صنعاء-“القدس العربي”: تشهد صنعاء وبعض المحافظات الشمالية وخاصة الجبلية، موجة وباء لأنفلونزا الخنازير تسببت خلال شهري تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) في وفاة ما يقارب 150 وإصابة 700 شخص مع احتمال تحولها إلى كارثة في ظل صمت المنظمات الدولية مع تصاعد مخيف للأرقام في بلد يشهد حرباً وحصاراً وأزمة اقتصادية تفاقم مآسي حيوات الناس، وخاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة “أنصار الله” (الحوثيين).
فهذا الفيروس المعروف باسم “H1N1” الذي يمكن علاجه، لم يُمهل مهدي أحمد الوصابي، من سكان حي سواد حنش في صنعاء، كثيرًا حتى فارق الحياة في إحدى مستشفيات العاصمة عن 45 سنة، مخلفاً ورائه أربعة أولاد وبنت، كمثال على حالات كثيرة ارتفعت مؤشرات وفياتها مؤخراً، محققة أعلى رقم في صنعاء (المدينة والريف) باعتبارها الأكثر ازدحاماً بالسكان بين المحافظات الأكثر برودة شتاءً.
“أُصيب والدي بحمى وسعال وآلام في الصدر وصداع وغيرها من الأعراض تطورت بسرعة ما أضطرنا لنقله إلى مستشفى خاص، وعقب معاينة الحالة أخبرونا في الطوارئ أنه يعاني من أعراض انفلونزا الخنازير، ولا يوجد سرير عناية مركزة ما اضطرنا للتنقل بين عدة مستشفيات حتى وجدنا سريرا في مستشفى حكومي، لكن حالته كانت قد تدهورت بسرعة وفي مساء اليوم نفسه فارق الحياة”. يقول ابنه اسحاق البالغ من العمر 16 سنة، مضيفاً “كنا نعتمد على عمل والدي في بيع الخضروات في سوق ذهبان، والآن أنا أعمل مكانه”.
وأعلنت وزارة الصحة في صنعاء، خلال الأسبوعين الماضيين، حال الطوارئ القصوى في مستشفيات العاصمة. ووجهت جميع المستشفيات بتجهيز غرف عزل لاستقبال حالات الإصابة والاشتباه بهذا الفيروس.
الأوبئة
تتناوب الأوبئة الفتاكة على قتل اليمنيين خلال سني الحرب والحصار. ففي الوقت الذي تُشكِل الكوليرا تهديداً لهم خلال فصل الصيف، تمثل أنفلونزا الخنازير تهديداً في فصل الشتاء بجانب الأوبئة الأخرى التي أسهمت في انتشارها الحرب المستعرة هناك منذ خمس سنوات، ممثلة في الديفتيريا والحصبة وغيرها.
من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) إلى آذار (مارس) هي الفترة التي تنتشر فيها موجه الإصابة بأنفلونزا الخنازير في اليمن كل عام خلال الحرب، لكن موجه هذا العام كانت مخيفة لارتفاع مؤشرات الوفيات حسب مسؤولين في وزارة الصحة في صنعاء الخاضعة لسلطة جماعة “أنصار الله” (الحوثيين).
وقال المتحدث الرسمي لوزارة الصحة هناك يوسف الحاضري لـ “القدس العربي” إن “وضع الوباء في حال ازدياد، فعدد حالات الإصابة خلال شهري تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمير) يصل إلى سبعمئة إصابة والوفيات تتجاوز 145 حالة وفاة، وهي مؤشرات تتجاوز الأعوام السابقة”.
وأضاف إن “أمانة العاصمة تحتل الرقم واحد من حيث الإصابة والوفيات تليها محافظة صنعاء (ريف العاصمة) ومحافظة عمران (شمال) ومن ثم محافظة ذمار ومحافظة إب (وسط) باعتبار الوباء يصيب المناطق الأكثر برودة”.
التحالف
وحسب متابعين فإن نسبة كبيرة من المصابين بالفيروس هناك معرضون لخطر الموت بسبب ضعف الوعي بالأعراض يقابل ذلك نقص الأدوية والمحاليل والبنية التحتية الصحية المدمرة. ويلوم مسؤولون في صنعاء التحالف، الذي تقوده السعودي، على انتشار الأمراض والأوبئة منذ بدء الحرب هناك.
وأرجع الحاضري أسباب انتشار الوباء إلى الأنفلونزا الموسمية وموجة إقليمية تشمل عدداً من دول الجوار بالإضافة إلى ما سماه بالعدوان (التحالف السعودي مع قوات الرئيس هادي) باعتباره السبب الرئيسي في الأوبئة المنتشرة هناك، كون التحالف استهدف البنية التحتية ويفرض حصاراً حال دون دخول الأدوية والمحاليل علاوة على نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، على حد تعبيره.
كما أشار إلى أنه تم إرسال عينات لفحصها في الخارج بناء على احتمال وجود تحولات جينية في الفيروس قد تجعله لا يستجيب للعلاج ولا يمكن السيطرة عليه وقال: “في حال ثُبت ذلك فهي حرب بيولوجية”.
ويُعدّ اليمن أفقر بلد في الشرق الأوسط، وضاعفت الحرب بين تحالف تمثله السعودية لدعم الحكومة الشرعية وبين قوات جماعة أنصار الله (الحوثيين) منذ 26 آذار(مارس) عام 2015 من معاناته، حتى أصبح يعيش “أسوأ مأساة إنسانية في العالم” وفق الأمم المتحدة، علاوة على أنه يشهد أسرع انتشار في العالم لوباء الكوليرا، في ظل أن أكثر من 22 مليونا من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 27 مليون نسمة، في حاجة ماسة إلى الغذاء والدواء والمياه والمأوى.
وفيما قال الحاضري إن ضعف وعي المجتمع المحلي بالمرض يضاعف مع المعاناة ويزيد من عدد الوفيات، لام متابعون المنظمات الدولية باعتبارها لم تعلن أي بيانات حول ذلك حتى الآن، كما لم تفعل شيئاً على صعيد توعية وتثقيف المجتمع المحلي، حتى صار المواطن اليمنيّ يقف بمفرده في مواجهة المرض.
الأعراض
ومن أبرز أعراض الإصابة بفيروس أنفلونزا الخنازير ارتفاع درجة الحرارة مع سعال حاد بدون بلغم وصداع قوي ومستمر وقشعريرة وتعب وارهاق وألم حاد في الصدر، وهي أعراض تتطور بشكل سريع إلى آلام في جميع أنحاء الجسم تنجم عنها أعراض خطيرة تتسبب في الوفاة في حال لم يلق المُصاب الرعاية اللازمة في غُرف العزل الصحي.
وتم اكتشاف فيروس “H1N1” لدى البشر لأول مرة في نيسان (ابريل) عام 2009 في منطقة كاليفورنيا في الولايات المتحدة، وكان هذا الفيروس عبارة عن مزيج من جينات الخنازير، وأنفلونزا الطيور، والأنفلونزا البشرية، والتي امتزجت معاً في الخنازير، وتم نقلها إلى البشر.