هل تقلص نفوذ وقوة حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو أو غيره حسب نتيجة الانتخابات التي جرت في إسرائيل في 17 أيلول (سبتمبر) 2019؟ وإذا حدث أي تغيير فعلي، هل سيستطيع أي رئيس حكومة إسرائيلي تخطي المنهج الإقصائي الذي اعتمده نتنياهو وحزبه والأحزاب المتطرفة الأخرى إزاء الشعب الفلسطيني ومطالبه السيادية المشروعة على أرضه؟ وهل ستقام الدولة الفلسطينية كما تمناها الشعب الفلسطيني وقادته؟
في كتاب صدرت نسخته الورقية المنقحة بعنوان «أعداء وجيران» للصحافي البريطاني ايان بلاك الذي كان رئيس تحرير قسم الشرق الأوسط في صحيفة «الغارديان» البريطانية حتى عام 2016 يبدو الجواب فيه متحفظاً وسلبياً، وبالنفي بشكل عام.
تشاؤم بلاك، الزميل الباحث حالياً في كلية الدراسات الاقتصادية والسياسية في جامعة لندن، لا يعود لعدائه للقضية الفلسطينية، بل على العكس هو يتشارك في هذا الموقف المتحفظ مع المفكر والأكاديمي الفلسطيني رشيد الخالدي، أستاذ كرسي إدوارد سعيد في جامعة كولومبيا الأمريكية، ومع عدد من المفكرين الفلسطينيين والعرب واليهود المناصرين لفلسطين الذين يستشهد بآرائهم في الكتاب.

ففي الصفحة (480) يورد بلاك مقطعاً لرشيد الخالدي يقول فيه: «واقع فُرضت بنتيجته دولة واحدة في فلسطين يستمر من خلالها الستاتيكو» يعني استمرار بقاء الوضع القائم على ما هو عليه الذي يُفرض بالقوة من إسرائيل عبر تنكيلها بالفلسطينيين واخضاعهم وتقسيمهم وتجزئة سلطتهم وجعلهم أكثر تبعية، في ظل وجود أو عدم وجود سلطة فلسطينية شبه مستقلة، ولكنها ما زالت تحت الاحتلال. وهذا الوضع سيستمر في العقود المقبلة مع غياب الخيارات الأخرى».
حسب بلاك، فان السلطة الفلسطينية لم تحصل على مطالبها الأساسية من خلال مفاوضات أوسلو، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ولا في مفاوضات كامب ديفيد وما تلاها في مطلع الألفية الثانية، لأن القيادة الفلسطينية كانت تسعى قبل أي شيء آخر إلى الدولة الفلسطينية المستقلة فيما رفضت قيادات إسرائيل المختلفة تحقيق هذا المطلب.
ففي أوسلو عام 1993 اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني من دون الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وفي كامب ديفيد عام 2000 اتهم الرئيس عرفات بانه رفض عرضاً «سخياً» قدمته إسرائيل له، ولكن هذا العرض لم يتضمن إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة ولا حق العودة للاجئين الفلسطينيين، الحقيقي وليس الرمزي. «السخاء» فيه كان إعطاء القيادة الفلسطينية جزءاً من الإشراف والرعاية على الأماكن المقدسة في المنطقة المقدسة.
وعندما قرر الرئيس عرفات التردد قبل قبول هذا العرض، قام ارييل شارون بزيارته التحريضية للحرم الشريف وساهم في انطلاق انتفاضة عنيفة مهدت لفوز الليكود في الانتخابات التشريعية في شباط (فبراير) عام 2001.
ويضيف بلاك انه في كل مرة كانت المفاوضات في أوسلو أو كامب ديفيد أو بعدهما تسير إيجابياً نحو تحقيق الأهداف المشتركة للجانبين، كان العنف أو التحريض عليه، مباشرة أو غير مباشرة من الليكود، ينطلقان بقيادة شارون أو نتنياهو.
وعندما شعرت قيادة الليكود بأن اسحق رابين ربما قد يتخطى التعنت الصهيوني بالنسبة للدولة الفلسطينية ساهمت في وصمه بالخيانة وعدم القدرة على التصدي للإرهاب ما دفع بمتطرف صهيوني إلى اغتياله.
المشكلة، في رأي بلاك أن قيادات إسرائيل، وبدعم من قيادات الولايات المتحدة المتعاقبة، سعت وتسعى لإدارة القضية والأزمة الفلسطينية وليس إلى حلها بشكل عادل ومنصف.
والتخاذل الأمريكي في هذا المجال بلغ قمته، حسب المؤلف، عندما أعلن نتنياهو ان إزالة المستوطنات الإسرائيلية (غير الشرعية دولياً) في الأراضي الفلسطينية يعتبر تطهيراً عرقياً لليهود وباباً من أبواب العداء للسامية، وشن حملة شعواء على نظام الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي نادى بضبط الاستيطان حتى نهاية ولايته عندما اتخذ قراراً بعدم ممارسة حق الفيتو على قرار لمجلس الأمن (القرار رقم 2334) الذي يطالب بتجميد الاستيطان وإمكان صدور عقوبات ضد إسرائيل إذا استمرت في هذه الممارسة الاستيطانية.
غير ان نتنياهو تحدى هذا القرار وزاد في غيه لدى انتخاب دونالد ترامب رئيساً للجمهورية في أمريكا وكان (حتى الأسابيع الأخيرة) يطالب بضم المزيد من الأراضي الفلسطينية في الضفة وغور الأردن إلى إسرائيل. فهل ستتراجع الحكومة الإسرائيلية الجديدة عن هذه المطالب والسياسات؟ هذا أمر ستقرره التطورات في المستقبل.
ومن الجدير بالذكر ان الحملات ضد اتفاقيات أوسلو لم تعد تأتي فقط من جهات فلسطينية وعربية أو يسارية يهودية وعالمية، فاليمين الإسرائيلي المتطرف لم يَعُدْ يعترف باوسلو، لان هذه المعاهدة تحدد قدرته على التوسع والاستيلاء على المزيد من الاراضي الفلسطينية. فلم يَعُدْ نتنياهو يكتفي بالقول «ان الدولة الفلسطينية لن تتحقق خلال سهرهِ وتيقظه على مصالح إسرائيل» بل أصبح هو ومؤيدوه من غلاة الصهاينة يقولون إن «صفحة أوسلو قد طويت».
وهنا يشعر البعض بان معظم الاتفاقيات المصيرية في العالم، وفي الشرق الأوسط خصوصاً، (كاتفاقية الطائف بشأن لبنان أو اتفاقيات مدريد واوسلو وكامب ديفيد) كانت مشكلتها الأساسية في عدم تطبيقها الكامل والفعلي والانتقال من مرحلة فيها إلى أخرى، أو ربما الاعتماد على بعض بنودها وإلغاء أخرى ذات أهمية كبرى. ربما المطلوب وضع اتفاقية أكثر عدالة، وليس الإلغاء الشامل للاتفاقيات ولا اغتيال الذين تجرأوا بالتقدم نحوها او بالتفاوض لجعلها اكثر عدالة.
ومما لا شك فيه ان «صفقة القرن» التي يُحضّرها غلاة الصهاينة وبعض حلفائهم في القيادة الأمريكية الحالية لا تشكّل مثل هذا التقدم والتوجه.
فحسب المؤلف وصول دونالد ترامب إلى رئاسة أمريكا، والقرارات التي اتخذها من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعترافه بالقدس كعاصمة لإسرائيل وعدم شجبه (بل تشجيع بعض أركان نظامه) للاستيطان الإسرائيلي المخالف للقرارات الدولية شكلت هدية ثمينة لليمين المتطرف في إسرائيل ولنتنياهو ونفتالي بينيت وأمثالهما. وبينيت من الداعين إلى بسط السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية ودفن مشروع الدولة الفلسطينية، فيما نتنياهو يرفض البحث في إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة ويرى فقط كياناً فلسطينياً غير مسلح تابع لإسرائيل أمنياً ومستقلاً بالاسم فقط. ولعل ترامب يؤيد مثل هذا الأمر، إلا إذا بدّل مواقفه في الأسابيع والأشهر المقبلة!
والجدير بالذكر ان معُلمات (بارامترات) الرئيس بيل كلينتون التي نشرها أسبوعين قبل تركه منصبه الرئاسي (في 23 كانون الأول/ديسمبر عام ألفين) شملت قبولا بنشوء دولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمة لها تجري معها ترتيبات خاصة للأماكن المقدسة. ولكن الشرط الذي وضعه كلينتون في هذه الوثيقة هو ألاّ تكون هذه الدولة مسلحة سوى للأمن الداخلي، وهذا يصعب جداً ان تقبله منظمات فاعلة وقوية في الساحة الفلسطينية كحماس وغيرها، وحتى بداخل حركة فتح.
وكان ايهود باراك، رئيس الحكومة الإسرائيلية حتى آخر عام ألفين، ما زال يأمل في ان يفوز هو وحلفاؤه في الانتخابات الإسرائيلية التي دعا إليها في ذلك الوقت. ولكن أرييل شارون كان الفائز، ووصل إلى السلطة في شباط (فبراير) 2001 بعدما حرّض على العنف، تماماً كما فعل نتنياهو عام 1996 بعد تحريضه على الكراهية والعنف في عام 1995 واتهامه رابين بالخيانة (كما اتهم شارون باراك بالخيانة بسبب كامب ديفيد) مما أدى إلى اغتيال رابين وسقوط مبادرات السلام في الحالتين.
رأيُ بلاك في حل الدولة الواحدة في فلسطين مختلف عن رأي مفكرين يهود آخرين معادين للصهيونية المتطرفة واحزابها، كايلان بابي وآفي شلايم وغيرهما.
ففي الصفحة (478) يقول إن حل الدولة الواحدة، التي سينتشر فيها (لا محالة) التمييز والتفرقة، كما حدث في لبنان (حرب 1975) ويوغسلافيا وسوريا (الحرب الأخيرة) سيقود إلى حرب أهلية في فلسطين ـ إسرائيل الموحدة مهما بُذلت الجهود لمنع حدوث ذلك. وبالرغم من أنه يحترم مواقف جهات بين يهود العالم والمفكرين اليهود والعرب الذين يدعون إلى حل الدولة الواحدة، فهو غير مقتنع بان مثل هذا الحل سيستمر بسهولة ومن دون مشاكل كبيرة. ويعترف الكاتب بأن دولا بارزة اعتمدت الحل الفيدرالي بنجاح كسويسرا وبلجيكا ولكنه، كما ذكرنا، يشارك رشيد الخالدي في تشاؤمه إزاء حل الدولة الواحدة، بالإضافة إلى معارضته للحل الليكودي الذي قد يُنشئ كيانا فلسطينيا تابعا لقيادات متطرفة في إسرائيل.
يبقى ان خلفية بلاك الثقافية والشخصية والأدوار الرئيسية التي احتلها ويحتلها في الأجواء، من غير المتوقع أن تدفعه إلى تأييد حل المقاومة المسلحة العنيفة (الفلسطينية أو غير الفلسطينية) التي تدعوا إلى زوال إسرائيل بالقوة العسكرية وحدها. وهذا أمر قد يشاركه فيه مفكرون وأكاديميون عرب وفلسطينيون، فيما قد يعارضه آخرون يرفضون بقاء أو استمرار كيان عنصري إسرائيلي بشكله الحالي ويؤيدون مقاومته بشتى الوسائل، بما في ذلك العنف المسلح.
Ian Black: «Enemies and Neighbours»
Penguin – Random House, London 2018
605 pages