انتصار الوزير في «رفقة عمر»: كتبت ما كان سيكتبه أبو جهاد لو بقي حياً

سمير ناصيف
حجم الخط
1

من الصعب اختيار نقطة التركيز في مراجعة الكتب التي تضم معلومات هامة ووافرة عن أحد المواضيع الذي له أهمية خاصة بالنسبة إلى القراء في العالم العربي والعالم وخصوصاً إذا تعلق الموضوع بالشأن الفلسطيني.
هذا الأمر ينطبق على كتاب صدرَ مؤخراً باللغة العربية وكتبته انتصار الوزير «أم جهاد» زوجة القائد الفلسطيني الشهيد خليل الوزير «أبو جهاد» وهو بعنوان: «رفقة عمر: مذكرات انتصار الوزير».
من المفيد في هذا المجال ذكر بعض ما أورده الناشرون على غلاف الكتاب الخارجي، إذ رأوا انه يوثق بدايات تأسيس حركة «فتح» لكون المؤلفة عايشت تحولات ومنعطفات في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية، وهي التي أسست أول خلية نسائية لحركة «فتح» وشاركت في معسكرات التدريب وتولت قيادة قوات «العاصفة» مؤقتاً، كما أسست «الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية» وكانت أُماً وزوجة ومناضلة وصمدت في جميع المراحل الصعبة وأقساها خصوصاً لدى اغتيال رفيق دربها أمام عينيها في تونس على أيدي مجموعة صهيونية مجرمة. الأمر الأهم، حسب فحوى ومنطلق هذه المراجعة، ان أم جهاد كتبت ما كان سيكتبه أبو جهاد، كبير شهداء المقاومة الفلسطينية، لو لم يتم اغتياله في منزله في تونس عام 1988 والذي يشمل أسراراً ربما تُذكر للمرة الأولى.
فالمؤلفة كتبت بقلبها وروحها وليس فقط بقلمها. وكما ذكرت المقدمة: «جاءت مذكرات أم جهاد مشحونة بالعاطفة تجاه زوجها خليل الوزير (أبو جهاد) فيُلمَح في كلماتها الكثير من الحنين حين تسهب في تذكر حكايتها مع رفيق دربها حتى استشهاده».
وتقول انتصار الوزير: «لم أكن قط المرأة أو الزوجة التي تقف على هامش الحلم بالحرية أو النصر، فمنذ اللحظة الأولى التي تعاهدنا بها أنا وخليل على حب فلسطين أصبح الوطن والعمل لخدمة شعبنا عنوان حياتنا» (ص 14). علماً انها وصلت إلى عضوية المجلس الثوري واللجنة المركزية لحركة «فتح» وعضوية «المجلس الوطني الفلسطيني» وكانت أول وزيرة للشؤون الاجتماعية بعد قيام السلطة الوطنية.
لعل أهم فصول الكتاب هي الأخيرة، وخصوصاً فصله السادس بعنوان «الأيام الأخيرة قبل الاغتيال».
تقول المؤلفة انه في 14 نيسان (ابريل) 1988 أي قبل يومين من عملية الاغتيال انقطعت الكهرباء في منزلهما في تونس وكانت المرة الأولى التي يحدث فيها هذا الأمر، وكأنه إنذار عما سيحدث.
وتضيف: «مباشرة بعد ذلك زارنا ضيف آخر هو الأخ جبريل الرجوب، وجلسنا معه حتى الرابعة صباحاً. وفي اليوم التالي، انشغل أبو جهاد بالتحضير لاجتماع مجلس أمناء مؤسسة الرعاية الاجتماعية والثقافية العربية، وهي مؤسسة أطلقها أبو جهاد بهدف تعزيز إرادة البقاء والنمو والتطور لدى مجتمع عرب فلسطين المحتلة (أي عرب 1948) ودعم إرادة التمسك بالهوية الوطنية الفلسطينية، وضمت شخصيات بارزة كالأخضر الإبراهيمي والأمير السعودي محمد الفيصل والملكة الأردنية دينا عبد الحميد والشيخ القطري حمد بن جاسم، وغيرهم من كبار القادة العرب. وعقد أبو جهاد في ذلك المساء الاجتماع التأسيسي لهذه المؤسسة ثم التقى الأخ فاروق القدومي (أبو اللطف) (ص 220 و221).
وبعد ذلك، تذكر تفاصيل دخول الوحدة العسكرية الإسرائيلية المنزل وتنفيذها عملية الاغتيال بوحشية بالغة، وتورد تفاصيل مؤثرة جداً (ص 223 ـ 225) بحيث تناوب المسلحون على إطلاق الرصاص على جسد زوجها حتى بعد وفاته. ولما ركضت نحو الشرفة للاستنجاد، لم يأت أحد ولم يتحرك أحد ولم تصل الشرطة إلا بعد ساعة ونصف الساعة على تنفيذ عملية الاغتيال (ص 225).
وتؤكد بان هذه الليلة السوداء لم تغب عنها للحظة، وهي: «الليلة التي ودعت فيها رفيق عمري وحبيبي وصديقي وقائدي أبو جهاد. الليلة التي أخذته مني رصاصات الغدر بعد خمسة وعشرين عاماً أمضيناها معاً في النضال والمقاومة» (ص226). وتضيف: «لا شيء يعوضني عن فقدان أبو جهاد. وربما عزائي الوحيد كان الوفاء والحب الذي عبّرَ عنه شعبنا وأصدقاؤنا حول العالم بعد استشهاده». وطلبت أم جهاد أن يُدفن زوجها في سوريا وتم تحقيق رغبتها في 21 نيسان (ابريل) 1988 في جنازة مليونية ضخمة جابت شوارع مخيم اليرموك في دمشق، حُملَ فيها جثمان أبو جهاد ملفوفاً بالعلم الفلسطيني. وأتتها التعازي من كبار القادة العرب، ودعاها الملك حسين إلى الإقامة في الأردن (ص 230). كما أفرجَ بعض القادة العرب عن معتقلين فلسطينيين في سجونهم إكراماً لذكرى استشهاد أبو جهاد.
وتقول انها فوجئت بدعوة أتتها من العقيد معمر القذافي لزيارة ليبيا ومقابلته. وتبين لها ان القذافي أراد معرفة إذا كان هناك أي خلاف بينها وبين القائد أبو عمار (ياسر عرفات) إذ بادرها بسؤال: «ايش مالك انت وأبو عمار؟ على ايش مختلفين». وتضيف: «صدمني سؤاله فأجبت فوراً: أبداً أنا وأبو عمار لم نختلف، وهو بالنسبة إليّ الأخ الكبير والقائد». فقال القذافي لها: «لا أنا وصلتني أخبار وبيانات أن أبو عمار يرفض أن تكوني في القطاع الغربي ويرفض أن تكوني في اللجنة المركزية، ثم لماذا تركت تونس وذهبتِ للاقامة في عمّان؟» وتقول انتصار: «شعرت انه كان يرغب أو يتمنى أن يكون هناك خلاف بيني وبين أبو عمار» (ص 234).
وتختم هذا الفصل بالتعبير عن سعادتها لانتخابها لعضوية اللجنة المركزية كونها أول امرأة فلسطينية تُنتخب لذلك الموقع، مع أن البعض تحفّظوا على ترشحها وفوزها وحصولها على أعلى الأصوات في انتخابات اللجنة.
وتقول في الفقرة الأخيرة منه: «في أحد الأيام، دعاني سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز (ملك السعودية حالياً، وأمير الرياض حينها) إلى السعودية لأداء مناسك العمرة وسألني إذا أردت طلباً منه فقلت: أريد فقط أن تستمروا بدعم الانتفاضة المباركة».
في الفصول الأولى تتطرق الكاتبة إلى بدايات لقائها مع رفيق عمرها خليل الوزير ثم رحلتهما سوياً في الكويت والجزائر وبعد ذلك بيروت وعمّان ودمشق، وتختم كتابها بفصل عن عودتها إلى غزة بعد اتفاقيات أوسلو.
وفي الفصل الثاني، تؤكد بان المخابرات اللبنانية في ستينيات القرن الماضي تعاملت بقسوة مع المقاومين الفلسطينيين المقيمين في المخيمات الفلسطينية في لبنان، فتقول في هذا المجال: «كان للمكتب الثاني في مخيم عين الحلوة (قرب صيدا في جنوب لبنان) سطوة شديدة، والشباب الفلسطيني تعرض للإهانة والضرب على يديه. كان شباب فتح الأوائل يعملون بسرية تامة بينما عيون المخابرات اللبنانية تترصد كل حركة» (ص 60). وتضيف: «أثناء وجودنا في بيروت قمنا بزيارة لإحدى المزارع الواقعة في منطقة الجبل، وكانت تضم معسكراً لتدريب الشباب على السلاح، هؤلاء قدموا من جهات مختلفة من الأردن وسوريا ولبنان، وكانوا يتدربون على السلاح ويتلقون جلسات توعية فكرية ووطنية» (ص 61).
وفي الجزائر، تقول المؤلفة: «كان خليل (زوجها) يذهب يومياً إلى فيللا (جولي) وهي مقر رئاسة الجمهورية الجزائرية لمقابلة الرئيس (آنذاك) أحمد بن بله ليأخذ موافقته على فتح مكتب لفلسطين في الجزائر ويحدثه عن حركة فتح وأهدافها ليؤمن دعم الجزائر لها. كان خليل يسعى لأن تكون الجزائر أرض المليون شهيد، قاعدة للثورة الفلسطينية تحتضن الثوار للتدريب والإعداد. علمنا في ما بعد ان سبب تأخر القيادة الجزائرية في فتح مكتب فلسطيني كان نتيجة لضغوط تعرضت لها الجزائر من المخابرات المصرية حينها» (ص 75 إلى 77). ولكن، بعد ذلك، أصبحت الجزائر حسب قول المؤلفة، مركزاً مهماً لمختلف حركات التحرر العالمية التي افتتحت مكاتب لها هناك، وكان مكتب فلسطين من أكثرها نجاحاً ونشاطاً، وكان خليل يشارك بشكل دائم من خلال إلقاء كلمة فلسطين في هذه المؤتمرات. وقد «التقينا أنا وخليل مع ارنستو تشي غيفارا أثناء انعقاد أحد المؤتمرات واهتم غيفارا كثيراً بالتفاصيل التي تحدّثَ عنها خليل حول إنطلاقة الثورة الفلسطينية والكفاح المسلح وقال حينها انه سعيد بانطلاق هذه الثورة وتمنى لنا التوفيق» (ص 90). وتضيف: «وأجرى خليل نقاشات طويلة مع سفارة الاتحاد السوفييتي والسفارة الصينية في الجزائر وسفارات أخرى، وقد أسست هذه اللقاءات لعلاقات الثورة الفلسطينية مع هذه الدول» (ص 91). «ودُعي خليل وأبو عمار لزيارة الصين، وشكلت هذه الزيارة منعطفاً تاريخياً في تاريخ القضية الفلسطينية. واستُقبل الوفد الفلسطيني بحفاوة في مطار الصين وأقيم له استقبال جماهيري واسع. وألقى خليل وأبو عمار كلمات لتحية الشعب الصيني في تلك المناسبة. وقام شو إن لاي (رئيس الوزراء الصيني حينها) باستقبال خليل الوزير وأعلن في اجتماعه معه أن جمهورية الصين الشعبية لن تعترف بإسرائيل لا اليوم ولا غداً ولا بعد مئة عام إلى أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه» (ص 92).
في الفصل الثالث وعنوانه «الهروب إلى دمشق» تقول: «سوريا كانت الدولة الوحيدة التي سمحت لنا بحرية الإقامة والحركة في حينها. وقد وقع أول خلاف بين فتح والاستخبارات العسكرية السورية عندما وُجهت إلى أبو عمار تهمة نسف خط (التابلاين) الذي يصل خزانات (آرامكو) في السعودية بخزانات الزهراني في جنوب لبنان، حيث استدعي وخضع للتحقيق وصدر بحقه قرار إبعاد عن الأراضي السورية. ولكن، نتيجة لبعض التدخلات، ألغي القرار وعاد أبو عمار لممارسة عمله كالسابق في الأراضي السورية، وكان هذا أول موقف سلبي تقوم به أجهزة الأمن السورية ضد حركة فتح (ص 105). ولكن قرارات أخرى في هذا الشأن اتُخذت ضد عرفات لدى عدم امتثاله لقرارات القيادة السورية في لبنان في منتصف السبعينيات والثمانينيات وخصوصاً بعد عودته إلى طرابلس شمال لبنان، وتحالفه مع قوات شعبية هناك برغم قرارات دولية وإقليمية مجحفة بإبعاده عن لبنان، وقرارات سورية بدعم جهات لبنانية وفلسطينية معارضة لعرفات ولخليل الوزير ومحاولات حزب البعث السوري الاستيلاء على حركة فتح (ص 123).
وتؤكد المؤلفة أن زوجها القائد الشهيد خليل الوزير حاول في أكثر من مناسبة مهادنة خصوم الثورة الفلسطينية وحركة «فتح» بين القياديين العرب والجهات الفلسطينية التابعة لهم، ولكن القدر انتزعه من موقعه القيادي وهو في قمة عطائه وخسرت الثورة الفلسطينية أحد كبار أركانها.

انتصار الوزير: «رفقة عمر»
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2022
280 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية