القاهرة ـ «القدس العربي»: منح تعليق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان، عقب الانقلاب العسكري على المكون المدني في الحكومة الانتقالية، إثيوبيا، فرصة لممارسة مزيد من «المراوغة» في ملف سد النهضة الإثيوبي، فيما باتت مصر في وضع لا تحسد عليه، بعدما باتت العودة للمفاوضات قريبا برعاية الاتحاد الافريقي أمرا مستبعدا.
إثيوبيا التي ماطلت كثيرا في العودة لطاولة المفاوضات، عادت بعد تعليق الاتحاد الأفريقي لعضوية السودان، لتبدي استعدادها لاستئناف المفاوضات الثلاثية حول سد النهضة، وربطت ذلك بدعوة الاتحاد الأفريقي للانعقاد.
المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية، السفير دينا مفتي، قال إن أديس أبابا مستعدة لاستئناف المفاوضات الثلاثية، مشيراً إلى أن «وجود السودان فيها أمر مهم، لكننا في نهاية الأمر نلتزم ما تقرره قيادة الاتحاد بشأن ذلك».
ويصب مرور الوقت دون التوصل لاتفاق ملزم بشأن سد النهضة، في مصلحة إثيوبيا، التي تتردد أنباء عن أنها بدأت باتخاذ خطوات لتعلية السد استعدادا للملء الثالث، مما يضع مصر والسودان في خانة المتفرج خاصة بعد نفاد كل الأوراق التي يمتلكها طرف المصب خاصة العسكرية منها، في حال تمكنت أديس أبابا من اتمام الملء الثالث، فأي انهيار للسد سيؤدي إلى اندفاع كبير للمياه سيؤدي إلى غرق السودان وأجزاء من مصر.
استنزاف الحل السلمي
الوضع الجديد أثار مخاوف الخبراء المصريين، ما دعا محمد نصر علام وزير الري المصري الأسبق، إلى اعتبار مصر على وشك استنزاف كل بدائل الحل السلمي لهذه الأزمة.
وكتب على صفحته على «فيسبوك» إن المرحلة المقبلة والأخيرة في صراع السد الإثيوبي سيكون الصراع فيها، حتى تاريخه صراعا سلميا بجميع أبعاده ووسائله، مشيرا إلى أنه «خلال الأيام القليلة المقبلة سنكون على وشك استنزاف كل البدائل لحل هذه الأزمة والخروج منها بسلام».
وأضاف أن الحاجة الآن أصبحت ملحة وضرورية بل حتمية لتغيير الإطار السلمي الذي فشلنا معه، في الوصول إلى ما يجنبنا المخاطر الهائلة لمحاولات إثيوبيا لتقليل إيراد النيل الأزرق وبالتالي حصتنا المائية.
وقال إن الخط الفصل في هذه القضية هو تعلية السد والملء الثالث، مشيرا إلى أنه بعد هذا الأمر يصبح هذا الصراع السلمي عبثا، ويكون هدم السد هو الحل، علما بزيادة مخاطر هدمه كلما زاد ارتفاعه.
وتابع إذا بدأت إثيوبيا بناء وتعلية السد للملء الثالث، فأرى أن تقوم مصر بسحب السفير وإعلان الحرب رسميا، حفاظا على مصر ومقدراتها ومستقبلها وحياة شعبها.
وعاد ليؤكد أن فرصة الحل السلمي ما زالت تمتلك 3 أسابيع من الوقت، تسمح بالتوصل إلى إطار مقبول للمفاوضات، لنزع فتيل النزاعات العسكرية التي من المستحيل تجنبها، إذا تمت تعلية السد، وبما يضيع أي فرص حقيقية لدولتي المصب للتفاوض.
وأوضح أن الحل السلمي الأخير والمتاح حاليا يتكون من تشكيل أو إعادة تشكيل مكتب لحوض النيل الشرقي يشمل مصر والسودان وإثيوبيا وجنوب السودان، للاتفاق على تنفيذ مشاريع استقطاب الفوائد المائية لصالح الدول الأربع، وحل أزمة النقص المائي في إثيوبيا في سنوات الجفاف، بل وإنشاء مشروعات استثمار زراعي تساعد في حل مشاكل الفجوة الغذائية في مصر والمنطقة، والاتفاق أيضاً، من خلال مكتب النيل الشرقي حول مخطط لدعم تصدير الكهرباء الإثيوبية إلى السودان وجنوب السودان، وقيام مصر بمساعدة إثيوبيا في تصدير الكهرباء للدول العربية وأوروبا.
واختتم قائلا: هذا ما أراه شخصيا من فرص العيش بسلام وتقدم وتنمية وتحقيق الاهداف التنموية نفسها لجميع الأطراف، وإلا الحرب والدمار، نسأل الله الحكمة والقرار المناسب والسليم، في ظل الغيوم التي تسيطر على المنطقة.
تصريحات دبلوماسية
التصريحات الرسمية المصرية حافظت على النبرة الدبلوماسية، حيث جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تمسك بلاده بالتوصل لاتفاق قانوني مُلزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد على نحو يحفظ الأمن المائي لمصر، خاصةً في ضوء ما تضمنه البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن السد.
جاء ذلك خلال لقائه المستشار النمساوي ألكسندر شالنبرغ، على هامش قمة المناخ في لندن.
وطالب السيسي، المجتمع الدولي بـبذل جميع الجهود الممكنة من أجل التوصل لاتفاق قانوني مُلزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، على نحو يحفظ الأمن المائي لبلاده.
وزير مصري سابق يدعو لإعلان الحرب في حال بدء تعلية السد
وأكد على ما توليه مصر من أولوية قصوى، تجاه حقوقها التاريخية في مياه نهر النيل، باعتبارها قضية وجودية تستوجب قيام المجتمع الدولي ببذل كافة الجهود الممكنة من أجل. والأمر نفسه أكده السيسي خلال لقائه فيليكس تشيسيكيدي، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، على هامش أعمال القمة.
في السياق، شدد محمد عبد العاطي، وزير الموارد المائية والري، على ضرورة مراعاة البعد العابر للحدود، فيما يخص التأقلم مع التغيرات المناخية.
وأكد أن مصر تعتبر شديدة الحساسية، تجاه أي مشروعات يتم تنفيذها في أعالي النيل، دون التنسيق مع دول المصب.
جاء ذلك خلال كلمة وزير الري أمام جلسة «المياه.. محور رئيسي في خطط المناخ» إحدى أهم فعاليات مؤتمر المناخ المنعقد في غلاسكو في المملكة المتحدة.
وأوضح أن أي مشروعات تدار بشكل أحادي في دول المنابع، ستلحق بدول المصب أضرارا جسيمة. وأشار إلى أن سد النهضة الإثيوبي يمكن أن يصبح نموذجا للتعاون الإقليمي، في حال احترام مبادئ القانون الدولي، وتوقيع اتفاق قانوني عادل وملزم؛ لملء وتشغيل السد بين مصر والسودان وإثيوبيا، بشكل يضمن توليد الكهرباء لإثيوبيا، وحماية السودان من الفيضانات، وضمان موارد المياه بالنسبة لمصر.
وبين في كلمته أن زيادة الندرة المائية يمثل تهديدا كبيرا حيال تحقيق خطط التنمية، خاصة وأن المياه تعد أهم العناصر المؤثرة في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة سواء الهدف السادس المعني بشكل مباشر بالمياه أو الأهداف الاخرى المرتبطة بالقضاء على الجوع، والصحة، والمدن المستدامة، والمناخ، وغيرها، كما تعد المياه عنصرا رئيسيا في مجال التأقلم والتخفيف من آثار التغيرات المناخية، وهو الأمر الذي يتطلب وضع المياه في قلب خطط التعامل مع التغيرات المناخية.
كما استعرض حجم التحديات المائية في مصر، وما تتخذه الدولة المصرية من إجراءات للتكيف مع التغيرات المناخية، مشيراً إلى أن 95٪ من مشروعات الوزارة تعتبر من ضمن مشروعات التأقلم والتخفيف من آثار التغيرات المناخية، وأن مصر تعتبر من أكثر دول العالم المتأثرة بهذه التغيرات، لما تمثله من ضغط كبير ليس فقط على المنظومة المائية، ولكن على عدد من القطاعات المختلفة والمعتمدة على المياه في مجالات الزراعة والأمن الغذائي والطاقة والصحة بخلاف التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتأثير على السواحل المصرية، ومن أبرز تلك التأثيرات ارتفاع منسوب سطح البحر والسيول الومضية والتأثير غير المتوقع على إيراد نهر النيل.
وأكد أن مصر تُعد من أكثر الدول التي تعاني من الجفاف في العالم، حيث تُقدر كميات الأمطار المتساقطة على مصر بنحو مليار متر مكعب سنويا فقط، وتعتمد مصر بنسبة 97٪ على نهر النيل، مشيرا إلى أن أكبر التحديات التي تواجه قطاع المياه في مصر هو الفجوة بين الموارد والاحتياجات المائية، بالإضافة إلى تزايد الطلب على المياه العذبة، خاصة في ظل المشروعات التي تنفذ في دول منابع النيل بشكل أحادي ودون التنسيق مع دول المصب، إلى جانب الزيادة السكانية والتأثيرات السلبية للتغيرات المناخية.
وأضاف: للتعامل مع هذه التحديات وضعت مصر خطة للموارد المائية 2037 بتكلفة تصل إلى 50 مليار دولار، ومن المتوقع زيادتها إلى 100 مليار دولار، وفي إطار هذه الخطة يتم تنفيذ العديد من المشروعات التي تهدف لتعظيم العائد من وحدة المياه والتأقلم مع التغيرات المناخية مثل إعادة استخدام المياه ورفع كفاءة الاستخدام ومنها مشروعات تأهيل الترع والمساقي والتحول للري الحديث وإنشاء محطات معالجة ثلاثية للمياه بطاقة تصل إلى 15 مليون متر مكعب يومياً منها مشروع محطة مصرف بحر البقر ومحطة الحمام، بالإضافة الى المحطات الأخرى وعددها 430 محطة خلط وسيط، كما تم إنشاء ما يقرب من 1500 منشأة للحماية من أخطار السيول وتنفيذ أعمال حماية للشواطئ بأطوال تصل إلى 120 كيلومترا والعمل في حماية أطوال أخرى تصل إلى 110 كيلومترات.
وكان عبد العاطي قال ان مصر تعمل على كافة الاحتمالات الخاصة بسد النهضة ومنها احتمال انهيار سد النهضة الإثيوبي، من خلال إنشاء بنية تحتية حول السد العالي في أسوان تستطيع استيعاب كميات كبيرة من المياه تصل إلى بحيرة ناصر في وقت قصير وغير محدد.
13 ألف حالة تعد
وفي الإطار ذاته، أعلنت وزارة الموارد المائية والري، أمس، عن إزالة 13 ألف حالة تعد على مجرى نهر النيل وفرعيه، والمجاري المائية، بمساحة تبلغ 2.6 مليون متر مربع.
وذكرت الوزارة، في بيان لها، أن إجمالي التعديات المستهدفة إزالتها يبلغ حوالى 180 ألف حالة على مساحة تبلغ 19.4 مليون متر مربع، وأن إجمالي أعداد التعديات المتبقية يبلغ 167 ألف حالة تعد على مساحة تبلغ نحو 16.8 مليون متر مربع.
كما تواصل الري تنفيذ المشروع القومي لتأهيل الترع، وأعمال تأهيل المساقي في المحافظات، وشمل المشروع ترعاً بأطوال 9584 كيلومتراً حتى الآن، وتم الانتهاء بالفعل من تأهيل 3066 كيلومتراً، وجار العمل في أطوال تصل إلى 4612 كيلومتراً، وجار اتخاذ إجراءات الطرح والترسية لترع بأطوال 1906 كيلومترات، كما تم طرح مساق بأطوال 466 كيلومتراً، وتم الانتهاء من تأهيل مساق بأطوال 27 كيلومتراً، وجار العمل في باقي الأطوال.
وأكدت وزارة الموارد المائية والري أنها ماضية في جهودها لإزالة كل التعديات للوصول إلى «نيل بدون تعديات» وتحقيق معدلات إنجاز غير مسبوقة.
وكانت وزارة الخارجية الإثيوبية أعلنت في يوليو/ تموز الماضي، أن الملء الثاني لسد النهضة تم وبالكمية التي كانت مقررة من قبل، وهي 13.5 مليار متر مكعب، مضيفة أن هذا الملء لم يضر مصر والسودان، إلا أن خبراء مصريين أكدوا أن هذه المزاعم غير صحيحة، وأن أديس أبابا لم تخزن أكثر من 4 مليارات متر مكعب في الملء الثاني الذي استمر لمدة أسبوعين فقط، ليصبح حجم ما تم تخزينه في بحيرة السد 8 مليارات متر مكعب من المياه.
وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، حث مجلس الأمن الدولي مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف محادثات يقودها الاتحاد الأفريقي للتوصل إلى اتفاق ملزم «في إطار زمني معقول» بشأن تشغيل سد النهضة.
ودعا مجلس الأمن، في بيان رسمي، الدول الثلاث، إلى المضي قدماً في عملية المفاوضات التي يقودها الاتحاد الأفريقي، بطريقة بناءة تقوم على التعاون، والانتهاء على وجه السرعة من نص اتفاق مقبول وملزم للأطراف بشأن ملء سد النهضة وتشغيله في إطار زمني معقول.
وكانت مصر والسودان، قد التمستا مساعدة المجلس في حل النزاع بعد أن بدأت إثيوبيا ملء خزان السد في تموز/ يوليو للعام الثاني على التوالي. وفشلت الدول الثلاث خلال 10 سنوات من التفاوض في التوصل لاتفاق بشأن السد.