صنعاء – «القدس العربي»: ما زال الكشف عن مصير السياسي المعتقل محمد قحطان يمثل حجر عثرة يعيق تحقيق تقدم حقيقي حتى اليوم الثالث من مفاوضات مسقط (الجولة التاسعة) بشأن الأسرى، والتي بدأت، الأحد، بين الحكومة اليمنيّة المعترف بها وجماعة “أنصار الله” (الحوثيون).
وقال مصدر سياسي يمنيّ مطلع، اشترط عدم الإفصاح عن هويته، إن الطرفين تبادلا كشوفات المحتجزين في اليوم الأول، والتي تضمنت أسماءً جديدة من الجانبين، بما فيهم أسماء مجهولي المصير التي ما زال الخلاف حولها قائمًا.
ولم يصدر عن أي من الطرفين بيانات أو تصريحات عن سير أعمال المفاوضات التي تجري في تكتم شديد برعاية من المبعوث الأممي الخاص لليمن، هانس غروندبرغ، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبدعم دبلوماسي من سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية، وبحضور ممثلين عن التحالف، في سياق حرص إقليمي وأممي على إنجاح هذه الجولة، التي تلتئم في أجواء يمنية متوترة يسودها التصعيدان الاقتصادي والعسكري.
وتمثل كشوفات المحتجزين والمخفيين مجهولي المصير حجر عثرة، من شأنه أن يعيق المفاوضات باتجاه الإفراج الكلي عن الأسرى، وفق قاعدة (الكل مقابل الكل)، في حال تم تجاوز شرط الوفد الحكومي الأساسي، الذي يصرّ على الكشف عن مصير السياسي محمد قحطان، القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح (أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد)، والمعتقل لدى الحوثيين منذ تسع سنوات، دون الإفصاح عن مصيره، أو السماح له بالاتصال بعائلته.
ويصرّ الوفد الحكومي، منذ اليوم الأول لهذه الجولة، على ضرورة أن يتلقى ردًا كتابيًا يوضح فيه الحوثيون مصير قحطان قبل الدخول في أي نقاشات الإفراج الكلي عن الأسرى، بينما يؤكد الحوثيون أهمية الالتزام بأجندة جولة المفاوضات.
وقال المصدر: “ما زالت، حتى الآن، الأجواء إيجابية تسود جلسات التفاوض، وثمة حرص لدى الجانبين لتحقيق تقدم، لكن يمثل الكشف عن مصير محمد قحطان تحديًا للمفاوضات، خصوصًا في ظل عدم كشف الحوثيين عن مصيره منذ تسع سنوات، وشيوع أنباء متضاربة عن مقتله في غارة جوية، وهو ما يدفع بالوفد الحكومي للضغط في هذا الاتجاه، خصوصًا وأن نفس هذا الإشكال كان ضمن عوامل تعثر الجولة الثامنة من المفاوضات، التي شهدتها العاصمة الأردنية عمّان في يونيو/ حزيران 2023”.
ماذا لو تم الكشف عن مصير السياسي محمد قحطان؟
في حال تم الكشف عن مصيره حيًا والإفراج عنه، فإن من شأن هذا أن يعزز من الثقة بين الطرفين، ويفضي إلى تكريس التعامل الإيجابي مع ملف مجهولي المصير من المخفيين والمحتجزين والأسرى، وهو ملف من شأن حلحلته أن يمثل خطوة متقدمة باتجاه المضي صوب الإفراج الكلي عن الأسرى، وفق قاعدة (الكل مقابل الكل). وبالتالي فمن شأن الإفراج عن قحطان أن يمد جسور التواصل، ويعزز من إيجابيتها بين طرفي الصراع.
في السياق، يؤكد الطرفان أهمية الذهاب بالمفاوضات صوب الاتفاق على الإفراج الكلي وفق قاعدة (الكل مقابل الكل)، وهو أمر ليس صعبًا تحقيقه، في حال توفرت النية الحقيقية لإغلاق وطي هذا الملف الإنساني، لكن ما زالت الحرب شبه قائمة وعواملها قائمة فعليًا، وبالتالي من الطبيعي أن يحرص الطرفان أن يكون لديه أسرى ومحتجزون يشكلون ورقة ضغط وتفاوض وكسب نقاط تقدم، مما يعني أن تحقيق اتفاق للإفراج الكلي عن الأسرى والمحتجزين بين الطرفين مرتبط بدرجة رئيسية بتحقيق اتفاق سلام شامل، لكن الأمر يبقى نسبيًا، والفرص في هذه المفاوضات قائمة، متى ما توفرت الإرادة الحقيقية للوصول بالبلاد إلى انفراجة حقيقية. إلا أن طي ملف الأسرى يبقى مرتبطًا بطي صفحة الحرب.
ماذا يعترض مسار الاتفاق على الإفراج الكلي للأسرى والمحتجزين؟
تحقيق هذه الصفقة الشاملة يمثل تحديًا كبيرًا لارتباطه بعددٍ من الإشكالات، أبرزها أن كشوفات المحتجزين ما زالت غير متفق عليها من الجانبين، وما زالت تضم أسماء جديدة تضاف إلى هذه الكشوفات، التي تم تبادلها خلال اتفاق ستوكهولم 2018، كما تتضمن هذه الكشوفات أسماء لا يقرّ بها كل من الطرفين، بالإضافة إلى كشوفات المحتجزين مجهولي المصير، أي الذين ينكر الطرف المعني أنهم في سجونه أو يرفض الكشف عن مصيرهم (المخفيين قسراً)، وبالتالي لا يتوفر إقرار بمصائرهم، علاوة على أن الجانب الحكومي يمثل معسكرات وسلطات أمر واقع عديدة، ولكل معسكر وسلطة سجونها واشتراطاتها، إلا أن ذلك لا يحول دون تحقيق صفقة شاملة متى ما توفرت النوايا الحقيقية بطي صفحة الحرب، لكن متى ما بقيت هناك حاجة للحرب ستظل الحاجة قائمة للأسرى والمحتجزين.
وقال المصدر لـ”القدس العربيّ “إن ما يميز مفاوضات مسقط هو أنها تحظى بدعم الوسطاء العُمانيين والتحالف ممثلاً في الرياض، بالإضافة إلى الأمم المتحدة والصليب الأحمر، ويعي الجميع أهمية إنجاح هذه الجولة، لأن فشلها سيغلق أبوابًا كثيرة في ظل التوتر والتصعيد الحالي بين الطرفين في الجانب الاقتصادي علاوة على تجدد الاشتباكات المسلحة على أكثر من جبهة في الداخل، بالتزامن مع أعمال المفاوضات بهدف التأثير على مسارها”.
ويشهد عددٌ من الجبهات في اليمن، مؤخرًا، مناوشات واشتباكات ومحاولات تقدم باستخدام الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وذلك في الحديدة ومأرب وتعز وغيرها، وأنباء عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، بشكل أثار أكثر من سؤال عن دواعي هذه الاشتباكات، وهو أمر لا يمكن التعامل معه بعيدًا عن الرغبة في التأثير على مفاوضات مسقط، فثمة مَن ما زال مستفيدًا من استمرار الحرب ويرغب في إفشال أي مفاوضات أو الضغط من خلالها على الطرف الآخر والتأثير على موقعه في التفاوض.
وكان المجلس الانتقالي الجنوبي أعلن عقب بدء أعمال مفاوضات مسقط عدم موافقته على أي نتائج تخرج بها هذه الجولة من المفاوضات، ما دام لم يتم إشراكه فيها.
وحسب المصدر نفسه، فإن الأجواء الإيجابية ما تزال تسود المفاوضات، التي يبذل فيها الوسطاء جهودًا لتقريب وجهات النظر وسط حرص على المضي بها نحو حلحلة هذا الملف أو تحقيق صفقة تبادل كبيرة بين الجانبين.
وكان المحلل السياسي العُماني، علوي المشهور، أكد في تصريح تلفزيوني أن هناك فرصًا حقيقية لتحقيق تقدم في مسار المفاوضات.
وقال: “وحتى وإن لم يستطيع المتفاوضون تحقيق اتفاق تسوية شاملة بإمكانهم تحقيق اتفاق يشمل ما يتعلق بحياة الناس ومظالمهم”.
وكان رئيس الوفد الحكومي، يحيى كزمان، أكد تعاملهم بمسؤولية والتزام وجدية مع هذا الملف الإنساني والعمل على إطلاق سراح الجميع على قاعدة الكل مقابل الكل وعلى رأسهم محمد قحطان.
فيما أكد رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى التابعة لـ”أنصار الله”: “نأمل أن تكون جولة ناجحة، وأن يتم فيها الاتفاق على صفقة تبادل جديدة، وأن يوفقنا الله لحلحلة هذا الملف الإنساني”.
وتمثل مفاوضات الأسرى أكثر ملفات الأزمة اليمنية تعقيدًا، بدليل أن ثماني جولات سابقة، لم يتم فيها سوى الاتفاق على صفقتي تبادل أسرى تمت بين الطرفين برعاية الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، كانت الأولى في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، وتم فيها الاتفاق على إطلاق سراح 1026 أسيرًا ومحتجزًا، وكانت وما زالت أكبر صفقة تبادل تمت بين الجانبين خلال الحرب الراهنة، فيما كانت الصفقة الثانية في أبريل/ نيسان العام الماضي، وتم فيها تبادل نحو 800 أسير بين الطرفين، بالإضافة إلى إطلاق سراح أسرى للتحالف. علاوة على ذلك، استطاعت وساطات قبلية تحقيق تبادل أسرى بين الجانبين بمستوى تجاوز ما حققته المفاوضات برعاية أممية، بالإضافة إلى ما يعلن عنه أحد الطرفين من مبادرات أحادية، يتم خلالها إطلاق أسرى من جانب واحد، وآخر مبادرة تمت في مايو/ أيار الماضي، حيث أعلن الحوثيون عن الإفراج عن 112 أسيرًا للطرف الآخر كمبادرة من جانبهم.
ويعد محمد قحطان أحد أربعة معتقلين تضمنهم قرار مجلس الأمن الدولي 2216، وتم الإفراج عن ثلاثة منهم.
ويشار إلى أنه لم يتم الاتفاق على موعد محدد حتى الآن لإتمام جولة مفاوضات مسقط، حيث تتضارب الأنباء بين أسبوع وعشرة أيام.
وكان اليمن شهد مؤخرًا فتح بعض الطرقات المغلقة جراء الحرب، بما فيها طريق الحوبان – تعز، وطريق البيضاء- مأرب، بعد سنوات من الاغلاق، وهو ما لاقى ارتياحًا شعبيًا كبيرًا، واعتبرت تلك المبادرات بادرة لاستكمال فتح بقية الطرقات المغلقة على امتداد البلاد جراء الحرب.