ايلان بابيه في “أكبر سجن على الأرض”: يفضح سياسة الاحتلال والضم الإسرائيلية ولكنه لا يقدم بدائل عملية للقيادة الفلسطينية

سمير ناصيف
حجم الخط
0

يحتار المرء خلال تقييمه لكتاب سياسي فكري بالنسبة للمعايير التي من الأفضل ان يتبعها لكي يتوصل إلى استنتاجات حول إيجابية أو سلبية ذاك العمل.

وهذا الخيار يصبح أكثر صعوبة عندما على الناقد أن يقيّم كتاباً أو عملاً فكرياً هاماً بالنسبة للقضية الفلسطينية في هذه المرحلة من التاريخ.

لعل المعيار الأول هو مدى موضوعية العمل ومدى الجهد الذي بذله الكاتب للتوصل إلى استنتاجاته من منطلق علمي، والعامل الثاني هو مدى عدم التناقض في مقاربته الفكرية وفرضياته الأساسية، وثالثاً، إمكان اعتماده على أجندات متخفية قد لا يدركها القارئ بسهولة بسبب حنكة الكاتب وخبرته في عدم كشف نياته.

هذه الأيام، وفي عالمنا العربي، كل كاتب عربي أو أجنبي يركز على وحشية إسرائيل وخططها السلبية، منذ نشوئها، يصبح حليفاً وثيقاً للقضايا العربية وللقضية الفلسطينية بالتحديد. فهل يكفي التنديد بإسرائيل وتجاوزاتها؟

هناك عامل رابع هام في الكتابة عن فلسطين هو: ماذا يطرحه هذا الكاتب أو ذاك من خيارات أو سياسات أو بدائل قد يقرر اعتمادها المسؤول الفلسطيني والعربي لخدمة القضية الفلسطينية؟

وهذا أمر هام جداً في هذه المرحلة من تاريخ القضية الفلسطينية وما تتعرض إليه من محاولات لإلغائها من الوجود ولفرض خيارات سلبية جداً عليها كـ”صفقة القرن” المدعومة من الولايات المتحدة ودول أوروبية وأصدقاء إسرائيل في الدول العربية الذين يهرولون للتحالف معها وتأييدها بحجة مواجهة إيران، فهؤلاء في النهاية، يتعاضدون ويتكاتفون مع إسرائيل في قمع وإفشال قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وتحقيق آمال الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بحرية ومن دون هيمنة الآخرين.

الكاتب والأستاذ في جامعة اكستر البريطانية ايلان بابيه، الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية ولكنه يعارض سياسات إسرائيل القمعية والاستيطانية في الأراضي المحتلة، وخصوصاً بقيادة حزب الليكود حالياً وحزب العمل سابقاً، هو مفكر من الصعب التشكيك في مقدراته العلمية وخصوصاً مقدرته على البحث المعمق في الوقائع التاريخية وانعكاساتها السياسية، كما يصعب اتهامه بعدم الموضوعية وعدم الالتزام الإنساني إزاء ما يطرحه من أفكار واستنتاجات.

أما بالنسبة للعامل الآخر الهام، أي أهمية ما يطرحه الكاتب من خيارات أو بدائل بالإمكان أن يعتمدها المسؤولون الفلسطينيون والعرب بفعالية، فهذا ما سنطرحه هنا من خلال مراجعة كتابه “أكبر سجن على الأرض” الذي صدَرَت ترجمته العربية مؤخراً.

كتاب بابيه هذا يتضمن زخماً فكرياً إيجابياً في تحليلاته واستنتاجاته عن فلسطين والتزاماً بضرورة إفشال خطط القيادات الإسرائيلية المختلفة لضم القدس العربية والضفة الغربية منذ عام 1967 وتحويل غزة إلى سجن كبير مغلق والضفة إلى سجن مفتوح تحت هيمنتها. بيد انه قد يتواجد تحفظ على مدى تقديمه للقيادات الفلسطينية خيارات واقعية بإمكانهم اعتمادها لتحقيق آمالهم وأهدافهم القومية المحقة وتطبيقها على الأرض. فهو يوجه الانتقادات الشديدة للقيادة الفلسطينية الحالية والسابقة بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات وإلى قيادات حزب العمل الإسرائيلي منذ تنفيذها قرارات سرية في عام 1967 بإشراف وزير الدفاع آنذاك موشيه دايان بالتخطيط لاحتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وحتى اتفاقيات أوسلو لعام 1993 بقيادة أسحق رابين وشمعون بيريز.

يعتبر بابيه أن اتفاقيات أوسلو خالفت مقررات مؤتمر مدريد لعام 1991 وساهمت في انتشار الاستيطان وتوسعه في الضفة الغربية. ويعتنق هذه المقاربة كثيرون من مؤيدي القضية الفلسطينية.

في الفصل الرابع، يستنتج بابيه أن إسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي قضى اغتيالاً في عام 1995 على يد متطرف يهودي، لم يختلف عن غيره من القادة الإسرائيليين، وأنه كان كغيره من المسؤولين: “جزءاً من المشروع الاستيطاني الساعي إلى إنشاء إسرائيل الكبرى” (ص 162). وأن: “كل قادة إسرائيل منذ عام 1967 سعوا لإجهاض أي فرصة مستقبلية لقيام دولة فلسطينية” (ص168). ولكنه يعترف في نهاية كتابه بأن اغتيال رابين أدى إلى جمود قرارات أوسلو. فهل هناك تناقض في الموقفين؟

يؤكد المؤلف في الفصول الأولى بأن مشروع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة سعياً لضمها تم التخطيط له منذ عام 1967 وأن أتفاقيات أوسلو لعام 1993 لم تتضمن سوى السلبيات شأنها شأن سياسات موشيه دايان (وزير الدفاع الإسرائيلي عام 1967) وان إسرائيل منذاك اعتمدت سياسة الجزرة والعصا والقضاء على كرامة الإنسان الفلسطيني وحريته ومنحه شبه دولة (ص176 ـ 177).

إذن فبرأي بابيه، كان عرفات قصير النظر في الذهاب إلى أوسلو في مطلع التسعينيات، وكان رابين يلعب ورقة مخفية خلال أوسلو وبعدها حتى اغتياله وأكملها بعده بيريز ثم الليكود.

وهنا كان لافتا انه إذا أخذ قادة فلسطين الحاليين بنظرية بابيه، فعليهم دفن اتفاقيات أوسلو واختيار بدائل أخرى. ولكن بابيه لا يدعو إلى المقاومة الفلسطينية المسلحة برغم ما جرى ويجري حالياً، بل يحبذ انتفاضة سلمية على شاكلة ما نفذه الفلسطينيون عام 1987 (الانتفاضة الأولى). كما لا يعتقد بأن حل الدولتين (كما طُرح سابقاً وقد يُطرح حالياً) بالإمكان تنفيذه وتحقيق آمال الفلسطينيين. إذن، فإذا كانت استنتاجات كتابه ستستخدم كمشورة للقيادات الفلسطينية حالياً استناداً إلى تحليلات الكاتب في هذا الكتاب فماذا ستقترح؟ علماً بان الدولة الفلسطينية ـ الإسرائيلية الموحدة حالياً شبه مستحيلة التحقيق من دون ممارسة العنصرية من الجهة الأقوى تسليحاً ضد الآخرين، أي من جهة إسرائيل ضد الفلسطينيين وقياداتهم.

وبالتالي، فمن الصحيح ما قاله المؤلف أن “حزب العمل وعندما كانت إسرائيل بقيادته بعد حرب 1967 نفّذ عمليات التطهير العرقي في المناطق التي احتلتها إسرائيل بعد تلك الحرب لتقليص أعداد السكان الفلسطينيين (ص 185). ولكن من الصحيح أيضاً (كما قال المؤلف في فصول الكتاب الأخيرة) أن العامل الرئيسي للجمود الذي أصاب عملية أوسلو تفاقم بعد اغتيال رابين في تشرين الثاني (نوفمبر) 1995. وهذا الحدث تلاه فوز بنيامين نتنياهو في أنتخابات 1996 وهو الذي حرّض بشكل غير مباشر على اغتيال رابين ثم قضى على مبادراته. هذا الاغتيال أدى تدريجياً إلى تقلص دور حزب العمل، برغم عودة أيهود باراك إلى السلطة لفترة قصيرة، في نهاية عام 1999 ومحاولات الرئيس بيل كلينتون إعادة إحياء عملية السلام في نهاية ولايته والادعاءات بأن الرئيس عرفات عرقل هذه العملية. فقد يكون المؤلف بالغَ عندما وصف في فصول الكتاب الأخيرة اتفاقيات أوسلو بـ”تمثيلية أوسلو”.

هناك شكوك لدى بعض الجهات بأن النظريات الفكرية بشأن القضية الفلسطينية التي لا تساهم في مساعدة القيادات على اتخاذ القرارات الصعبة، والتي على عكس ذلك قد تؤدي إلى المزيد من التعقيد في المواقف والتي قد تنطلق منها خلافات جذرية بين القيادات وتجر إلى صراعات ميدانية لها أنعكاسات سلبية، (الآن وسابقاً) هي غير مفيدة، وخصوصاً إذا ساهمت في نشوء مواجهات تؤدي إلى التصدع في المواقف.

فالاستمرار في التركيز على سلبيات وأخطاء الرئيس عرفات والرئيس محمود عباس وقصر نظرهما في خياراتهما من دون طرح بدائل واقعية قد يصب، في النهاية، في جعبة خصومهما، ومنهم متحالفون مع أنظمة خليجية تهرول نحو التطبيع مع إسرائيل وطمس القضية الفلسطينية. لا شك بوجود حاجة للتذكير دائماً بممارسات إسرائيل الوحشية في الضفة الغربية وغزة في فترات قيادتي حزب العمل وحزب الليكود، ولكن التركيز بشكل أكبر على مسؤولية حزب العمل الإسرائيلي في “تضليل العالم” من عام 1968 إلى 1977 وفي تسعينيات القرن الماضي كما ورد في الفصل السابع وفصول أخرى لاحقة، قد يكون مخطئ التوقيت في وقت قلّصت حالياً الأحزاب الإسرائيلية المتطرفة جداً دوره على الساحة السياسية في البلد. ولعل من المفيد دفعه للمزيد من الحوار مع قائمة الأحزاب العربية هناك التي تتوسع شعبيتها بدلاً من الخيارات الأخرى.

كما أن التركيز على أخطاء شمعون بيريز الكبيرة وشجب مشاركته مع عرفات ورابين في نيل جائزة نوبل (بوجود قيادات على شاكلة نتنياهو وأمثاله حالياً) قد يكون من الأفضل التركيز عليه في مراحل أخرى، خصوصاً ان استهداف بيريز قد يكون استهدافا غير مباشر للرئيس محمود عباس الذي استمر إلى حد ما على علاقة تفاوضية معه. علماً بأن أكثرية مؤيدي القضية الفلسطينية تدرك سلبيات بيريز وتقلباته وخداعه.

يقول بابيه في الصفحة 231: “في البداية كانت تُصادَر الأرض بحجة إقامة منشأة عسكرية، ولكن بعد ذلك تتحول إلى مستوطنة مدنية كجزء من خطة حزب العمل بمشاركة شمعون بيريز الذي كان وزير النقل والاتصالات عام 1970 وسوف ينال بيريز جائزة نوبل للسلام لاحقاً وكأنه لم يلعب أي دور في الاستيطان الإسرائيلي”.

مع ان الكاتب يشير إلى خطورة سياسات حزب الليكود منذ عام 1977 وكارثية تسلم آرييل شارون منذ ذلك التاريخ وزارات مفصلية حتى وصوله إلى وزارة الدفاع عام 1982 حيث أشرف على ارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا في لبنان، وعلى دور شارون في إفشال المقاومة السلمية للانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 والمساهمة في إطلاق انتفاضة مسلحة عام 2000 باقتحامه المسجد الأقصى، فإنه أغفل ولم يُدرج بأن حزب العمل بقيادة رابين كان أفضل من الليكود في مجال القبول بمبدأ الدولتين ومحاولات التقدم في التفاوض مع القيادات الفلسطينية حول معالجة قضية الاستيطان. وربما كان من الأفضل تركيز الكاتب إلى درجة أكبر على انتقاد الليكود. ولكن، من المفيد التوضيح بأن الأمر الإيجابي الأساسي (بنظر بابيه) في التحركات الفلسطينية والعربية عموماً كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى لعام 1987 والتي شكلت بنظره “عصيانا مدنياً إيجابياً وتظاهرات احتجاجية سلمية قمعتها إسرائيل بالقوة والعنف الشديدين” (ص 273 و274).

أهمية تلك الانتفاضة السلمية (حسب قوله) التي نظمتها “القيادة البديلة” كانت استقلاليتها برغم تنسيقها مع القيادات الفلسطينية ورفضها أن يتم تسليحها كما حاولت فعله بعض الجهات.

كما يعتبر بابيه ان مؤتمر مدريد للسلام لعام 1991 كان جدياً وان الاتفاقيات التي تبعته (بما في ذلك أوسلو) خشيت تلك الجدية وساهمت في تعطيل قراراته وفي عدم وقف الاستيطان وفي استمرار العنف ودفن المشاريع السلمية الفاعلة.

هذا رأيه، وهناك كثيرون يؤيدون هذا الرأي من مؤيدي القضية الفلسطينية.

ايلان بابيه: “أكبر سجن على الأرض

ترجمة أدونيس سالم

دار نوفل، بيروت 2020

355 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية