انخراط كل القوى الحية في تونس نصرة لفلسطين

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: يواصل التونسيون وبكل مكوناتهم، الوقوف إلى جانب أشقائهم الفلسطينيين، بكل عفوية وحسابات، ودون أن يعيروا أي اهتمام لقوى كبرى أو صغرى أو لحاجتهم للدعم الغربي لاقتصادهم المتهالك. فمع فلسطين وشعبها يلقي التونسيون بكل ثقلهم غير عابئين بالعواقب، وتتفق المعارضة مع الفريق الحاكم ويختفي التنافر، ويلتحم الشعب بطبقته السياسية التي كان ينتقد أداءها ليلا نهارا، وتهب منظمات المجتمع المدني تحشد كل أشكال الدعم، ويتخندق الكل مع فلسطين التي توحد التونسيين دون سواها.

تجريم التطبيع

فعلى المستوى الرسمي يواصل البرلمان التونسي مسعاه لتمرير قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني وذلك بعد أن صادقت لجنة الحقوق والحريات داخل مجلس نواب الشعب على مشروع القانون وسيعرض قريبا على ما يبدو على الجلسة العامة للتصويت. وسعى النواب أعضاء اللجنة الذين صادقوا بالإجماع على المشروع إلى التشديد في عقاب المطبعين من حاملي الجنسية التونسية مع تجريم المحاولة والتشدد مع العودة إلى ارتكاب الفعل المجرم بعد العقاب. كما تم التأكيد على ضرورة أن يتضمن القانون عدم سقوط التتبع على هذه الجرائم المتعلقة بالتطبيع مع مرور الزمن مهما طال أسوة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ومن جهته وبأمر من الرئيس قام وزير الخارجية نبيل عمار بعقد اجتماع مع السفراء المعتمدين بتونس لكل من بريطانيا وروسيا والصين والولايات المتحدة وفرنسا، أي الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي. وقالت وزارة الخارجية في بيان نشرته في صفحتها الرسمية في أحد مواقع التواصل، إن الاجتماع كان بهدف تحميل السفراء رسالة إلى عواصمهم بخصوص الموقف التونسي مما يحصل في فلسطين.
وقالت الوزارة في بيانها إنه «إزاء تصاعد العدوان غير المسبوق على الشعب الفلسطيني، شدد الوزير على ضرورة تحمل المجتمع الدولي وخاصة الأطراف المؤثرة لمسؤولياتها السياسية والأخلاقية من أجل الوقف الفوري لإطلاق النار وحقن الدماء وحماية الفلسطينيّين في غزة». كما جدد نبيل عمار «إدانة تونس الشديدة للاعتداءات الجبانة للاحتلال ولاستخدام الأسلحة الأشد فتكا في الاستهداف الممنهج للرضع والأطفال والنساء والشيوخ، خدمة لأجندات سياسية».
كما استقبل الوزير ممثّلين عن وكالات الأنباء الأجنبية المعتمدة في تونس، وجاء في بلاغ للوزارة أن اللقاء مثّل مناسبة للتذكير بمواقف تونس الثّابتة من أمّهات القضايا وعلى رأسها الحقّ الفلسطيني الذي لا يسقط بالتقادم في العيش في دولته المستقلّة ذات السيادة الكاملة. وأبرز نبيل عمار أن الأولوية القصوى، بالنسبة لكلّ القوى الحيّة في العالم ولاسيما سلطة الكلمة والقلم والصورة والشاشة، هي «الوقوف مع الحقّ الفلسطيني وفضح العدوان الظالم والمتواصل عليه للمساهمة في وقف جرائم الاحتلال الذي ما زال يدكّ المباني على رؤوس الرضّع والأطفال والنساء والشيوخ ويقطع أوصال المدنيين الآمنين».

جهد إغاثي

شعبيا فإن أطيافا واسعة من أبناء الشعب من مختلف الأجيال تواصل التظاهر في الشارع رافعة شعارات الدعم لفلسطين وشعبها مطالبة بوقف العدوان ومحاكمة مجرمي الكيان الغاصب منتقدين مواقف بعض الأنظمة العربية والغربية الشريكة في العدوان. ويصب كثير من التونسيين جام غضبهم على فرنسا التي تخندقت مع الكيان المجرم بكل ثقلها وبشكل لافت وغير معتاد، وبات التظاهر قرب السفارة الفرنسية في العاصمة التونسية أمرا مألوفا لإيصال رسائل الإحتجاج إلى الساسة في باريس.
كما تواصل أطياف واسعة من التونسيين جمع المال والغذاء والأدوية والدم لشحنه إلى مطار العريش المصري ومنه إلى معبر رفح وقطاع غزة وذلك تحت إشراف الهلال الأحمر التونسي وهو الجهة الرسمية التي تتولى تنظيم مسألة إرسال المساعدات. وفي هذا الإطار تم تسجيل تبرع بعض التونسيين بأموال من مدخراتهم كانت مخصصة للحج أو العمرة، واعتبر أصحابها أن دفع ذلك المال لأهل غزة في محنتهم وفي هذه الأيام العصيبة التي يمرون بها أهم من أداء مناسك الحج وأهم من القيام بعمرة. ويدرك القاصي والداني أن تونس ليست بلدا غنيا وأن ذهاب التونسي إلى الحج غير متاح في كل الأوقات وذلك بسبب تكاليفه المشطة مقارنة بالدخل الفردي، وهو ما يجعل التونسي العادي من أبناء الطبقة الوسطى يقوم بادخار الأموال طيلة مراحل العمر حتى يجمع ثمن شعيرة الحج ليتوج بها حياته في سن متقدمة عادة. ولكن حب فلسطين والتضامن مع الأشقاء في غزة يجعل بعض التونسيين على استعداد للتضحية بالغالي والنفيس نصرة لأشقائهم وتصديا لمجرمي الكيان الغاصب في إبادتهم العرقية لأهالي قطاع غزة.

المجتمع المدني

وساهمت منظمات وجمعيات تونسية في فرنسا بدورها في جهود إغاثة أشقائهم في قطاع غزة حيث استأجر تونسيو فرنسا باخرة شحنوها بالدواء والأغذية وكل ما يحتاجه القطاع. وقد رست الباخرة بتونس قادمة من ميناء مرسيليا الفرنسي واستأنفت طريقها إلى الأراضي المصرية لإفراغ حمولتها ليتولى الجانب المصري إيصال هذه المساعدات إلى مستحقيها عبر معبر رفح.
وتواصل منظمات المجتمع المدني في الداخل بدورها جمع التبرعات والتظاهر تنديدا بالعدوان الغاشم وبالإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطينيون في قطاع عزة. وفي هذا الإطار نظمت الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين «يوم الغضب» الذي أكد خلاله عميد المحامين التونسيين حاتم مزيو أن المحاماة التونسية تواصل مقاطعة الاتحاد الدولي للمحامين رغم تغييره لموقفه وإدانته للمجازر الصهيونية. كما أكد العميد على أن المحامين التونسيين بصدد التنسيق مع زملائهم الفلسطينيين وإعداد ما يلزم للذهاب إلى القضاء الدولي لتقديم الشكاوى بمجرمي الكيان الغاصب. ويدعو رؤساء أحزاب سياسية في تونس إلى ضرورة طرد سفراء الدول المتواطئة مع الكيان الصهيوني على غرار فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وذلك استجابة لطلبات الشارع الذي دعا صراحة إلى طرد هؤلاء السفراء. واعتبر حمة الهمامي رئيس حزب العمال في هذا الإطار ان تونس تعيش في كل الحالات حصارا اقتصاديا وتجويعا تورطت فيه هذه البلدان الغربية وبالتالي فإن موقفا مشرفا داعما للقضية الفلسطينية كطرد السفراء لن يضر بالبلد لأنه متضرر في كل الحالات.
وتجد هذه الدعوات آذانا صاغية من قبل أطياف واسعة من التونسيين خاصة وقد سبق للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة أن طرد السفير الفرنسي من تونس وقطع العلاقات مع فرنسا قبيل حرب الجلاء التي استرجعت بموجبها تونس مدينة بنزرت وقواعدها العسكرية التي احتفظت بها فرنسا بعد الاستقلال. كما سبق للرئيس بورقيبة ان استدعى السفير الأمريكي في تونس وهدد الولايات المتحدة بقطع العلاقات إن هي استعملت حق النقض الفيتو في قرار يدين الكيان الصهيوني في مجلس الأمن وذلك بعد قصف الكيان سنة 1985 لمدينة حمام الشط التونسية حيث مقر منظمة التحرير الفلسطينية وتسبب القصف في سقوط قتلى وجرحى من التونسيين والفلسطينيين. وبالفعل فقد امتنعت الولايات المتحدة يومها عن التصويت ولم تستعمل حق النقض في مجلس الأمن الدولي وتمت إدانة الكيان الصهيوني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية