تتغير ملامح الجريمة بتغير ملامح العصر، وتخضع تقنياتها للمستوى التكنولوجي المُتقدم، فما عهدناه من أساليب السطو والسرقة التقليدية، أصبح مع ثورة الكمبيوتر، شيئا أشبه بالغزل اليدوي في عصر صناعة النسيج.. ثمة فوارق تقنية شاسعة بين النمطين، حيث تختفي الأسلحة التقليدية تماماً مع التطور الهائل في أساليب صناعة الجريمة، وينسحب ذلك بالطبع على شكل وسمات وأفكار زعيم العصابة، فيبدو وسيما أنيقاً يُثير الإعجاب والدهشة ويأسر المُشاهد بذكائه الفذ.
هذا الشكل الحديث للقاتل والسفاح يظهر عادة في سينما الأكشن الأمريكية التي تحول مشاعر المُتلقي من الكراهية والترقب والعداء إلى التعاطف والشفقة والتقمص أحياناً، وقد تحقق هذا التغير السيكولوجي فعلياً في واحد من أهم أفلام العنف الاصطناعي، «بأقصى سرعة» فبدلاً من النموذج الاعتيادي للمجرم الذي يعاونه عشرات من مُحترفي الإجرام، نجد الزعيم وأفراد العصابة جميعهم مُجسدون في شخص واحد حاد الذكاء عبقري الأداء رغم اعتلال صحته وقسوة المرض الذي يعانيه.
الفيلم يتضمن الكثير من التفاصيل المغايرة ويتسم بشكل مُختلف لتوظيف الأكشن ونوعيته، حيث البطولة الحقيقية فيه للكمبيوتر غرافيك، الذي ساهم بشكل أساسي في المُحافظة على وحدة الإيقاع بما يتناسب مع اسم الفيلم وطبيعته والأحداث التي مرت بأقصى سرعة رغم امتداد الزمن الدرامي واتساع المساحة لاستيعاب مشاهد الإبهار والإثارة باعتبارها لغة العصر المُتبعة في ترويج النمط السينمائي التجاري المُفضل لدى قطاعات كبيرة من الجمهور المحلي والعالمي، داخل الولايات المُتحدة وخارجها، ورغم انتماء الفيلم لهذا الصنف الاستهلاكي، إلا أنه تميز شكلاً وموضوعاً وحافظ على هيبة الإنتاج الضخم للسينما العالمية، لاسيما أن واجهة الأداء التمثيلي كانت على مستوى عال، فقد تألقت النجمة ساندرا بولوك في دور «آني يورت» وهو الدور الذي وضعها في مصاف النجمات الكبيرات قبل نحو عشرين عاماً تقريباً، كذلك كان أداء الممثل الصاعد آن ذاك جيسون باتريك الذي قام بدور الشرطي المُغامر «إليكس شو» صديق البطلة، وأيضاً النجم ويليم دافو، الذي جسد دور اللص، خبير الكمبيوتر المفصول من عمله في شركة السُفن، والذي تحول إلى سارق مُحترف يقوم باختطاف إحدى البواخر العملاقة التي تدور معظم الأحداث على متنها، وتشهد حالة من الذعر والفزع، فتخلق أجواء الإثارة والرعب، تحقيقاً للمطلوب فنياً وتقنياً وتجارياً.

ويُعد فيلم «بأقصى سرعة» أحد الأفلام المؤكدة لنجومية ويليم دافو بعد فيلمه الشهير «المريض الإنكليزي» الذي برزت فيه إمكانياته كممثل، خاصة بعد دوره المتميز في فيلمه الأول «الكتيبة» للمخرج أوليفر ستون، كما أنه صاحب البطولات المهمة في أفلام أخرى كفيلم «الحياة والموت في لوس أنجلس» و«الرمال البيضاء» و«خارج الحدود» وغيرها.
ويُعتبر فيلم «بأقصى سرعة» التجربة الأولى للمخرج الألماني يان ديون الذي بدأ حياته الفنية مصوراً لأفلام الإثارة والمُغامرات، ومن أهم أفلامه «شرطيان في الجحيم» و«غريزة أساسية» و«الشيطان في مهمة خاصة».
ومن دلالات التميز لهذا الفيلم ضخامة إنتاجه، حيث بلغت ميزانيته في عام 1997 نحو مئة مليون دولار، وهو رقم باهظ بمقاييس هذه الفترة، لكنه حقق في حينه ملايين الدولارات كإيرادات في شباك التذاكر وتم توزيعه في معظم دول العالم، باعتباره إنجازاً أمريكياً لسينما الحركة القائمة على أحدث التقنيات، والمُستخدم فيها فنون الغرافيك كأهم ما يُميز أفلام المعارك والإثارة والعنف كمكونات ضرورية للترويج. كما أن بطل الفيلم ويليم دافو هو أحد أهم نجوم الدور الثاني في هوليوود، من مواليد 1955 حاصل على جائزة ساترن عام 2000 كأفضل ممثل مساعد عن دورة في فيلم «مصاص الدماء» كما قام ببطولة فيلم «الإغراء الأخير للمسيح» عام 1988 وظهر في العديد من الأفلام الكبرى مثل «مسيسبي تحترق» و«فصيلة وفتنة وولد» و«إجازة السيد بين» و«سبايدر مان» بالإضافة لكونه كاتب سيناريو وعارض أزياء ومؤدي أصوات وممثلا مسرحيا ومُنتجا أيضاً.
وقد ساعدت هذه المواهب الممثل الأمريكي ويليم جيه دافو البالغ من العمر 67 عاماً على إثبات تفوقه في مجال المنافسة القوية على دور البطل الثاني، لكنها لم تُعطه الفرصة كاملة في تحقيق حُلم البطولة المُطلقة ونجومية الشباك.
كاتب مصري