عمل اللجنة بتركيبة منقوصة ساهم في المبالغ الزهيدة المتحصل عليها من آلية الصلح الجزائي التي راهن عليها كثيرا الرئيس ولقيت انتقادات واسعة من المعارضة.
تونس ـ «القدس العربي»: أصبح ما يعرف بـ«الصلح الجزائي» وهو آلية جديدة تم إقرارها في تونس لحل مشاكل رجال الأعمال الذين تعلقت بهم شبهة الإستيلاء على المال العام من خلال إرجاع ما انتفعوا به من البنوك العمومية إلى خزينة الدولة مقابل إسقاط التتبعات القضائية المتعلقة بهم، موضوع جدل محتدم في الساحة السياسية التونسية. وتطال هذه الآلية وإجراءاتها وتركيبة لجنتها ونتائج عمل هذه اللجنة إلى حد الآن انتقادات واسعة، كما تدعمها بالأساس أطراف قريبة من دوائر القرار أو مساندة لرئيس الجمهورية قيس سعيد إلى جانب أطراف أخرى.
وقد قبلت لجنة الصلح الجزائي إلى حد الآن 250 ملف طلب صلح تقدم بها رجال أعمال بصفة تلقائية، وأنهت هذه اللجنة إجراءات الصلح بين رجال الأعمال والدولة في 40 في المئة من هذه الملفات. وتمكنت إلى حد الآن من تحصيل نحو 35 مليون دينار تونسي وهو مبلغ لا يرقى إلى ما كان يطمح إليه الرئيس أي 13.5 مليار دينار تونسي والذي كان قد صرح به في وقت سابق.
مصير اللجنة
ولعل السؤال الذي يطرح اليوم ما هو مصير هذه اللجنة خاصة وأن أعمالها محددة بمدة انتهت وتم التمديد لها بستة أشهر إضافية تنتهي في 11 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، ولم يصرح رئيس الجمهورية بعد عن نواياه بشأن التمديد لهذه اللجنة من عدمه. ففي المرة الأولى تم التمديد لأن المبالغ التي تم تحصيلها كانت هزيلة، وهذه المرة أيضا تم تحصيل مبلغ مالي لا يرقى إلى المأمول من هذه الآلية التي وضعت من أجل أن تسترد الدولة أموالها ويعود رجال الأعمال إلى ممارسة أعمالهم دون الخشية من سيف القضاء ومن الإيداع بغياهب السجون.
إن أغلب الظن هو أن يقع التمديد لمرة ثانية لهذه اللجنة خاصة بعد إثارة تتبعات قضائية ضد عدد من رجال الأعمال لم يذهبوا إلى لجنة الصلح الجزائي أو تعاملوا معها في ملفات دون أخرى. فهذه التتبعات يرى البعض أنها ستحفز رجال الأعمال المشتبه فيهم على الإنتفاع بالصلح الجزائي وتقديم ملفات في أقرب الآجال لتجنب التتبعات القضائية والإيقافات التي باتت هي الأصل في تونس هذه الأيام، فيما بات إبقاء الإنسان بحالة سراح إستثناء.
ويؤكد المدافعون عن هذه الآلية أن الرقم المتحصل عليه من آلية الصلح الجزائي سيرتفع خلال الفترة المقبلة وهو ما تؤكده كل المؤشرات ومنها، بالإضافة إلى عدم النظر في كل المطالب المقدمة إلى حد الآن، الإقبال المتوقع من المعنيين بهذا الصلح. حيث تقدم، حسب هؤلاء، عدد إضافي من رجال الأعمال ممن حصلوا قبل 2011 على أموال من البنوك التونسية دون ضمانات ودون أن يقوموا بإرجاعها، إلى اللجنة وعبروا عن استعدادهم للقيام بإجراءات الصلح الجزائي.
ويرى البعض أيضا أنه بإمكان رئيس الجمهورية، الذي أحدث هذه اللجنة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أن يقوم بتغيير أعضائها ما دامت لم تحقق النجاعة المرجوة وجمعت مبالغ دون المأمول. بالمقابل يرى البعض الآخر أن عدم تحقيق النتائج المرجوة من آلية الصلح الجزائي سببه هو عدم تحفيز رجال الأعمال المشتبه فيهم بالإستيلاء على المال العام خلال فترة حكم بن علي للذهاب طواعية لتسوية ملفاتهم.
وبالتالي فإن أعضاء اللجنة لا يتحملون ولو بصورة جزئية نتائج هذا الإخفاق وأن تغييرهم فيه تعسف عليهم لأن الأمر سيبدو وكأنه وقع تحميلهم دون سواهم المسؤولية. فالأفضل برأي البعض هو الإبقاء عليهم خاصة وقد تمكنوا من معرفة الملفات وأصحابها واكتسبوا الخبرة اللازمة لمواصلة العمل من أجل إكمال الملفات التي تقدم أصحابها طالبين الصلح الجزائي.
كما أن عمل اللجنة دون رئيس إلى حد الآن وبتركيبة منقوصة ساهم في هذه النتائج الهزيلة والمبالغ الزهيدة المتحصل عليها من آلية الصلح الجزائي التي راهن عليها كثيرا الرئيس ولقيت انتقادات واسعة من المعارضة من بينها أن الأموال التي تم الحديث عن إمكانية استرجاعها غير واقعية ولا يمكن تحصيلها. ويرى أصحاب هذا الرأي أيضا أنه وفي كل الأحوال كان على رئيس الجمهورية قيس سعيد أن يعين منذ البداية، ومنذ أن حصل الشغور، رئيسا جديدا لضمان النجاعة وحسن تحقيق الغاية التي بعثت من أجلها اللجنة.
ويتوقع البعض أن يقوم رئيس الجمهورية بتغيير أعضاء اللجنة فور انتهاء فترة التمديد الثانية، والحفاظ عليها كهيكل حكومي دائم مكلف بمهمات رسمية، ويتوقع هؤلاء أن يتم ذلك بأمر رئاسي، خاصة وأن الرئيس قد أكد في وقت سابق بأن عدد الذين نهبوا أموال البلاد قبل الثورة يصل إلى نحو 460 شخصا من رجال الأعمال ولم يتقدم منهم إلى حد الآن سوى 250 شخصا. لكن البعض يشكك في هذا الرقم باعتباره مبنيا على ما توصلت إليه اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد، التي ترأسها المرحوم عبد الفتاح عمر مباشرة بعد الثورة، وبالتالي فقد مضت سنوات على هذا التقرير وهناك من فارق الحياة وهناك من أفلس وبالتالي لم تعد تقارير هذه اللجنة مرجعا يمكن اعتماده.
القضاء الجزائي
وترى المحامية التونسية سندس دريدي لـ«القدس العربي» أن آلية الصلح الجزائي آلية جيدة في استرجاع بعض الأموال المنهوبة من بعض رجال الأعمال لكن المتحصل عليه من هذه العملية لن يحل مشاكل تونس التي تبدو بحاجة إلى إصلاحات سياسية واقتصادية جذرية. وفي كل الأحوال لا يمكن، حسب محدثتنا، لأي آلية أن تحل محل القضاء الجزائي الذي من المفروض أن يبت في هذه القضايا فيتهم ويدين ويخفف من العقاب متى تراءى له من ملفات القضية أن يقوم بذلك.
وتضيف: «إن من يقوم بالصلح الجزائي من المفروض أن يقع التخفيف من عقوبته من قبل القضاء وذلك على غرار من يقوم يجبر الضرر في الحق الشخصي في القضايا الجزائية، ولا يجب بأي حال من الأحوال أن يقع إسقاط حق التتبع بحقه من أجل جريمة ما. ومن بين الأسئلة التي تطرح كيف يقع إسقاط التتبع بحق رجل الأعمال القائم بالصلح الجزائي، فيما لا يقع إسقاط التتبع بحق الموظف البنكي الذي سهل حصول رجل الأعمال على قرض بنكي بمبلغ خيالي ودون ضمانات.
لقد كان من الأفضل أن يأخذ إنشاء هذه الآلية بعض الوقت لدراسة المسألة من كل الجوانب ودون تسرع حتى نتلافى مثل هكذا مطبات وثغرات قانونية. ما أؤكده أنه لا بديل عن القضاء حتى وإن قامت دول أخرى بتجارب مماثلة للصلح الجزائي التونسي».