انتصارات أكتوبر 73 ذكرى تتجدد في السينما والتلفزيون والقلوب

كمال القاضي
حجم الخط
3

لم تغب ذكرى حرب السادس من تشرين الأول/أكتوبر عن وجدان الشعب المصري منذ اندلاع الحرب عام 1973 وحتى الآن، فهذا العام تحتفل وسائل الإعلام المصرية بمرور خمسين عاماً على الحرب بشكل مُختلف يأخذ طابعاً شعبياً ورسمياً، حيث تسبق البرامج الغنائية والفترات المفتوحة بالإذاعة موعد وميقات الحدث ذاته بعدة أيام تتأهب خلالها المحطات الإذاعية والتلفزيونية لعرض الجديد والمخبوء عن أيام الانتصار المجيدة عبر أحاديث الخبراء الاستراتيجيين والعسكريين والمؤرخين.
لقد تبدت أولى صور الاحتفال بالنصر العظيم في عدة ملامح وإشارات، أولها تزيين حافلات النقل العام بصور الجنود أثناء العبور وهم يرفعون علم مصر على جبهة القتال فوق الأرض المُحررة، وهي ذروة الانتصار ولحظة الانتشاء التي انمحت بعدها آثار العدوان الإسرائيلي الغادر في عام 67 المُسمى بعام النكسة، ثانياً إبراز بانورما الحرب في رسوم مُتعددة الأشكال على أسوار المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية بما يُغذي الروح الوطنية لدى الطُلاب قبل دخولهم العام الدراسي الجديد وفق الخُطة المدروسة والقائمة على إعلاء قيم الانتماء وارتباط الأطفال والشباب بوطنهم وبلادهم وتحريك الشعور الوطني بقوة داخلهم كي يشبوا على يقين الإيمان بالوطن والأرض والتراب وترسخ لديهم فكرة الفداء والتضحية.
تلك الصور البانورامية الجديدة المُلصقة على جوانب حافلات النقل العام وإن بدت في شكلها بسيطة لكنها تعكس في مضمونها معنى عميقا وجوهريا مفاده ارتباط مفهوم الحركة والصيرورة والتقدم والتنمية والبناء بمعنى الانتماء الوطني وعلاقته بالجماهير التي هي أساس الحركة وعنصر التفاعل في الشارع والمصنع والمدرسة والجامعة والحقل وغيرها من المرافق العامة الضرورية للإنسان وبقائه وحيويته ومستقبله ومصيره.

ربط الماضي بالحاضر

تأتي عادة الاحتفال الإعلامي أيضاً كمقوم من مقومات ربط الماضي بالحاضر في ضوء الاستعداد التام لأية مواجهات جديدة على أي مستوى وأهمية التعبئة المعنوية لدى الأفراد والجماعات في هذا الشأن. فالقيمة الحقيقية للانتصار العسكري تكمن في حفظ توازن القوى وضمان القدرة الفائقة على رد أي عدوان من أي جهة، فليس المقصود بالاحتفالات والأغاني والأفلام، إتمام الشكل الكرنفالي للحدث الجلل واجترار الإحساس بالنصر فحسب، وإنما المقصود والمُستهدف ربما يربو فوق هذه الغاية ويسمو إلى ما هو أرقى وأعمق، حيث تثبيت مبدأ الانتصار ليكون هو العنوان الرئيسي لكافة المعارك المُحتملة في أي وقت وأي مرحلة، سواء كانت معارك عسكرية أو سياسية أو دبلوماسية أو اقتصادية أو تحديات أخرى من أي نوع.
لقد تنوعت أشكال الاحتفال بنصر أكتوبر هذا العام عن غيره من الأعوام السابقة فلم تقتصر على الملامح التقليدية لعرض الأفلام الحربية على سبيل المثال كفيلم «أغنية على الممر» وفيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» وفيلم «العُمر لحظة» و«حتى آخر العُمر» و«يوم الوفاء العظيم» و«بدور ويوم الكرامة» وإنما ترجمت الاستعدادات المُبكرة لبرامج الإذاعة والتلفزيون وعياً آخر عن دراسة ظاهرة المُقاتل المصري وكيفية صموده ورباطة جأشه في ظل قُدرات وإمكانيات عسكرية لم تكن في حينها مُتطورة بما يكفي لتحقيق النصر العظيم. فملحمة العبور ذاتها بآلياتها الفنية والتقنية التي استُخدمت في تحطيم خط بارليف والتمكن من عبور قناة السويس في زمن قياسي كانت بكل تفاصيلها إعجازاً قتالياً وعسكرياً أذهل إسرائيل وجمد قُدراتها وحجم قواتها وأخرس ألسنتها الدعائية الناطقة بالأكاذيب دوماً.

وسام نجمة سيناء

هنا تكمن أهمية التحول إلى دراسة سيكولوجية المُقاتل المصري والنظر بعين الاعتبار إلى قُدراته الخارقة في الأوقات الصعبة. فعلى سبيل المثال تحتاج بطولة الجندي المُقاتل محمد عبد العاطي المُلقب بصائد الدبابات إلى عدة دراسات بينية ونوعية عن بسالته وصموده وقوته وشجاعته المُتناهية، حيث لا يكفي الفيلم الذي كتبه وأخرجه المخرج خيري بشارة عنه بعد شهور قليلة من الحرب للإنباء بكل ما يتعلق بشخصية عبد العاطي ابن محافظة الشرقية الحاصل على دبلوم التعليم الفني الصناعي.
إن قُدرات الجندي المُقاتل قد تجاوزت بما صنعه من بطولات كل أطر التقييم واختبارات القوى التي يُمكن أن تُجريها جهات مُتخصصة على شخصية مثله تخطت كل المقاييس، فهذا الجندي بمفرده تمكن من تدمير ما يقرب من 27 دبابة إسرائيلية مُقاتلة وضرب أروع مثال في إحراز أكبر انتصار عسكري للمُقاتل الفرد في مواجهة أسطول من دبابات العدو، وقد حصل بموجب هذه البطولة الفردية الاستثنائية الفائقة على وسام نجمة سيناء وهو أرفع وسام يُمكن أن يحصل عليه مُقاتل.
كذلك الطريقة الهندسية التي تم بها بناء الكوبري الخشبي المُتحرك للوصول للضفة الأخرى للقناة والتي التفت إليها المخرج الراحل الكبير شادي عبد السلام بعد أقل من ستة أشهر من انتهاء الحرب ووثقها في فيلمه المهم «جيوش الشمس» كانت هي أيضاً جديرة بالدراسة والتحليل، لذلك اعتنى الخبراء والفنيون بدراسة أبعاد خُطة بناء الكوبري وفنية تركيبه واستخدامه على النحو الأمثل كما حدث في الحرب.
ولم يكن نداء الجنود وتكبيرهم لحظة العبور واقتحام المانع المائي بعد اختراق الساتر الترابي إلا إلهاماً ربانياً مُحفزاً وداعماً، فتلك بطولة أساسية جاء تحقيقها بعد دراسات مُتعمقة وتجارب ميدانية مُتكررة، حيث لم تُكتشف عملية استخدام المياه لفتح فجوات واسعة داخل خط بارليف منذ البداية ولكنها كانت الخطوة الأخيرة في عملية التجريب والتدريب واختبار كافة الوسائل في تحقيق الغرض لضمان سلامة تنفيذ الخُطة السرية بنجاح.
القراءات الخاصة والتحليلات المُتعلقة بحرب أكتوبر كثيرة ومُتعددة لكننا سنكتفي بهذه الملامح والإشارات السريعة ونترك للمختصين مهمة التحليل الشامل لتفاصيل المعركة الكُبرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية