحة «ووترغيت» عاد لمؤامرة حيكت ضده بسبب استعداده للانفتاح نحو سوريا بعد زيارة قام بها لدمشق والمنطقة مطلع عام 1974 برفقة كيسنجر.
كما يتحفظ بو حبيب حول نظرية قالت إن مناحيم بيغين ضغط على بشير الجمّيل في لقائه معه في مستعمرة نهاريا بعد انتخاب بشير رئيساً لتوقيع معجّل لاتفاقية سلام بين البلدين لأسباب غير سياسية وشخصية. ولكن المؤلف يؤكد أن بشير الجميل أراد تحسين وتطوير علاقاته مع مسلمي لبنان ومع الدول العربية عموماً بعد انتخابه رئيساً، ولكن استعجال بيغين في ضغوطه على بشير عاد (حسب المؤلف) إلى ان الرئيس الأمريكي رونالد ريغان وفريق عمله كانوا يحضّرون مبادرة تتيح لبشير التفاوض لانسحاب سوريا وإسرائيل من الأراضي اللبنانية وإعطاء الأردن دوراً رئيسياً في الإشراف على أي كيان فلسطيني سينشأ من دون ضم الضفة وغزه إلى إسرائيل أو قيام دولة فلسطينية مستقلة استقلالاً كاملاً، بل دولة تتمتع بحكم ذاتي لمدة خمس سنوات. كما تفرض (المبادرة) تفاوضاً سورياً أردنياً بشأن لبنان وفلسطين (ص 67). أي أن بو حبيب يربط رفض إسرائيل المعجل لتلك المبادرة الأمريكية برغبة القيادة الإسرائيلية بضم الضفة الغربية إليها، وبالتالي سعى بيغين لاستباق مبادرة ريغان وفريقه بالاتفاق السريع مع بشير على معاهدة سلام مع لبنان رفضتها منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا والأردن لاحقاً. وفوجئ بشير بتوقيتها المتسرع من جانب بيغين.
أما بالنسبة للموقف السوري إزاء انتخاب بشير الجميل رئيساً، فيستشهد بو حبيب بما قاله وزير الخارجية السوري الراحل عبد الحليم خدام للسناتور الأمريكي غرام بانرمان، كبير موظفي لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ آنذاك: «إذا انتُخب بشير رئيساً فلن يحكُم». ويقول المؤلف إن السناتور بانرمان كان على علاقة شخصية به، وهو الذي أبلغه هذا القول لخدام، علماً أن خدام أُقيل من مناصبه لاحقاً في القيادة السورية وقبل ذلك من منصبه كمسؤول عن الملف اللبناني في القيادة السورية.
وبما ان مهمة السفير آنذاك، بو حبيب انتهت فعلياً بعد إقصاء حكومة الجنرال عون العسكرية الانتقالية وترجيح أمريكا لكفة رئيس الحكومة المدعوم سوريا سليم الحص، فان ما كتبه عن فترتي الرئيسين ريغان وبوش الأب يفوق في أهميته ما كتبه عن فترتي الرئيس باراك أوباما ومن بعده الرئيس دونالد ترامب.
عن أوباما وإسرائيل، يقول: «ان أوباما اعتبر بان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتكلم بغرور وغطرسة». أما عن موقف أوباما في أول عهده من الرئيس التركي رجب طيب اردوغان فيقول المؤلف: «رأى أوباما في الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قائداً وطنياً مسلماً من شأنه سد الفجوة بين الشرق والغرب» (ص 274). أما أكبر مشكلة رآها أوباما بالنسبة لعلاقة أمريكا بإسرائيل ودور الأخيرة في المنطقة فكانت: «استمرار إسرائيل في الترخيص لبناء المستوطنات وتوسيع المستوطنات القديمة في القدس الشرقية والضفة الغربية» ( ص 289). كما حمّلت إدارة أوباما إسرائيل مسؤولية وقف المفاوضات الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية بذريعة اتفاق «حماس» مع السلطة في نيسان (ابريل) 2014 وإقرار إسرائيل بقيادة نتنياهو بناء 1400 وحدة سكنية خلال 8 أشهر من المحادثات بين الجانبين والانفراد في معالجة وضع القدس الشرقية والاستيطان وفلسطين الشتات، وفرض الشروط التعجيزية ككون إسرائيل دولة يهودية وتجريد أي كيان فلسطيني قد ينشأ من السلاح وتوحيد القدس كعاصمة لإسرائيل (ص 290 و291).
بالنسبة لسياسات ترامب في الشرق الأوسط، فيقول بو حبيب إن المال والاقتصاد كانا الأساس في سياسته الخارجية عموماً. وهو لم يكن يريد إلغاء المعاهدة التي وقعها أوباما مع إيران فقط بل أراد إلغاء كل اتفاقات أوباما وبعض اتفاقات الرؤساء الأمريكيين السابقين، ولا يخفي إزدراءه بالأمم المتحدة ومنظماتها، واقتصرت علاقاته الشرق أوسطية على تحسينها مع إسرائيل والسعودية وحلفائهما في المنطقة التي كانت فترت في عهد أوباما ومواجهة إيران وتخطي حقوق وتطلعات الفلسطينيين (ص 315 ـ 317).
عبد الله بو حبيب:
«أمريكا القيم والمصلحة»
دار سائر المشرق، بيروت 2019
327صفحة.