« امرأة لا تثير الحسد» مجموعة الشاعر الأردني سمير القضاة: تحدّيات الحرية في التفعيلة الآسرة القاهرة

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

من يقرأ شعر محمود درويش، كمثالٍ عن الشعراء بحقّ، لن يقنعَه بأيّة حال قول غُلاة نُصرة قصيدة النثر أن زمن قصيدة التفعيلة انتهى؛ إذ تقودنا تفعيلة درويش إلى الاقتناع أن رنين التفعيلة الآسر لا يمكنه بأية حال أسرَ حرية الشاعر الندّ الحرّ من أي قيد. ولكنْ بالمقابل، سوف نجد أن ما يدفع الغُلاة لهذا القول هو صحة التقصّي أنّ التفعيلة بقوافيها، تجرّ قصيدة الكثيرين ممن يكتبون بها، من شعراء اليوم بخاصة، إما إلى ارتباك إيقاعات أقدامها بين حُفَر الفخاخ، وهذا أهون شرور التحدّيات، وإما إلى الإنشاء الفارغ المكبِّل للشاعر عن التحليق في بحار المعنى، بحرّية أجنحته في التمايل مع الريح، دون أن تطيح بخُيَلائه الريح. وأنَّ من حكمة الصحيح الإقرارُ أن الحياة لا تتوقف عن إنجاب الشعراء الذين تتراكم فيهم إيقاعات الكون، ليولدوا ملتاثين وراقصين بها، طالما أن الشعر هو ابن موسيقى الكون، سواء عَلا ليغني على رقص الحبيبة في التفعيلة أو خَفَت ليهمس في أذنها على رفيف قلبها في قصيدة النثر؛ بإضافة أن الحرية دائماً هي ميزان إبداعات الشعر بيد عدالة الكون، وأن رقص الأقدام بأجنحة الريح، هو غربال الشعراء الذين يخوضون تحديات الوقوع من ثقوب تفاعيله.
وفي أيامنا التي فرضت فيها قصيدة النثر، إنْ بتراكيبها المتفرّدة أو عاديّاتها المتشابهة، نفْسَها على المشهد الشعري، وإن وصلت كذلك إلى انسدادات آفاقها، لن يمكننا سوى الإقرار بندرة الشعراء الذين يكتبون قصيدة التفعيلة، من دون أن تصيبهم عدوى مشابهة درويش، أو عدوى ما تراكم من إيقاعات شعراء القصيدة الكبار إن رجعنا إلى الماضي وسطَعَ أمامنا المتنبي كمثال، أو إن تقدّمنا منه إلى حاضرنا الذي أنتج السيّاب ونزار قباني وأمل دنقل وغيرهم من شعراء الحداثة الكبار الذين يصعب الخروج من تأثيرهم بقصيدة تفعيلةٍ متفرّدة ترقى إلى نهج ما بعد الحداثة، وإلى التيارات الأحدث التي بدأت بالخروج منها وعليها.
وفي ذلك، قد نجد بعض العذر لشعراء التفعيلة الذين يحاولون إيجاد أصواتهم الخاصة في ضجيج ما تراكم؛ كما قد نجد من خلال قراءات هذه التجارب، بعض ما يساعدنا كشعراء وقراء على تلمّس انسدادات ما وصل إليه الشعر بصورة عامة، وربّما إلى إحداث بعض الشروخ في جدار الانسداد؛ مثلما نفعل في قراءة مجموعة شاعر التفعيلة الأردني سمير القضاة التي أصدرها حديثاً، تحت عنوان «امرأةٌ لا تثير الحسد»، وحاول من خلال مَحْوَرتِها حول موضوع المرأة، ومعالجة قصائدها  بتجارب التفعيلة، إيجادَ ما يرتقي بقصيدته إلى المكانة التي تشعّ فيها بجمال ما يرتقي بالإنسان.
في مجموعة «امرأةٌ لا تثير الحسد»، يكتفي القضاة بتجميع 54 قصيدة تفعيلةٍ، متواليةٍ، بأطوال تتراوح بين الواحدة والأربع صفحات، بتواريخ غير متسلسلة، توحي بأنها جُمعت كباقة عن المرأة ولها، من دون التفاتٍ إلى التفاوت الفني، حيث يصقل الزمن التجارب، والتفاوت المعنوي الذي يكتشف القارئ إن دقَّقَ بتواريخ القصائد، تطوّرَ مفهوم المرأة فيه، من الحبيبة الجميلة إلى الحبيبة المعبودة المماثلة للإلهة. يحافظ الشاعر على كونه من يدور في فلك أنوثتها، معارضاً مفهوم النزارية الشهريارية الذي تدور المرأة في فلك ذكوريته، رغم تأثر قصائد عديدة للقضاة بإيقاعات ولغة قباني، حيث نقرأ في قصيدة «من فم الشيطان» المؤرخة في زمن متقدّم عام 2018: «يا قِبْلتي،/ وطريقتي…/ يا مخزنَ الغفرانْ/ ما ظلّ لي،/ حتى أعَمَّدَ مؤمناً،/ إلا غرامك في هُدى الأركانْ/ صلّوا وصاموا…/ إنما لم يعشقوكِ،/ ليبلغوا الإيمان».
ويستطيع القارئ لمس هذا التطوّر بتحديد القضاة لإلهته بعشتار، الأم الكبرى القمرية، قبل الانتصار عليها، واستبدالها بإله الذكورية الشمسي في المجتمع الوثني، وبالإله التوحيدي الذكر بعدها، رغم ضعف وقلة عمق تمثّل عشتار، وتَمثّل رموزها، في قصيدة «اسم الساقي» حيث: «لا وجه إلا وجه عشتارٍ، ولي/ منها وفاء الدّين بالأعناقِ».

مواصفات امرأة القضاة:
لا يصل القضاة بامرأته في العمق إلى قصيدة كيتس «الجميلة التي لا تعرف الرحمة» بإيقاع الفرسان في إسارها، ولا إلى بثّ روح الأنوثة الكونية المميِّزة لعشتار كسيّدة للحب والحرب، وللقمر، وللقمح، وللحياة في إخراجها الربيعَ من موته الشتائي، ولكنها بدءاً من العنوان الذي يُمَحْورُ القضاةُ مجموعته فيه حول المرأة، «هي امرأة لا تثير الحسد». بسيطةٌ مميزةٌ بجمال طبيعي، وراعيةٌ تثير شغف الولد القرويّ، من دون بث شاعرية «الرعوية» في المكان، بمعارضة تزييف جمال اليوم، إذ:
«على الزيف تحيا العيونُ
التي تحتفي بطلاء الأظافرِ
لكنّما الغجريةُ تصبغ بالشمس وجنتَها
كي نحوز بريق الأبدْ».
وهي المرأة التي ترتقي إلى المرأة الطبيعة، والمرأة الأرض/ الوطن، حاضرةً في غيابها نائبة عن نجمة سهر الشاعر، وتغيب وتجيء «كالغيمة الماطرة»؛ وهي قوة الأشياء، الرائعة، ودافعة الشاعر بحسنها لكتابة الجمال؛ وهي الحاكمة الوليّة بمبايعته لها حيث: «وأنا بايعتها اليومَ،/ لأرقى عاشقاً…/ يقرأ الحُبَّ على مثوى الحسين». وهي الفائزة بحسنها على الشعر، وموطنُ الشاعر، والحبُّ الذي لا يستقرّ معه، في الاستعارة التي تبعدها عن عمق المعنى، وتحدّ من امتدادها، وتُغبش معالمَها قسريّة القوافي، كما في وضع إنانا مع أنكيدو كعاشقين في قصيدة، وفي وضع جلجامش مع عشتار، في قصيدة «دينا»، حيث:
«دينا تفاوضني على لغتي…
لتأسر شاعري في قصرها الساديّ…
دينا لا تقول الحقَّ في حقِّي،
وتترك حبَّنا في قبضة الأغلال
دينا تناديها على جلجامش الألواحُ،
فالآيات تخترق القرونَ،
لتلهث الخطوات خلف خرافة الأجيال».
وهي المرأة الزوجة، الأم، الوطن، وخسارة الحب؛ والداء والدواء، والأهم؛ هي المرأة التي ترتقي في القصائد المتقدمة للشاعر إلى مماثلتها بالآلهة، كما في قصيدة «تشهدت باسمك»، حيث: «للهوى مصدر واحدٌ…/ وتشهّدتُ باسمك،/ في بيت شعري الأخيرْ/ ما على القلب من حرجٍ،/ فهو مستسلمٌ لنداء الحريرْ/ الزمان الجميلُ هو اليوم…/ كل العصور التي لست فيها ضبابيةٌ/ يا أميرة كل العصورْ». وكما في «أفلتَتْ من يدي»، التي تتعدّد بالنساء، حيث: «إن يعدَّ العشيقاتِ أهلُ الهوى/ فبها فقتُهم، حين عدَّدْتُها/ قَبّل الناس في الحجّ أحجارَهم/ وأنا ـــ كي أرى النور ـــ قبّلْتُها.»
وحيث لا يمكن بلورة الأشياء والكائنات إلا بأضدادها، يأتي الرجل، من دون ارتداء أقنعةٍ تبث تنوّعات الرجولة، مع امرأة القضاة، الشاعرُ نفسه، العاشق، العابد، الموالي باعتبارها مولاته، كما في قصيدة «حتى يوافيها الخجل» وقصيدة «سجِّليني»: «فأنا استفتيت عينِي، ولقد قررت أن أمنح صوتي ـــــ بعد أن زوّرَه الوالي ــــــ لعطر الياسمين». والعاشق المتعدد للأخريات، لكنه الموحّد لها، بقصيدة «في يوم مولدها»، حيث هو: «شاعر يتمرجح بين الحسانِ،/ فينسى مع الوقت أسماءهنّ…/ وتبقين وحدكِ،/ في قمرة الحب والذاكرة».
مواصفات قصيدة القضاة:
وحيث أن المعاني سوف تعرج من دون شكلها الجدلي الذي تتجسّد فيه؛ تتصف قصيدة القضاة ــــ مع تركيزنا على كونها قصيدة تفعيلة ـــــ أولاً، في الإيقاع: بالجملة القصيرة المنتهية بقافية تتكرر مع تسكين القافية، والاكتفاء في معظم القصائد بقافية واحدة، تتغيّر في قصيدتَيْ: «كما يتنفس» و«غياب» إلى قافيتين مختلفين وفقاً لتكوّنها من مقطعين، وإلى قوافٍ مختلفة بعدد المقاطع في القصيدتين الطويلتين: «هنا على اليرموك» و«من غير يد».
كما تتصف تفاعيل القضاة باعتماده التفعيلة الصافية في قصائد، وخلط تفعيلات تمنح القصيدة موسيقاها الخاصة بها في قصائد، مع الوقوع في تكسير التفعيلة بأخرى، مثل قصيدة «يحترفنَ النحول»، التي تتجه فيها مغايرة التفعيلة بعد غنائية التفعيلة الأولى، في البيت الأخير إلى السرد: حيث: «ليل عينيك،/ ما يزال طويلا/ فاستفيقي للشعر حتى يقولا/ ليس للحلم أن يظل كثيراً/ ويظل الحب الكبير قليلا.»
إضافة إلى اعتماد القضاة القصيدة العمودية في قصائد، مع توزيعها وفق أسطر قصيدة التفعيلة، كما يفعل في قصيدة «كالحب يغفو»، الجارية كقصيدة عمودية بتفعيلات بحر البسيط: مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن، وجوازاته، حيث: «كالحبّ،/ يغفو على حضن الصغيراتِ/ غفوتَ يا شعرُ،/ في روحي وليلاتي/ لا أنت مالٌ،/ على اللذات أنفقه/ ولا سباقٌ،/ على بعد المسافاتِ».
ومع تحديات المضاهاة، يقع القضاة في بعض قصائده العمودية هذه، بأسْر أساليب ولغة شعراء القصيدة العمودية الكبار مثل المتنبي، دون تخطّي قيود التفعيلة وقوافيها، التي كسرها المتنبي بأجنحة تخطّت في امتدادها الأزمنة، مثلما يحدث في قصيدته «نسيت سؤالها»، التي يجري فيها بقافية الألف واللام: «وما الدنيا سوى شفةٍ تغنّي/ وأنثى لا تكفّ عن الدلالِ». التي يسير فيها بمجرى مرثية أمّ سيف الدولة الشهيرة: «نُعِدُّ الْمَشْرَفِيَّةَ وَالْعَوَالِي/ وَتَقْتُلُنَا الْمَنُونُ بِلَا قِتَالِ»، بقوّة استخدام المتنبي للسؤال: «أُسَائِلُ عَنْكِ بَعْدَكِ كُلَّ مَجْدٍ/ وَمَا عَهْدِي بِمَجْدٍ عَنْكِ خَالِي».
وثانياً، في المعنى: بتداخل القضاة مع التراثَ الديني، وبالأخص الإسلامي في حبّ وعشق المرأة كإلهة، دون المرور بشفافيات الصوفية. ودون تداخلٍ بشفافيات التعامل مع الأنثى كسيّدةٍ لملكوت الكون. وتلعب كاف التشبيه التي يكثر منها القضاة، من مثل: «فانهمري على كتفيَّ كالقطرات»، «لأبدأ يومي كالشعراء»، و«يطول على قامةٍ كالرماح»، دوراً قاطعاً للتداخل بهذه الشفافيات.
سمير القضاة: «امرأة لا تثير الحسد»
الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان 2023
152 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية