انتشار المخدرات في المدارس ظاهرة تثير استنفار التونسيين

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: تشهد تونس في السنوات الأخيرة بروز ظاهرة خطيرة على تماسك المجتمع واستقراره تتمثل في انتشار استهلاك المخدرات في صفوف تلاميذ المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية، أي لدى فئة المراهقين الذين يمثلون نسبة هامة من سكان البلاد. وهو ما أثار قلق الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني وكثير من الفاعلين والنشطاء على أرض الخضراء الذين انكب كل من موقعه على تشخيص الظاهرة وإيجاد الحلول الكفيلة بمعالجتها.

ولعل ما ساهم في انتشار استهلاك المخدرات وخصوصا مادة القنب الهندي أو الحشيش في صفوف التونسيين عموما وتلاميذ المدارس الإعدادية والثانوية خصوصا هو تواجد البلاد في محيط إقليمي فيه دولة منتجة وأخرى مروجة وثالثة مستهلكة. فهذه المادة تزرع في أقاصي بلاد المغرب الكبير وتصل إلى تونس عبر دولة مجاورة ومنها تذهب إلى بلد مغاربي مجاور آخر ترتفع فيه نسبة استهلاكها خصوصا في السنوات الأخيرة التي شهد فيها هذا البلد فوضى عارمة واقتتالا أهليا قضى على مظاهر الدولة.

أرقام مفزعة

 

تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن قرابة 50 في المئة من التلاميذ التونسيين استهلكوا مواد مخدرة وخصوصا الحشيش أو القنب الهندي وأيضا الأقراص المخدرة أو حبوب الهلوسة، وأن لهذا الاستهلاك علاقة كبيرة بانتشار الجريمة في الوسط المدرسي في السنوات الأخيرة. وتؤكد الإحصائيات ذاتها على أن 40 في المئة من المستهلكين هن من الإناث اللواتي بتن يجدن في الإعداديات والثانويات مكانا آمنا للإفلات من عين الرقيب العائلي الذي يكون عادة بالمرصاد لكل حيف.

وتفيد الإحصائيات أن الفئة العمرية الأكثر استهلاكا لهذه المواد هي التي تتراوح أعمارها بين 13 و18 سنة وهي فئة المراهقين التي لم تعد تجد في المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية الرقابة الصارمة التي كانت تتوفر في السابق. والقنب الهندي هو الأكثر استهلاكا في صفوف التلاميذ تليه الأقراص المخدرة ويقوم بترويج هذه المواد أحيانا تلاميذ يعملون لصالح مروج محترف مقابل حفنة من المال وقد تم القبض على حالات كثيرة والحصول على اعترافات.
وتفيد الإحصائيات المذكورة أن هناك من التلاميذ من استهلك أيضا مادتي الكوكايين والهيرويين ومن أقبل على الحقن المخدرة دون تقديم تفاصيل عن كيفية الحصول على هذه المواد عالية الثمن والتي لا قبل للتلميذ عديم الدخل بها. وتنتشر أيضا في صفوف التلاميذ ظاهرة استنشاق روائح بعض المواد المصنعة المستخرجة من البترول بهدف الشعور بالانتعاش والغياب عن الوعي، وهي طريقة تتماشى مع القدرة المالية للتلميذ.

أسباب

يرى الكاتب التونسي والباحث في علم الاجتماع هشام الحاجي في حديثه لـ”القدس العربي” أن من أسباب انتشار تعاطي المخدرات في أوساط تلاميذ تونس هو الفوضى الأمنية التي عرفتها البلاد بعد سنة 2011. ويستشهد بإحصائية قدمها وزير داخلية أسبق تفيد أن قضايا المخدرات بلغت نحو 5744 ملفا في عام 2016 مقارنة بأقل من 800 قضية عام 2000.

ويرى الحاجي أن التلميذ في سن المراهقة عادة ما يميل إلى التمرد على السائد والمألوف ويستهويه كل ما هو ممنوع ومحرم ويشعره بأنه صاحب قرار مستقل ولم يعد ذلك الطفل الذي تفرض عليه العائلة والمجتمع قيودها الخانقة. لذلك يسهل، على صاحب هذه الشخصية التي هي في طور التشكل أن يقع فريسة لإدمان المخدرات التي إما يدخنها “مثل الكبار” فيشعر أنه “كبير” أو يبتلعها أن يشمها أو يحقنها في تحد صارخ للأب “القهار” أو الأم “اللجوجة” التي لا تكف عن تضييق الخناق وكذلك المدرس الذي “يصم الآذان” (من منظور المراهق) بالحديث عن مكارم الأخلاق كلما كانت الفرصة سانحة.

ويضيف: “يميل المراهقون عادة إلى تقليد بعضهم، وكلما أتى أحدهم ببدعة سارعت الأغلبية إلى النسج على منواله والاقتداء به خصوصا إذا تعلق الأمر بمجموعة متماسكة وأفرادها قريبون من بعضهم البعض. ولعل هذا ما يفسر انتشار ظاهرة استهلاك المخدرات في المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية انتشار النار في الهشيم.

فشخصية التلميذ المراهق هشة وضعيفة وعادة ما تفعل المؤثرات الخارجية فعلتها فيها فتتقاذفها يمينا وشمالا خاصة إذا لم تجد التأطير اللازم والرقابة على السلوك من قبل العائلة. وكم من حالة تم تسجيلها دفع فيها الأبوان الثمن غاليا بسبب الغفلة المؤقتة على ابنهما المراهق أو ابنتهما المراهقة الذي أنساق أو التي انساقت لا إراديا مع التيار الجارف”.

ومن أسباب انتشار المخدرات في المدارس والمعاهد حسب محدثنا، تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وكثرة المشاكل العائلية وفي حالات كثيرة الانفصال بين الأبوين. فيجد التلميذ، وفي رأي الحاجي في المخدرات ملاذا آمنا وهروبا من الواقع المرير، من الفقر المدقع والآفاق المسدودة وغياب الأمل، وهروبا من الصراخ المستمر والعراك بين الأبوين أو بينهما وبين باقي أفراد الأسرة المتفككة مع غياب تام للتأطير والرقابة من المدرسة التي تخلت عن دورها التربوي في السنوات الأخيرة.

حلول

ويرى محمد درغام رجل القانون والباحث في المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق في حديث لـ”القدس العربي” أن الحل الأمني يعتبر قاصرا على معالجة هذه الظاهرة خاصة وأن الأمر يتعلق بطفل قاصر. فلو سلطنا، بحسب محدثنا، خطية مالية على المستهلك فإن والد الطفل أو والدته هما من سيعاقبان في النهاية بدفع مبلغ الخطية ولن يردع هذا الطفل المستهلك للمخدرات، وإذا فرضنا عقوبة سالبة للحرية فإننا سنفتح باب الإجرام على مصراعيه لهذا الطفل خاصة وقد أثبتت التجربة ان السجون التونسية لا تردع وإنما هي مدارس للجريمة ومن يدخلها يغادرها أكثر عدوانية.

ويضيف: “وجب أن تتظافر جهود الجميع لمعالجة هذه المعضلة بداية من العائلة ثم المدرسة وصولا إلى الدولة التي عليها ان تراقب مسالك توزيع هذه المواد وتلاحق المروجين الكبار الذين يقومون بإيصال هذه السموم إلى الأطفال. كما أن على الدولة أن تكثف من الأنشطة الثقافية والرياضية وأن تنسق مع منظمات المجتمع المدني التي تعنى بالطفولة للخروج من هذا المأزق الذي يهدد الإنسان التونسي في وجوده.

وكما كان لبعض وسائل الإعلام دور هام في انتشار هذه الظاهرة، بعد “الثورة” من خلال التسويق وإن ضمنيا بأن استهلاك المواد المخدرة هو أمر هين وليس بالخطورة التي يتصورها البعض، ومن خلال جلب من يطالبون بعدم تجريم استهلاك القنب الهندي أو الحشيش أسوة ببلد مغاربي يزرع هذه السموم ويصدرها إلى جواره، وجب على هذه المؤسسات الإعلامية أن تضطلع بدورها التوعوي في التحسيس بخطورة الأمر وبمخاطر تخدير المواطن المطالب أن يكون في كامل مداركه مستنهض الحواس للعمل والكد والرفع من شأن أمته لا غائبا عن الوعي سابحا في عوالم الخيال والهلوسات فيما غيره يسابق الزمن وتتعلق همته بما وراء العرش”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية