ما الذي قد يدفع قراء صحف أو متابعي محطات تلفزيونية في العالم العربي للاهتمام بآراء ومواقف مسؤولة بث تلفزيوني في برنامج “نيوز نايت” السياسي عموماً الذي يبثه تلفزيون “هيئة الإذاعة البريطانية” (القناة الثانية) مساء كل يوم علماً ان معظم المستمعين إليه من البريطانيين وبعض الناطقين باللغة الإنكليزية في العالم؟
هذا سؤال سيتضح الرد عليه لدى قراءة هذه المراجعة لكتاب صدر مؤخراً لايميلي ميتليس يتطرق لموضوع صعوبة قيادة البث الهوائي التلفزيوني من “رأس فارغ” أي من دون التزام.

ميتليس هي صحافية تلفزيونية كندية المولد، ولكنها عاشت معظم سنوات عملها في المملكة المتحدة.
ما يهم القارئ العربي في هذا الكتاب كونه يشمل مقابلات مع عدد من كبار الشخصيات السياسية والفنية والإعلامية في العالم الغربي بالإضافة إلى تغطية الكاتبة لأحداث تاريخية هامة وقعت في السنوات الماضية وشؤون أخرى.
تقول المؤلفة في العادة يبذل الصحافي مجهوداً كبيراً للتوصل إلى حصوله على مقابلة رؤساء جمهورية أو حكومات سابقين أو حاليين، ولكنها، هي والمشرفون على عملها في “بي.بي.سي” فوجئوا برسالة من مكتب رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير (رئيس الحكومة والزعيم السابق لحزب العمال 1997 ـ 2007) يطلب فيها ان يجري تلفزيون “هيئة الإذاعة البريطانية” لقاء معه بمناسبة يوبيل ذكرى استفتاء بريكست (أي ان اللقاء جرى آذار/مارس عام 2018). وشددت الرسالة على ان بإمكان الذين سيجرون المقابلة سؤال بلير عن موضوع العداء للسامية في بريطانيا وفي حزب العمال البريطاني! أي أن مكتب بلير شجع مثل هذا السؤال مسبقاً في وقت كان فيه زعيم حزب العمال البريطاني الحالي جيريمي كوربن يواجه معارضة داخل حزبه من نواب يتهمونه بمعاداة السامية.
والمعروف عن ميتليس أنها من الصحافيين البريطانيين القليلين الذين يعتمدون الموضوعية في عملهم.
وقالت تعليقاً على هذه المقابلة مع بلير قبل ان تجريها: “إن أكثرية وسائل الإعلام البريطانية التقليدية حاولت وتحاول في هذه المرحلة تسميم الحوار حول هذا الموضوع الحساس وتخلط (عن قصد) بين شجب سياسات دولة إسرائيل إزاء الفلسطينيين حالياً، والكره العنصري لليهود” (ص 215).
وتسأل نفسها في الكتاب: “ما الذي دفع توني بلير إلى استدعاء بي.بي.سي لمقابلته في هذه المرحلة؟”. وقد استفسرت من المشرف على عملها عن الأسئلة المتوجب طرحها على بلير، علماً أنها كانت قد قابلت رئيس الحكومة السابق في مناسبات سابقة مدركة بأنه “محترف” في الرد على الأسئلة وقلّما يخطئ في الرد، وهو يُشعر محاوريه بأنهم أول من طرحوا عليه الأسئلة الهامة “ص 215”. واحتارت إذا كان يجب عليها ان تسأله عن العداء للسامية أولاً، أو عن بريكست؟
وتشير إلى ان بلير هو من كبار مؤيدي بقاء بريطانيا في المجموعة الأوروبية ويسعى للعثور على توافق بين حزبي العمال والليبراليين الديمقراطيين لمواجهة كبار غلاة حزب المحافظين الذين يسعون للخروج من الاتحاد الأوروبي. وتقول الكاتبة إن بلير “يعاني من أن أكثرية البريطانيين لم يغفروا له دوره السلبي جدا في حرب أمريكا وبريطانيا الأحادية ضد العراق عام 2003 ولدعمه غير المتحفظ والمنحاز لحرب إسرائيل على لبنان عام 2006 ولتأييده للحروب عموماً في العالم الثالث بحجة سعيها للديمقراطية، بينما أهدافها قد تكون عكس ذلك”.
وأبلغها بلير في المقابلة بوجود خيارات عديدة بالنسبة للخروج البريطاني من أوروبا وانه يجب توضيح حقيقة رغبة الشعب البريطاني بعد ان أدرك خطورة الخروج المتسرع من الاتحاد الأوروبي. الأهم (في رأيه) هو البقاء على علاقة عضوية قوية مع أوروبا ومعالجة قضية ايرلندا الشمالية بطريقة ذكية، وليس كما تفعل الحكومة البريطانية حالياً، وان على مجلس العموم البريطاني ان يلعب الدور الرئيسي في جميع القرارات.
ولدى سؤال ميتليس لبلير إذا كان هو شخصياً يعتبر الزعيم الحالي لحزب العمال جيريمي كوربن معادياً للسامية؟ أجابها: “لا أعتقد أن كوربن معادٍ للسامية. ولكن، هو والمحيطون به، لا يدركون أهمية هذه القضية. عليهم ان يستمعوا لما تقوله الجالية اليهودية في بريطانيا اليوم حول هذا الموضوع وان يقوموا باتخاذ الإجراءات اللازمة حيال هذا الأمر” (ص 221).
وعندما ذكّرته ميتليس بان كوربن اعترف بوجود مثل هذه الجيوب في حزب العمال، قال بلير: “أقدّر ذلك، ولكن المطلوب هو العمل الواضح لوقفها، وإذا لم يتم ذلك فهذا أمر جدي لحزب العمال البريطاني ولعلاقته بالمجموعة اليهودية، وهذا أمر يؤسفني كزعيم سابق للحزب ويزعجني شخصياً، إنها مشكلة حقيقية وليست فقط مشكلة خصوم كوربن في حزب العمال”.
وأضاف: “هذا الأمر سيخلق مشكلة لحزب العمال، والكلام وحده لا يكفي”. (ص 222).
وتقول ميتليس أنها سألت نفسها وآخرين (بعد انتهاء اللقاء) إذا كان بلير مدفوعاً من جهة خارجية أو داخلية للإدلاء بمثل هذه التصريحات حول عداء كوربن للسامية، وبعد التأكد، أجابت انه بعد أسابيع مرت على إجرائها اللقاء وتحققها من هذا الأمر مع المعنيين والمتبرعين لهذا الحزب ومن الشخصيات اليهودية في بريطانيا تأكدت من وجود مثل هذه الضغوط والتحفيزات على بلير. ويُذكر ان توني بلير كان مدعوماً خلال رئاسته للوزارة البريطانية من شخصيات يهودية بارزة ثرية وفاعلة كاللورد مايكل ليفي وغيره، وانه، بعد تقاعده، صار مستشاراً لقادة خليجيين ولجمهوريات ذات أكثرية إسلامية يرغبون بفتح النوافذ السياسية العربية والإسلامية مع إسرائيل وقادتها. وهذا مؤشر على ذكاء ميتليس في إدراك هذا الأمر في كتابها.
والأمر نفسه ينطبق على لقائها (خلال زيارته للهند) مع الرئيس الأمريكي الاسبق بيل كلينتون حيث كان يدير مشروعاً خيرياً في كايبور صيف عام 2014. كانت تود سؤاله عن علاقته الحميمة بمونيكا لوينسكي التي استخدمت للضغط على مبادراته الرئاسية لتحقيق السلام في الشرق الأوسط ولإفشالها. ولكن ميتليس تراجعت عن ذلك، عندما شعرت بانه يود إقفال الصفحة حول هذا الموضوع احتراماً لمصالح زوجته هيلاري. فقد أدرك (آنذاك) بان زوجته قد تترشح للرئاسة الأمريكية وتفوز بها، فامتنع عن التطرق والاشارة لقضية لوينسكي، ولكنه قال لها بصراحة إن: “الكونغرس الأمريكي ومواقفه يجعلان الأمور صعبة جداً على رئيس الجمهورية الأمريكي (مهما كانت هويته السياسية) للقيام بخيارات فاعلة، في السياسات الداخلية والخارجية نظراً لكون الكونغرس لا يتعاون مع الرئيس في كثير من الأحيان” (ص 46) ومن المعروف ان الكونغرس الأمريكي استخدم وما زال الفضائح الشخصية للرؤساء للضغط على أي رئيس يسعى لتحقيق خطوات فاعلة في قضية السلام في الشرق الأوسط.
وبيل كلينتون كان من الرؤساء الذين كادوا ان يتوصلوا إلى سلام بين إسرائيل والعرب لولا الضغوط التي تعرض لها بسبب الفضائح الشخصية.
أما مقابلة ميتليس مع دونالد ترامب الواردة في هذا الكتاب، فجرت في عام 2010 أي عندما كان ترامب مهتما بمشاريعه المالية والسياحية الخاصة وبينها الاشراف على انتخابات ملكة جمال الولايات المتحدة في مدينة لاس فيغاس الأمريكية. وتقول إن ترامب كان “اقتصاديا” في عرضه للحقيقة ومنحازاً في اختياره لمرشحة ولاية ميتشغن للفوز في اللقب (وفي المناسبة كانت الفائزة لبنانية الأصل ومن عائلة مسلمة، ولكنها اعتنقت المسيحية لاحقاً) ومن أهم ما فيها حسب الكاتبة بالإضافة إلى جمالها المتوسط ومديحها وتزلفها الواضح لترامب في تصريحاتها كان ان ترامب سأل ميتليس عن رأيها فيها فكان جوابها إيجابياً، وهذا يعني أنه نظم المسابقة واختار الفائزة مسبقاً مما يشير إلى طبيعة شخصيته الانفرادية حتى قبل انتخابه رئيساً، (برأي المؤلفة) وايمانه بان كل ما يفعله ويقوله يصبح صحيحا. (ص 23).
وفي لقاء الكاتبة مع الممثلة البريطانية المعروفة إيما تومبسون حول التحرشات بالممثلات الجميلات في هوليوود من جانب المنتجين وبالتحديد المنتج هارفي وينستين، تحول الحديث بينهما عن دونالد ترامب في هذا المجال، علماً أن الرئيس الأمريكي اتهم في أكثر من مناسبة بالتحرش بالنساء. وقد جرى هذا اللقاء في تشرين الأول/أكتوبر 2017 في مناسبة نظمتها تومبسون في لندن لدعم اللاجئين السوريين في العالم حيث قالت: “عالمنا حالياً تحول إلى ساحة للذكورية بحيث يفرض رجال السلطة أنفسهم على العالم وعلى النساء خصوصا”. (ص 171) وتضيف ميتليس قائلة: “لم أدرك في البداية انها تشير بشكل غير مباشر إلى دونالد ترامب، وإلى حركة “تايم إز آوت” النسوية المناهضة لاستغلال الرجال المتمتعين بالسلطة للنساء، وإلى البلطجية الذكورية في جميع الحقول، وإلى انه حان الوقت لعدم الصمت حول ما يجري لملايين النساء من التحرش والاعتداء على حرياتهن وإنسانيتهن من قبل الطغاة المغتصبين لإنسانيتهن” (ص 175). وتضيف ثومبسون في اللقاء: “بسبب ترامب، تستمر مثل هذه الأمور. ولكننا لن نقبل بذلك. ولن تعود الأمور إلى مجاريها في فرض السلطة الذكورية والعنصرية علينا” (ص 178).
وفي لقاء ميتليس مع تريزا ماي عندما كانت رئيسة وزراء بريطانيا في حزيران/يونيو 2017 وبعد حريق غرينفيل الذي أودى بحياة عدد كبير من الفقراء المقيمين في إحدى بنايات الطبقة الاجتماعية التي من المفترض أن تدعمها الدولة في منطقة (نوتينغ هيل) في لندن، وبدلاً من أن تقول تيريزا ماي بأن خطأ حدث ونحن كحكومة بريطانيا مسؤولون عنه ونتحمل هذه المسؤولية، حاولت تغيير توجه ردودها على أسئلة ميتليس، كما فعلت مرارا في مجلس العموم البريطاني مما أدى إلى الإطاحة بها. “ربما خشية” من ان أسئلة ميتليس ستؤدي إلى اضطرارها للإجابة على خطورة وخطأ سياسة التقشف الاقتصادي التي اعتمدتها الحكومة بقيادتها (ص 139).
في الصفحة 114 من الكتاب حول تغطية ميتليس في أمريكا لحملات المرشحين الأمريكيين الديمقراطيين للرئاسة في عام 2016 ربما تفصح المؤلفة عن حقيقة مواقفها ومشاعرها لما يجري في أمريكا وبريطانيا والعالم حاليا.
تقول إنه في الانتخابات التمهيدية لولاية آيوا الأمريكية المحافظة تقليديا في عام 2016 كان الصراع محتدماً لترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة بين المرشح الليبرالي اليساري بيرني ساندرز ضد غريمته هيلاري كلينتون، ولم يتوقع أحد أن يفوز ساندرز على هيلاري، ولكنه فعل ذلك لكونه نجح في استقطاب الفقراء البيض وغير البيض والشباب عموماً الذين كانت كلينتون تعتقد أن أصواتهم ستذهب إليها.
والسؤال في رأيها: “مَنْ سيكون المرشح الديمقراطي الأقوى ليواجه دونالد ترامب في انتخابات عام 2020. ساندرز أو مرشح ضعيف يختاره يمين الحزب الديمقراطي؟”.
Emily Maitlis: “Airhead: The Imperfect Art of Making News”
Michael Joseph – Penguin, London 2019
335 Pages