اليمن بين إعلان الانتقالي واتفاق الرياض والتقسيم

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

إعلان الانتقالي الحكم الذاتي هو بمثابة إعلان سيطرة

صنعاء-“القدس العربي”: قبل السؤال عن مصير اتفاق الرياض في ضوء ما أعلنه المجلس الانتقالي الجنوبي عن فرض إجراءات معينة على المحافظات اليمنيّة الواقعة تحت سيطرته، ينبغي أن نسأل: ما الذي تحقق من الاتفاق؟ وهل السعودية حريصة على تنفيذه؟ وهل هذا الاتفاق يخدم اليمن؟

مما لا شك فيه أن الهدف من اتفاق الرياض كان واضحاً وجلياً؛ فالتحالف السعودي أراد منه قطع خطوة للأمام باتجاه تقسيم اليمن من خلال تكريس سيطرة الانتقالي على المناطق التي استحوذ عليها في انقلاب اب/أغسطس 2019 فجاء الاتفاق من أجل انتزاع اعتراف حكومة هادي بالمجلس كطرف، وهذا ما تم؛ ونتج عنه استمرار حضور الانتقالي كقوة فاعلة على الأرض التي سيطر عليها، واستمر التحالف يتفاعل معه؛ فعزز بذلك من قدراته المتحكمة على الأرض هناك، وقبل ذلك لا ننسى أن التحالف كان وراء انشاء المجلس الانتقالي وتمكينه من قوة عسكرية خاصة به ممثلة في قوات الحزام الأمني، وهكذا كان دور التحالف في كل المحافظات التي يفترض أنها محكومة بشرعية حكومة الرئيس هادي؛ ففي كل منها نشأ كيان عسكري مواز لقوة الدولة تحت إدارة التحالف كأداة هيمنة مناطقية جهوية؛ وكقوة يتحكم، من خلالها التحالف، باليمن، وخاصة فيما بعد الحرب.

المشاريع الصغيرة

ولو أمعنا النظر فيما تم تنفيذه من اتفاق الرياض لن نجد شيئا يذكر مقارنة باستمرار المجلس الانتقالي كقوة مسيطرة ومتحكمة في محافظات (عدن ولحج وجزء من أبين) باعتبارها مناطق نزاع بين الحكومة والمجلس الانتقالي، وبالتالي فإن إعلان المجلس الانتقالي الحكم الذاتي هو بمثابة إعلان سيطرة على المسيطر عليه. أما محافظات حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرى في الجنوب بالإضافة إلى تعز ومأرب في الشمال، فيتم إدارة كل منها بشكل شبه مستقل مع حضور واضح للمشاريع الصغيرة في كل منها من خلال قوات وقوى مدعومة بشكل مباشر من التحالف.

وبالتالي فإن الانتقالي ليس القوة الوحيدة في الجنوب اليمني المدعومة من التحالف؛ فهناك قوات وقوى أخرى يدعمها التحالف وتحمي مصالحه في كل منطقة. بمعنى أنه لا يمكن للانتقالي أو أي من القوى الأخرى بأي حالٍ من الأحوال القيام بأي تحرك من دون ضوء أخضر من السعودية، وعبثاً يحاول البعض الفصل بين دولتي التحالف في تعاملهما الاستراتيجي مع تدخلهما في اليمن منذ اليوم الأول؛ فهدف التقسيم واضح ويمضي فيه التحالف بخطى جادة تتصدرها السعودية، بدليل ما يصدر عن التحالف من مواقف تجاه ما يصدر عن الانتقالي من تحركات؛ فمثلاً لم يصدر عن التحالف موقف حقيقي جراء رفض الانتقالي عودة حكومة هادي إلى عدن بتاريخ 23 نيسان/ابريل ( فيما يتحرك السفير السعودي في تلك المناطق بكل حرية كسلطة أولى) ومقابل رفض الانتقالي عودة الحكومة بدت السعودية (ظاهرياً) وكأنها خضعت لقرار الانتقالي، فحجزت رئيس الحكومة والوزراء في المطار ومنعتهم من العودة إلى عدن وإعادتهم لمقرات إقامتهم في الرياض، وهي السلبية نفسها التي تعامل بها التحالف إزاء بيان الانتقالي بشأن الحكم الذاتي؛ فبيان التحالف كان هزيلاً إذ لم يُدن أو يستنكر ما تم؛ بل طالب (الطرفين) بالعودة بالأوضاع إلى ما كانت عليه قبلا، في دلالة على أن تنفيذ الاتفاق ليس ذا أهمية للتحالف، بل، كما سبقت الإشارة، كان وما زال وسيلة للاستمرار في جر البلاد للبقاء تحت الهيمنة السياسية والعسكرية للتحالف في سياق صراع إقليمي دولي.

ورفضاً لما يجري، دعا اتحاد هيئة تنسيق التحالف المدني للسلم والمصالحة الوطنية باسم مكونات التحالف المدني اليمنيّ في بيان بشأن الأحداث الأخيرة “المحيط العربي والإقليمي بدءاً من الرياض مروراً بأبو ظبي وحتى طهران، بألا تجعلوا اليمن ساحة لتصفية حساباتكم الإقليمية، ونقول لكم أيها الأشقاء والأصدقاء (الأعداء) أنكم بمحاولاتكم تغليب طرف على آخر بالقوة وصولاً إلى (ما تتوهمون) من حلولكم محل المنتصر والمهزوم، إنكم بهذا قد أسأتم كثيراً في فهم الشعب اليمني الذي لم يعرف في تاريخ خلافاته الداخلية غالبا أو مغلوباً، فما بالكم بوجود غالب أو مغلوب من أجلكم”.

سحب البساط

الصحافي اليمنيّ عصام البحري اعتبر، من وجهة نظره “أن تبني السعودية لاتفاق الرياض كان لسحب البساط من تحت حكومة هادي حتى لا تتقدّم بشكوى لمجلس الأمن ومن ثم يصدر قرار دولي يُدين انقلاب متمردي عدن باعتبار ذلك سيكون إدانة للتحالف السعودي الذي أوجد ودعم المنقلبين وحينئذ سيُرفع الغطاء الدولي لعدوان التحالف على اليمن” وقال لـ”القدس العربي”: “لقد ضغطت القيادة السعودية على الشرعية للقبول ببنود الاتفاق الذي لم يشرعن للانقلاب فحسب بل فرض مشاركة الانتقالي كممثل للجنوب في مفاوضات التسوية النهائية؛ وهو ما يتناقض مع قرار مجلس الأمن الدولي 2216 الذي حدد طرفي الحوار بوفد صنعاء وحكومة هادي، الأمر الذي سيكون عائقاً جديدًا لإنجاح أي تسوية سياسية للملف اليمني إذا ما أصرّ ممثلو الانتقالي على تحويل مسار الحوار إلى حوار بين الجنوب والشمال، بينما الموضوع الأساسي هو أسباب الحرب الحالية”.

إجراء شكلي

 فيما أكد الكاتب اليمنيّ عبد الرحمن مُراد لـ “القدس العربي” أن ما حدث “من انقلاب جديد للانتقالي وإعلان الحكم الذاتي هو مجرد إجراء شكلي بهدف فرض أجندة في المفاوضات المقبلة ليكون التشاور بين الشمال والجنوب، ومن خلاله تتمكن قوى الاستعمار ممثلة في أمريكا وبريطانيا من خلال أدواتهما في المنطقة من السيطرة على الموانئ والشواطئ اليمنية بشكل كبير”.

واعتبر ما يجري في اليمن وما حصل مؤخراً يتم “في سياق الصراع الأمريكي البريطاني مع الصين، حيث تحرص أمريكا وبريطانيا من خلال أدواتهما في المنطقة على التواجد في هذه المنطقة بالذات نظراً لقربها من ميناء جوادر الذي اتخذته الصين منفذاً لها في طريق التجارة العالمية”.

وقال “إن إعلان الانتقالي الأخير لن يؤثر على مصير اتفاق الرياض؛ فهو مجرد لعبة مارسها الانتقالي بإيحاء من التحالف في سياق خطة محددة للسيطرة والهيمنة”.

ومن وجهة نظره اعتبر الكاتب اليمنيّ محمد ناجي أحمد في تدوينة له على “فيسبوك” أن “لا جديد في بيان المجلس الانتقالي بعدن، فاليمن كله صار كانتونات محتربة، تُحكم بسلطات الأمر الواقع، البيان لم يعلن الانفصال وإنما التسيير الذاتي أسوة بما هو في تعز ومأرب وصنعاء وحضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى”.

هيمنة جديدة

مما سبق نفهم أنه لن يكون هناك أي تأثير لإعلان الانتقالي الأخير على اتفاق الرياض؛ لأن الاتفاق هو مَن هيأ الانتقالي لاتخاذ هذه الخطوة، فلولاه لما بقي الانتقالي مسيطراً على الأرض، ولما اُعترف به ممثلاً للجنوب وطرفاً موازيا للحكومة؛ وهنا فاتفاق الرياض كان أداة من أدوات المضي باليمن إلى الخضوع لهيمنة جديدة من خلال تفخيخه بمشاريع صغيرة؛ وهو ما يمضي فيه التحالف منذ بدء عملياته العسكرية، والتي أحدثت دماراً كبيراً في مقدرات وإمكانات هذا البلد الفقير.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية