انتحار التلاميذ: ظاهرة دخيلة على المجتمع التونسي تدق ناقوس الخطر

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»:شهدت تونس في السنوات الأخيرة حوادث ومحاولات انتحار في صفوف التلاميذ من الصغار والمراهقين حتى تحول الأمر إلى ظاهرة لافتة استدعت الحديث عنها في منابر عديدة للتشخيص ولإيجاد الحلول واقتضت أيضا تدخلات من الجهات الرسمية في محاولة لمعالجة الأمر وإيقاف هذا النزيف. ولعل الأخطر فيما يتعلق بهذه الظاهرة أنها تتنامى من سنة إلى أخرى، وتزداد بشكل كبير، وأن جهود الحد منها يبدو أنها باءت بالفشل ما يقتضي التعمق في دراستها أكثر فأكثر وإشراك أطراف عديدة في عملية مراجعتها الجدية المقترحة.
ويرجع البعض انتشار هذه الظاهرة إلى تنامي الإحباط في السنوات الأخيرة لدى التلاميذ بالنظر إلى الأوضاع الاستثنائية التي عاشتها تونس بعد الثورة فيما يتعلق بالاقتصاد والمجتمع والأمن. حيث دفعت هذه الأوضاع إلى انصراف الدولة والمجتمع عن الطفولة والانشغال بهموم أخرى أخذت الأولوية في سلم الاهتمامات بالنسبة للسلطة والأسرة وكل المتدخلين في العملية التربوية.
كما أن غياب الحوار مع الطفل في الفضائين الأسري والتربوي مع غياب المجتمع المدني وعدم القيام بدوره في معاضدة جهود الدولة على الوجه الأكمل وغياب الأنشطة الرياضية والثقافية في بعض المناطق، يفاقم من عزلة الطفل. كما يرى البعض أن ضعف التنشئة في بعض الأسر التونسية وغياب الجانب الروحاني في تكوين الطفل وعدم إدراكه لأهمية نعمة الحياة قد يكون من العوامل التي تفاقم ظاهرة انتحار التلاميذ في تونس.
وهناك أيضا طلاق الوالدين الذي أكدت دراسات عديدة أنه يساهم بشكل كبير في شعور التلميذ بالإحباط والعزلة وفقدان السند في غياب أحد الوالدين، باعتباره سيكون في رعاية أحدهما فيما سيقتصر دور الآخر على الزيارة وفي أفضل الحالات على الاستصحاب في أيام العطل والأعياد. ويؤدي هذا الشعور بالعزلة ببعض الأطفال إلى الانتحار هروبا من هذا الواقع المرير الذي وجد الطفل نفسه فيه من دون أي ذنب منه.
وفي هذا الإطار أكّدت القاضية الباحث بمركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل التونسية روان بن رقية مؤخرا في تصريح لوسيلة إعلام محلية أنّ عدد «أطفال الطلاق» في تونس، بلغ 600 ألف حالة، خلال الفترة المتراوحة بين كانون الثاني/يناير وكانون الأول/ديسمبر 2024. وأن 104 من هؤلاء الأطفال فارقوا الحياة انتحارا بسبب التفكك الأسري الناتج عن الطلاق.
كما أن الفقر والتهميش يلعبان دورا رئيسيا في تنامي هذه الظاهرة وهما اللذان يدفعان بالطفل إلى اليأس حين لا يجد ما يمكنه من العيش الكريم والنجاح الدراسي. ولعل ما يؤكد هذا الطرح هو أن أغلب حالات الانتحار تم تسجيلها إما بالمناطق الفقيرة والمهمشة أو لدى أطفال ينتمون إلى عائلات معوزة تفتقد إلى أبسط مقومات العيش الكريم.

تدخل كل الأطراف

سامية عموري أستاذة التعليم الابتدائي متخصصة في الإعلام التربوي تقول لـ«القدس العربي» إن انتحار التلاميذ ظاهرة من المفروض أن تؤخذ بعين الاعتبار من كافة الأطراف المتداخلة سواء الطرف الاجتماعي ألا وهي العائلة الصغيرة والأهل والأقارب، ومن الجانب الثاني وهو المسؤول الأول عن المواطن ألا وهو الجهات الرسمية. وتتابع بالقول: «للأسف الشديد كثرت حالات الانتحار لدى التلاميذ والأطفال في تونس خلال الأعوام الأخيرة. فمن المؤسف حقا أن تتوالى وهو ما يعني أننا في حالة يرثى لها وأن المسألة تزداد تفاقما ولها تداعياتها فيما بعد».
وعن الأسباب لتنامي الانتحار في الوسط المدرسي خاصة توضح محدثتنا بالقول: «في الوسط المدرسي في تونس يتعرض التلميذ لكثير من الضغوطات النفسية وكذلك يتعرض للتنمر والانزواء والانعزال ولخطر الإدمان ويتعرض للهروب إلى الإنترنت بكل مخاطرها. وهناك أيضا الجانب الاجتماعي الذي يلعب دورا هاما في مسألة الدفع نحو الانتحار، فالتلميذ الذي يعيش وضعا اجتماعيا هشا قد يلتجئ إلى طرق أخرى ليتزود بحاجياته وحين يصعب عليه ذلك قد يمر إلى الانتحار».
أما الجانب الثالث الأهم – حسب محدثتنا – فهو «الضغط النفسي الذي يتعرض له النجباء من التلاميذ. يعني قد تجد تلميذا سويا في وسطه الاجتماعي وميسور الحال وفي حالات أخرى يكون محاطا بعائلة ولكنها تمارس عليه ضغوطا في التحصيل الدراسي والمعرفي وتطالبه بالأكثر. ولعل خير دليل على ذلك الحالة الأخيرة التي تخص تلميذا من معهد نموذجي، فعندما لم يتحصل هذا التلميذ على الدرجة التي يريدها أقدم على الانتحار».
وتقول عموري إن «ظاهرة الانتحار موجودة على حد سواء لدى الإناث والذكور، وهنا الجهات المسؤولة يجب أن تأخذ هذا الموضوع مأخذ الجد لأنه مؤشر خطير جدا وينذر بسوء المصير لجيل كامل من الأطفال والشباب» وتتابع «ونحن هنا لا نستثني أحدا ولا نهتم للفوارق الاجتماعية لأن المسألة لا تتعلق بفقير أو غني أو محتاج أو ميسور، بل تتعلق بظاهرة اجتماعية جديدة ودخيلة على المجتمع التونسي. فسابقا كانت هناك حالات معزولة وتكاد تكون نادرة إذ قلما نسمع عن حالات انتحار لدى التلاميذ أو الأطفال، ولكن خلال السنوات الأخيرة نلاحظ تواتر حالات الانتحار في الوسط المدرسي».
أما عن المقاربة للحلول الممكنة تضيف محدثتنا: «أرى في تقديري المتواضع أن هذه المسألة يجب أن تتدخل فيها كل الأطراف المعنية على غرار وزارات الداخلية والتربية والشؤون الاجتماعية والصحة. وهنا أركز على الجانب الصحي المهم الذي يتضمن الإحاطة النفسية والطبية. فيجب أن تتحمل وزارة الصحة مسؤولياتها في الوسط المدرسي كشريكة ولها مسؤوليات نفسية وصحية تفرض عليها تولي هذه الحالات ومحاولة السيطرة عليها».
وتاتبع العموري: «فيما يتعلق بالحلول العاجلة يجب الإحاطة النفسية من خلال القرب أكثر من التلميذ من قبل عائلته الصغيرة والموسعة أولا، ثم الإطار الإداري التربوي ثانيا. وذلك لمحاولة فهم الحالة وتخفيف الضغوط التي أدت بهذا التلميذ إلى محاولة الانتحار. وهناك حلول آجلة تتجلى في أخذ الأسباب الكامنة وراء ازدياد حالات الانتحار وهنا لا ننسى أن أهمها هو النظام التعليمي الصعب في تونس وكذلك حالات الإدمان والتي تكاد تكتسح العائلات والوسط المدرسي. كل ذلك يحتم على كل فرد أن يتحمل مسؤولياته في هذا المجتمع سواء العائلة أو الأهل أو الجهات الرسمية التي لها مسؤوليات قانونية في علاقتها بالطفل انطلاقا من أن حق السلامة وحق التعليم والحياة هي حقوق مكفولة في مجلة الطفل وفي الدستور التونسي».
وشددت العموري على خطورة العائق الاتصالي لهذا الطفل أو التلميذ أو الشاب ضحية الانتحار. فعند غياب التواصل مع هذه الفئات الهشة وفقدان الحلول الاتصالية بالأساس وغياب الإحاطة اللازمة سيدفعه ذلك إلى اللجوء إلى حلول أخرى منها ربما الإنخراط في الجماعات المتطرفة أو الانزواء والادمان الإلكتروني أو الهجرة غير النظامية التي يلجأ إليها الشباب والقصر عندما يفقدون كل السبل وتنسد أمامهم كل الطرق وتتلاشى أحلامهم على صخرة الواقع المؤلم فيلجؤون إلى الانتحار وهو أقصى حالات الاكتئاب النفسي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية