انطوان فرنسيس في «نهاية لبنان الكبير»: الدول الكبرى تغذي الأزمات في دول كلبنان لتطويعها واستخدامها في مشاريع إنتاج الدول الفاشلة

سمير ناصيف
حجم الخط
0

ما هو المطلوب من الإعلاميين والمثقفين والخبراء السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين في خضم الأزمة الخطيرة التي يتعرض لها لبنان ودول أخرى في العالم الثالث في مواجهة المشاريع الساعية لإنتاج الدول الفاشلة؟

هذا أحد الأسئلة التي يطرحها كتاب بعنوان «نهاية لبنان الكبير» صدَرَ مؤخراً في بيروت لمؤلفه انطوان فرنسيس.
المقاربة الأساسية في الكتاب هي أن ما يجري حالياً في العالم هو إطلاق وتغذية الصدمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لتدمير الدول النامية ومجتمعاتها وشعوبها واستخدامها لتحقيق الأرباح بفضل إنتاج دول فاشلة. وهذا ما حصل في لبنان (برأي الكاتب) في السنوات الأخيرة بحيث ينتقل البلد من كارثة إلى أخرى حتى: «بات هذا الوطن خزاناً للكوارث في خدمة نيوليبرالية رأسمالية متوحشة، تديرها دول الاستعمار السابق واستخباراتها بالتعاون مع دول تابعة لها في المنطقة. فبعدما استخدمت هذه الدول سابقاً الصدمات الكهربائية لتعذيب وتطويع الأفراد، تستخدم الآن الصدمات الاقتصادية والسياسية والإنسانية ـ الاجتماعية لتطويع الدول والمجتمعات المعارضة لمشاريعها ولإملاءاتها» (ص 26).
هذه السياسة النيوليبرالية المتوحشة انطلقت (حسب قوله) بقوة عبر نظريات الاقتصادي اليميني الأمريكي المتطرف ميلتون فريدمان في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، الذي اعتبر بان إثارة الأزمات الحقيقية أو المفتعلة وحدها تُنتج تغييراً فعلياً في دول العالم الثالث كما ترغب الدول الكبرى بحدوثه. وقد تأثر بنظريات فريدمان كبار قادة العالم الغني في القرن الماضي كالرئيس الأمريكي رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر ورؤساء آخرون في المرحلة الحالية لدول فاعلة تقود العالم كدونالد ترامب، أو تخضع لهم كقادة إسرائيل السابقين والحاليين وبعض حلفائهم في الشرق الأوسط.
وينصح ميلتون فريدمان الرأسماليين الكبار التحرك بسرعة لإحداث واستغلال الأزمات والكوارث في العالم الفقير لتمرير السياسات التي تفيدهم في عكس مصلحة المحتاجين في العالم، علماً أن مثل هذه السياسات عموماً تقود إلى الكساد والبطالة وتفاقم الفقر والنهب من جانب الرأسماليين والمصارف والمؤسسات الكبرى المتمسكة بالمال العام ونهبه وبرفضها للإصلاحات التي قد تفيد الشعوب والطبقات المتوسطة والفقيرة في بلدان بحاجة إليه. ويُسمي فرنسيس هذه السياسات غير الإنسانية: «رأسمالية الكوارث» التي تُعمق الفوارق الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية خلال الأزمات وتزيد ثروات أصحاب الرساميل الضخمة على حساب الطبقات المحتاجة.
وحسب الكتاب، يستخدم قادة دول «الرأسمالية النيوليبرالية المتوحشة» قضايا سياسية لتنفيذ غزوات وأزمات واغتيالات في دول أخرى وتأجيج «الثورات الشعبية المفبركة» لتحقيق غايات مالية واقتصادية وليس لنشر الديمقراطية والحرية، كما تدعي.
ويطرح الكاتب في هذا المجال الغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق عام 2003 واغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005 وانفجار المرفأ في العاصمة اللبنانية صيف عام 2020 وما تبع هذه الأحداث.
وتتشارك عناصر محلية مع دول الرأسمالية المتوحشة (برأي الكاتب) في تنفيذ مثل هذه الاعتداءات المثيرة للأزمات والفوضى والخراب. ففي لبنان، تزامنت صدمة إقفال المصارف وتوقفها عن دفع مستحقات مودعي الأموال فيها مع التحركات الشعبية في البلد في خريف عام 2019. كما أصبحت الكهرباء توفر للشعب بصعوبة وتقتير وعبر اضطرار الناس لدفع المبالغ الضخمة لأصحاب المولدات، وارتفع سعر البنزين والمازوت والدواء وغيرها من السلع الأساسية بالتواطؤ بين بعض جهات الدولة والقطاع الخاص بحجة عدم القدرة على مواجهة الأزمة إلا إذا اتجهت الدولة نحو التمويل من «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي» اللذين طالبا وما زالا بانتقال القطاعات والمؤسسات الأساسية في لبنان إلى القطاع الخاص.
ويعتبر الكاتب ان ما يجري في لبنان وفي بعض دول المنطقة الأخرى هو تكملة لسياسة «الفوضى الخلاقة» التي طرحتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس للمنطقة بعد غزو العراق عام 2003 وما استمرت في طرحه القيادات في الدول الغربية اللاحقة وإن بشكل مستتر وتحت أغطية جمهورية أو ديمقراطية مزيفة.
ويتساءل الكاتب في هذا المجال عن حقيقة دوافع الدول الكبرى والشركات العالمية وحلفائها في المنطقة إزاء تحسين الأوضاع في لبنان، فيقول: «قبل أن تمر أيام قليلة على حدوث انفجار مرفأ بيروت في 2020 تهافت أهل السياسة والمال في سائر أنحاء العالم الغني وبدأ التخطيط لإعادة بناء المرفأ، حتى قبل انتشال جثث الضحايا. وبدأ التنافس على الاستثمار لتعميره بين الفرنسيين والألمان والروس والصينيين بينما الأمريكي يراقب ويُحضّر حق النقض (الفيتو) على الآخرين! فالهجوم على استثمار إعادة تعمير مرفأ بيروت بعد الانفجار مرتبط بنظرية ميلتون فريدمان، بحيث اعتُبر فرصة للاستثمار تشمل بناء مدينة سياحية حول المرفأ المدمر. وكان قد حصل الأمر نفسه عندما بُني مشروع سوليدير على أنقاض الأسواق التجارية التي دُمرت في وسط بيروت خلال حرب 1975 الأهلية. وهذا المشروع تم تنفيذه على حساب أربعة وثمانين ألف مواطن كانوا يملكون محلات تجارية تدمرت خلال تلك الحرب» (ص 36).
الآن، تدور في خواطر الحكومات الجديدة في لبنان استخدام سياسات البنك وصندوق النقد الدوليين للاستيلاء على أموال المودعين في المصارف اللبنانية بحجة تنفيذ مشاريع لإعادة توفير الكهرباء إلى الشعب وتقديم الأسهم في السوق المالية للمودعين عوضاً عن أموالهم المنهوبة، كما حصل في مشروع سوليدير سابقاً. بيد أن كثيرين يدركون ان أسهم سوليدير انخفضت بشكل كبير وأن مخازنهم التجارية «طارت» كما ستطير أموالهم وودائعهم في المصارف إذا نفّذت الرأسمالية المتوحشة مثل هذه المشاريع المطروحة تحت تسمية إنشاء الصناديق السيادية الانمائية بواسطة عملائها المحليين الذين يحتلون المناصب القيادية السياسية العليا، والذين قاموا بتحويل المليارات من حساباتهم في الدولارات إلى الخارج من دون قيود بينما منعت المصارف اللبنانية والمصرف المركزي اللبناني المواطنين من التصرف بأموالهم بحجة الفاقة المصطنعة في المصارف وشركائها في المؤسسات المصرفية والمالية الحكومية.
ويعتبر الكاتب بأن المصارف اللبنانية «نفذّت إقفالاً مفتعلاً لأبوابها خلال التحركات الشعبية في تشرين الأول (اكتوبر) 2019 لمنع المودعين من الوصول إلى أموالهم، وان جزءاً من تلك الانتفاضات الشعبية كان مخططاً له من أجل التوصل إلى تلك الحالة الاستملاكية المفتعلة لوضع اليد وتجميد أو نهب أموال المودعين».
ويتساءل في الصفحة (87): «مَنْ هي الجهة التي كَلّفَت وزير الاتصالات في الحكومة اللبنانية في عام 2019 محمد شقير للإعلان عن ضريبة مضافة على الواتساب من دون إقرار مُسبق؟» وهذا الأمر أدى إلى ردة فعل شعبية، ربما منظمة مسبقاً، في جميع المحافظات، وخصوصاً في وسط بيروت. ويضيف: «ماذا كانت علاقة المنظومة المالية المرتبطة بالخارج والتي تحكُم لبنان منذ اتفاق الطائف بما جرى آنذاك ومن ثم بالارتفاع الكبير في سعر الدولار؟ ومَنْ هي الجهة التي حرّكت وأشعلت مواقع التواصل الاجتماعي والدعوات إلى التظاهر وحرّكت وسائل الإعلام؟ ومن اللافت (حسب ما يضيف) أن محطات التلفزيون الرئيسية كانت متواجدة مسبقاً حيث انطلقت التظاهرات وتواجدها ساهم في تكثيفها، ولم تتوقف التظاهرات حتى بعد تراجع الحكومة عن ضريبة شقير التحريضية! كما تولت قيادة الحراك الشعبي الأحزاب التي (برأي الكاتب) تدور في فلك الدول الكبرى والغنية إلى جانب عدد من جمعيات المجتمع المدني الممولة أجنبياً. أما المصارف فأغلقت أبوابها على المودعين، ولكنها استمرت في تمويل المحطات التلفزيونية التي غطت أحداث الشارع، كما ان بعض السفارات الغربية والعربية واكبت الشارع ببيانات التأييد اليومية وتحذير المسؤولين اللبنانيين والجيش من التعرض للمتظاهرين، وكانت توجه وتشجع وتدعم الأحزاب التي «ركبت موجة الثورة». وهكذا «دخل لبنان بين ليلة وضحاها في مشروع الفوضى الخلاقة» (ص 88 ـ 91).
ويضيف: «اعتقدَ الكثير من اللبنانيين بان أحلامهم بدأت تتحقق وسوف تختفي الطبقة السياسية التي نهبت الثروات منذ الاستقلال، وسوف تنتهي أزماتهم الحياتية. ولكن في نهاية المطاف بدأ الحراك الشعبي أشبه بصوتٍ صارخ في البرية» (ص92 و93).
يحاول الكاتب تحليل الأسباب التي أدت إلى فشل الحراك الشعبي في خريف 2019 مشيراً إلى وجود عناصر صادقة شاركت فيه. وبين هذه الأسباب عدم رسم المتظاهرين خريطة طريق موحدة وكثرة المجموعات التي شاركت فيه وتنوعها وطرح شعارات فضفاضة وتناقضها مع أهدافهم ومنها شل الدولة عموماً ومجلس النواب، وظهور مجموعات غوغائية داخل التظاهرات هدفها كان المزيد من تفاقم العنف بالإضافة إلى الاستقالة المبرمجة لرئيس الحكومة سعد الحريري آنذاك لركوب موجة التظاهرات.
ولكن الأمر اللافت في هذا الجزء ان الكاتب يوضح ويؤكد بان المصارف استفادت من الحراك وشجعته لانه ربما يساهم في عملية تنفيذها السياسات المجحفة بحق المواطنين المودعين أموالهم لديها، رغم أنها حصدت ما يوازي ثلاثين مليار دولار نتيجة للهندسات المالية التي تشاركت فيها مع حاكم المصرف المركزي رياض سلامة. وبالتالي، يقول: إلى أين ذهبت هذه الأموال الضخمة عندما تدّعي المصارف حالياً بان خزناتها تفتقد إلى الرأسمال لدفع مستحقاتها للمودعين؟ ولماذا لم تستخدم المصارف الأموال المتواجدة لديها مع مصارف تتعامل معها في الخارج بدلاً من استخدام أموال المودعين المحليين عندما قررت التعامل المربح جداً مع الهندسات المالية لحاكم المصرف المركزي؟ وهل من الطبيعي تحميل المودعين المحليين أخطاءها (ربما المقصودة) أو أن هذه المصارف والحاكم يحظيان بحماية مشبوهة ومغرِضة وقوية من الجهات الأجنبية التي تسعى إلى ترسيخ الفوضى الخلاقة لكي يصبح البلد رهينة لأهدافها السياسية والاقتصادية؟
وفي الصفحة (98) يشير إلى انه: «يمكن القول بان المستفيد الأول من التظاهرات والمستغل الأول لقطع الطرقات والمستثمر الأول في حالة الشلل التي عمت لبنان آنذاك كانت المصارف اللبنانية ومعها حفنة من السياسيين وكبار المتمولين. ففي 17 تشرين الأول (اكتوبر) 2019 كان الشعب المسكين يُغطي جريمة سارقيه من دون ان يعلم. وقد استغل بعض كبار السياسيين وأصحاب الودائع الضخمة إنشغال الناس بالثورة فقاموا بتهريب أموالهم إلى الخارج بالتواطؤ مع المصارف المقفلة الأبواب، وبلغ حجم الأموال المحولة في فترة الإقفال سبع مليارات دولار. وكانت المصارف استثمرت أموال المودعين في مصرف لبنان من دون استشارتهم بين عامي 2016 و2019 بدلاً من استخدام أموالها الخاصة المتواجدة في المصارف التي تمثلها في الخارج لهذا الهدف. وهذا ما ورَدَ في تقرير تفصيلي عن «بنك أوف أمريكا» عام 2019 وقد صدرَ بعنوان «هندسات لبنان المالية المعقدة».
وقد «وفرت هندسات حاكم البنك المركزي رياض سلامة المالية أرباحاً جنونية للمصارف بلغت حوالي ثلاثين مليار دولار وخسارات كبيرة للمودعين وأصحاب القروض وأدت إلى أزمة الدولار المستمرة في البلد» (ص99 ـ 102).
ويطرح الكاتب سؤالاً هاماً هو: «لماذا تزامنت هندسات حاكم البنك المركزي رياض سلامة المالية مع بدء الخطوات لاستخراج النفط من البحر اللبناني؟ وما علاقة البنك الدولي في فرض «ترتيبات» مصرف لبنان؟ ولماذا تصرّف سلامة بلا حسيب أو رقيب؟ وأين ذهبت أموال المصارف اللبنانية؟
هذه أسئلة ربما على الإعلام اللبناني والدولي (حسب الكاتب) التركيز عليها عوضاً عن التشديد على الأدوار الإيجابية للجهات الأجنبية في عملية إنقاذ لبنان وشعبه من الإفلاس.
برأي الكاتب، فإن حاكم البنك المركزي والمصارف اللبنانية والزعماء السياسيين المتنفذين: «قادوا لبنان، خطوة خطوة، نحو الإفلاس الذي يرميه في أحضان البنك الدولي. وساهم الإعلام المرتشي في شن ثورة إعلامية لدعم أكبر انقلاب على الشعب اللبناني ولنشر الأخبار المضللة الصادمة التي تثير الهلع. وهذه العملية مستمرة كأحد أساليب الفوضى الخلاقة».
ويأسف لكون إعلاميين لبنانيين ساهموا في مخطط تدمير دولتهم، وما زالوا يفعلون ذلك. وقد تحكمت المصارف وكبار رجال الأعمال اللبنانيين والقادة السياسيين المتنفذين الأغنياء بهم وبإعلامهم المنحاز ووجهّت الجمهور بحسب مصالحها. فإلى متى سيستمر هذا الوضع؟
قد يكون هذا سؤال أساسي يطرحه الكتاب.

انطوان فرنسيس: «نهاية لبنان الكبير»
دار أبعاد للطباعة والنشر بيروت، 2022
303 صفحات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية