تحالف دعم الشرعية يمارس سياسة غير واضحة الملامح في اليمن تثير أكثر من سؤال، وخاصة على صعيد علاقته بالمكونات الميليشياوية المسلحة، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي.
صنعاء ـ «القدس العربي»: ما زال اللقاء التشاوري الذي نظمه المجلس الانتقالي الجنوبي خلال الفترة 4-8 أيار/مايو؛ مثار جدل سياسي في اليمن، باعتباره يمثل خطوة، مهما كانت نتائجها، على طريق فصل الجنوب عن الشمال في اليمن، ليبقى السؤال المهم: ما مدى مشروعيه ما قام به «الانتقالي» ومن أي زاوية يجب قراءته الآن، وما علاقة صمت السعودية عنه بمفاوضاتها مع الحوثيين؟
من المؤكد أن تحالف دعم الشرعية يمارس سياسة غير واضحة الملامح في اليمن تثير أكثر من سؤال، وخاصة على صعيد علاقته بالمكونات الميليشياوية المسلحة، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي، وهنا لا يمكن أن نستبعد أن التحالف غض الطرف عما قام به «الانتقالي» من لقاء تشاوري يمهد للمضي صوب الانفصال، لاسيما وقد تبعته قرارات اتخذها الانتقالي منها ضم عضوين من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي لعضويته، وهي خطوة ليست بالهينة. ولم يكن المجلس الانتقالي يفكر مجرد التفكير بتنظيم هذا اللقاء واتخاذ هذه القرارات بدون أن يحصل على ضوء أخضر من التحالف. ليبقى السؤال: ماذا يريد التحالف من الموافقة على هذه الخطوة؟ لكن هذا السؤال قد يبدو ساذجًا عندما نعرف أن جميع المكونات المسلحة الميليشياوية في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليا حظيت وتحظى بدعم أي من دولتي التحالف أو كلتيهما، وبالتالي فالهدف من انشائها قائم وواضح منذ البداية.
قبل الانتقال إلى قراءة ما سيفضي إليه تشاوري «الانتقالي» لابد من التعرف إلى مشروعية اللقاء نفسه بالنظر إلى الوضع القانوني القائم الذي يحكم راهن البلد.
يقول الباحث اليمني مصطفى ناجي الجبزي: انتهت فعاليات الحوار الجنوبي بمخرجات نظرية باسم الميثاق الجنوبي هي أنضج تصور انتقالي إلى الآن بخصوص الحريات العامة وشكل السلطة ومبادئ اقتصاد حر وموقع الدين والمذهب، والتعددية السياسية. لحقتها إجراءات هيكلة للمجلس وضم عضوي مجلس قيادة إلى جانب عيدروس الزبيدي إلى هيئات المجلس الانتقالي وكذلك وزراء في مخالفة صريحة لالتزاماته السياسية وتنصل عن اتفاق الرياض وضماناته.
ويوضح مصطفى، في هذا السياق، أربع نقاط: أولاً، بُنيت كل هذه الإجراءات الاحادية على أساس التمييز بين مواطني الجمهورية اليمنية بينما ورد في المادة4 من اتفاق الرياض 2019 «الالتزام بحقوق المواطنة الكاملة لكافة أبناء الشعب اليمني ونبذ التمييز المناطقي والمذهبي ونبذ الفرقة والانقسام». ورد في ديباجة الإعلان الرئاسي الخاص بنقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي في 2022 «وتأكيداً على التزامنا بوحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامته الإقليمية ووحدة أراضيه، وتحقيقاً لمتطلبات شعبنا في المحافظة على النسيج الاجتماعي ووقف نزيف الدماء، وتضميداً للجراح، وتجسيداً لأهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر المجيدتين، وللمحافظة على وحدة شعبنا في دولة مدنية تحقق الشراكة الواسعة والتوزيع العادل للثروات، وتحمي الجميع».
وتابع مصطفى: واتفاق الرياض وبيان نقل السلطة هما إطار هذه المرحلة، إلا أن الإجراءات الاحادية لا تلتزم بأي من هذه المبادئ المؤسسة لهذه المرحلة الانتقالية، وتتعمد نسف المساواة بين المواطنين، بل تتعمد إلغاء الوحدة والشراكة. ثانياً، هذا الميثاق، حسب قانونيين، مخالف لاتفاق الرياض بخصوص الجيش والأمن الذي ينص على توحيد المؤسستين الأمنية والعسكرية ومشاركة المجلس الانتقالي ضمن وفد الحكومة لمشاورات الحل السياسي النهائي، بينما يتحدث الميثاق الجنوبي في المادة 21 عن مؤسسة عسكرية جنوبية فيدرالية، كما ينص على مشاركة مستقلة في المفاوضات. رابعاً: مخالفة التعيين في هيئات الانتقالي ينسف مبدأ التوازن في تشكيل المجلس القيادي والتوافق في عمله كما تنص الفقرة هـ من المادة الأولى من إعلان نقل السلطة.
واستطرد: لذا، على رعاة اتفاق نقل السلطة مراعاة شروط انجاح هذا المجلس والتذكير بالالتزامات التي نالتها القضية الجنوبية وتلقاها المجلس الانتقالي قبل التوقيع على اتفاق نقل السلطة. على الموقعين على اتفاق الرياض ورعاته الإقليميين اتخاذ الموقف الملائم، ويتعين التراجع عن الخطوات الاحادية ويلزم أعضاء مجلس القيادة عدم حضور فعاليات هيئات المجلس لتعارض المصالح ونسف التعاون والتوافق.
والسؤال: من أي زاوية يجب قراءة هذا الحدث الآن وما علاقة صمت التحالف عنه بمفاوضات الحوثيين والسعودية؟
تقول ورقة لمركز المخا للدراسات الاستراتيجية بعنوان «ماذا وراء لقاء المجلس الانتقالي التشاوري»: لقد قابلت أغلب القوى والمكوِّنات المؤثِّرة في المحافظات الجنوبية والشرقية دعوة الانتقالي بالرفض، باستثناء عدد محدود مِن الأفراد والكيانات، بما أظهره وكأنَّه حوار انتقالي- انتقالي. وبعد التوقيع على ما سُمِّي الميثاق الوطني الجنوبي، أصدر عيدروس الزُّبيدي، رئيس المجلس الانتقالي، عددًا مِن القرارات بهدف إعادة هيكلة المجلس، كان أبرزها تعيين عضوين جنوبيين مِن مجلس القيادة الرئاسي نائبين له، الأمر الذي غيّر الانطباع العام عن اللقاء التشاوري، وزاد مِن هواجس المتمسِّكين بخيار الوحدة اليمنية مِن وقوف دول إقليمية خلف تلك القرارات والقبول بها، وأنَّها ترتِّب لمسار خطير يستهدف وحدة واستقرار اليمن، خاصة وهما لم يعتذرا عن قبول التعيين حتى اللحظة.
كما أنَّه يستهدف بالتوقيع على الميثاق حسب الورقة «تكبيل القوى الجنوبية بالمبادئ التي سيتضمَّنها ما أُطلِق عليه الميثاق الوطني الجنوبي، والتَّعبئة ضدَّ مَن يتبنَّى موقفًا معارضًا للانفصال، أو يسعى لترتيب وضع سياسي لمحافظات أو مناطق معيَّنة خارج التصوُّر الذي يتبنَّاه الانتقالي (كما هو حاصل في محافظات حضرموت والمهرة وسقطرى) تحت دعاوى أنَّ ذلك الطرف خرج عن مبادئ الميثاق وإجماع الجنوبيين».
بلا شك ووفقا للورقة فقد «اقتصر الحضور على المحسوبين على المجلس الانتقالي في تلك المحافظات، ولم يشارك في اللِّقاء سوى محافظ المهرة السابق، راجح باكريت، ورئيس المكتب السياسي للحراك الثوري الجنوبي، فادي باعوم. هذه المقاطعة الواسعة لحضور اللِّقاء التشاوري، والتي أظهرته كحوار انتقالي-انتقالي كانت لها أسباب عدَّة لدى الأطراف الجنوبية المختلفة».
فيما يتعلق بالارتباط بالإمارات تقول الورقة:» المجلس صنيعة إماراتية، وأداة وظَّفتها للتَّنكيل ضدَّ خصومها، واجتثاث القوى السياسية والمكوِّنات الدينية والمجتمعية التي لا تتَّفق معها، وفي طليعتها حزب الإصلاح، والشَّخصيات السلفية التي لا تتماهى مع سياسات أبو ظبي. فقد تعرَّضت فروع حزب الإصلاح لاجتثاث وجودي، وأشكال مِن التَّنكيل على يد المجلس الانتقالي وتشكيلاته العسكرية والأمنية، وتعرَّض الكثير مِن أنصاره وأعضاء الجماعات السَّلفية المعتدلة للاغتيال، أو الاعتقال والإخفاء القسري، وغالبًا ما اتُّهم الانتقالي بأنَّه يقف خلف تلك الأعمال. ولكل ذلك ترفض الكثير مِن القوى الجنوبية الاستجابة لدعواته للحوار، ما لم يتخل عن التبعية المطلقة للإمارات، ويتحوَّل إلى قوَّة محلِّية تحرِّكها دوافع وطنية».
وتشير الورقة إلى نزعة الانتقالي نحو الهيمنة على المحافظات الجنوبية والشرقية سواء من خلال العمل العسكري الفج أو من خلال الاستقطاب والضم. كما تشير إلى مخاوف المكونات الجنوبية من فرض الانتقالي لرؤيته السياسية بينما تتمتع المكونات بتنوع في المواقف والرؤى.
وتطرقت الورقة إلى ما صدر في نهاية اللقاء التشاوري من قرارات تستهدف إعادة هيكلة قيادة المجلس، وكان أبرزها تعيين عبدالرحمن المحرمي عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد قوات العمالقة وفرج البحسني عضو مجلس القيادة الرئاسي فضلا عن أحمد بن بريك نوابا لرئيس المجلس، وحسب الورقة فمثل هذا القرار يعد اختراقا وازنا للشرعية، فإلى جانب إضافة عضوين من مجلس القيادة الرئاسي إلى عضوية الانتقالي فهو يعني أيضا إلحاق قوات العمالقة بالمجلس وإحداث اختراق في الموقف الحضرمي الرافض لمساعي الانتقالي للسيطرة على المحافظات الجنوبية كما أنه يؤشر لإمكانية وجود مخطط يستهدف وحدة واستقرار اليمن.
وترى الورقة أنه وفقا لعديد من المؤشرات فإن الإمارات تقف خلف اللقاء التشاوري، وما تبعه من قرارات؛ «فالشخصيات التي جرى تعيينها في رئاسة المجلس محسوبة كلها على أبو ظبي وعلى الأرجح أنها تعرضت لضغوط منها».
أما السعودية فحسب الورقة: «يبدو أن الجمود في ملف المفاوضات مع جماعة الحوثي دفع الرياض لغض الطرف عن تلك التطورات مع ما في ذلك من مخاطر كبيرة على وحدة اليمن وأمن السعودية على السواء».