صنعاء-“القدس العربي”:خسر الريال اليمنيّ، مؤخراً، بعضاً من قيمته أمام تصاعد قيمة العملات الأجنبية في بداية مرحلة يظهر أن العملة اليمنية ستخسر فيها الكثير ما لم يتم تدارك الوضع ومعالجة الاختلالات المتوقعة في الشهور القليلة المقبلة، والتي ستؤدي إلى انخفاض كمية العملة الأجنبية المتوفرة في البلاد بشكل حاد نتيجة تراجع تحويلات المغتربين اليمنيين بنسبة 70 في المئة ونفاد الوديعة السعودية المخصصة لدعم استيراد السلع الأساسية.
واعتبرت دراسة يمنيّة حديثة أن الشهور المقبلة “في ظل هذه العوامل ستكون أليمة وعواقبها كارثية”.
وكان قرار حكومة جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) في كانون الثاني/ يناير من هذا العام بحظر تداول العملة الورقية الجديدة الصادرة عن البنك المركزي في عدن قد أدى لظهور أسعار صرف متباينة بين المحافظات الشمالية والجنوبية وإلى استخدام الريال السعودي والدولار الأمريكي لإتمام المعاملات المحلية.
وارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي حتى (الخميس) إلى 605 ريالات في صنعاء و738 ريالاً في عدن بزيادة طفيفة في صنعاء وكبيرة في عدن عن الشهر الماضي.
ونتيجة للارتفاع الكبير لسعر صرف الدولار في عدن أغلقت بعض محلات الصرافة أبوابها أمام المواطنين جراء التهاوي المتسارع للريال أمام العملات الأجنبية.
ووفق دراسة لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، تقدر التحويلات المالية للمغتربين، التي تعتبر أكبر مصدر للعملة الأجنبية في البلاد، بأكثر من ثلاثة مليارات دولار أمريكي سنويًا وتُرسل بشكل عام من اليمنيين الذين يعملون في السعودية، وهنا تتوقع الأمم المتحدة انخفاض التحويلات المالية بنسبة 70 في المئة بسبب القيود المفروضة على العمال والانكماش الاقتصادي السعودي المفاجئ نتيجة القيود المفروضة لاحتواء فيروس كورونا والهبوط بأسعار النفط العالمية.
كما أعلنت الأمم المتحدة في أيار/مايو أنها تتجه صوب منحدر مالي في اليمن وأن نقص السيولة قد يؤدي إلى إيقاف أو تقليص عمل ثلاثة أرباع برامجها هناك. هذا يعني إن آلاف اليمنيين الذين يعملون ضمن هذه البرامج سيخسرون مصدر رزقهم إلى جانب التأثير المباشر على ملايين المستفيدين.
وقالت الدراسة، التي تناولت واقع وباء كورونا في اليمن، إن “أي رسم بياني للتأثير الناجم عن انخفاض التحويلات المالية وتقليص المساعدات الخارجية على العملة الأجنبية المتاحة في اليمن سيظهر اتجاهاً هبوطياً، أما الهاوية الجدية فستكون عند نفاد الوديعة السعودية البالغة ملياري دولار والتي قدمتها الرياض إلى البنك المركزي اليمني في عدن قبل عامين، واستخدمها لتمويل واردات السلع الأساسية منذ ذلك الحين”.
وحسب الدراسة فإن هناك احتمالا ضئيلا أن تقدم السعودية لليمن دعماً جديداً يضاهي المساعدات السابقة، لاسيما مع الفجوة في الموازنة السعودية وجهود المملكة لخفض الانفاق الحكومي.
تضخم أسعار السلع
في ظل هذا الوضع وعدم تعويض ما نقص من احتياطات النقد الأجنبي فإن البنك المركزي في عدن، وفق الدراسة، قد يعجز عن تأمين خطابات الاعتماد لتمويل الواردات بعد فصل الصيف.
ووفق الدراسة فعندما يحدث ذلك، سيلجأ التجار وتحديداً مستوردي المواد الغذائية والوقود إلى السوق لشراء الدولارات لسداد فواتيرهم. وهنا فإن انخفاض كمية النقد الأجنبي المتاحة تعني أن قيمة الريال ستنخفض أكثر مقابل الدولار. “كما ستتعرض قيمة الريال اليمني للمزيد من الضغط الهبوطي بعد أن تضخ الحكومة 250 مليار ريال طبعتها مؤخرًا لتغطية نفقاتها التشغيلية”.
ويعتمد اليمن بشكل كبير على الواردات؛ فما يصل إلى 90 في المئة من المواد الغذائية الأساسية مستوردة؛ وبالتالي سيؤدي انخفاض قيمة العملة المحلية إلى تضخم أسعار معظم السلع.
ويعاني سكان اليمن بشدة جراء الحرب المستمرة منذ خمس سنوات، والانهيار الاقتصادي المصاحب لها “إذ يرزح نحو ثلاثة أرباعهم تحت خط الفقر، وأي ارتفاع في أسعار السلع سيكون له آثار كبيرة على قدرتهم الشرائية، وبالتالي قدرتهم على البقاء على قيد الحياة. كما سيؤدي انخفاض كمية العملات الأجنبية التي تدخل اليمن إلى تقليل النشاط الاقتصادي بشكل عام وتزايد نسبة البطالة”.
وفي تصريح لـ “القدس العربي” لم يستبعد الصحافي اليمني رضوان الهمداني احتمال تراجع كارثي لقيمة العملة اليمنية خلال الأونة القليلة المقبلة.
وقال الهمداني “إن انهيار العملة المحلية أمر طبيعي في ظل شحة عائدات الدولة من النقد الأجنبي بسبب انهيار أسعار النفط عالمياً وتراجع عائدات الحكومة من هذا المورد الرئيس لليمن. يضاف إلى ذلك تراجع تحويلات المغتربين بسبب الاغلاق العام في السعودية جراء فيروس كورونا”.
وأردف: “من أجل هذا تبقى جميع الاحتمالات مفتوحة للسقف الذي سيصل فيه مستوى تراجع قيمة العملة الوطنية وفي حال لجأت فيه الحكومة لضخ المزيد من العملة المحلية لتغطية فاتورة المرتبات وغيرها؛ فهذا الأمر بالإضافة إلى العوامل السابقة يجعل تراجع قيمة العملة بنسبة مخيفة أمرًا غير مستبعداً على الاطلاق”.
وتشهد العملة اليمنيّة منذ بدء الحرب عام 2015 انهيارات متوالية، وكان آخر انهيار شهدته في اذار/مارس الماضي حيث ارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي بصنعاء إلى 600 ريال وفي عدن إلى 660 ريال، لكن الفرق فيما تشهده العملة اليمنية، حالياً منذ كانون الثاني/يناير عقب قرار الحوثيين بإلغاء التعامل مع العملة الصادرة عن البنك المركزي في عدن، هو في زيادة الفارق بين سعر الصرف في مناطق سلطة الحوثيين ومناطق سلطة الحكومة الشرعية؛ وهو ما يترتب عليه طردياً ارتفاعاً في رسوم التحويل المالي لدى شركات الصرافة المحلية التي كانت تفرض 12 في المئة رسوم تحويل من مناطق الحكومة الشرعية إلى مناطق سيطرة الحوثيين والعكس؛ فيما صارت تفرض مؤخراً 18 في المئة مع ارتفاع سعر الصرف في مناطق الحكومة الشرعية؛ وما هو ينجم عنه زيادة في معاناة المواطنين هنا وهناك مع ارتفاع أسعار السلع.