بؤس الحرب في اليمن كما ترويه الشوارع الخلفية

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

الدكاكين تحولت إلى مساكن لعائلات عجزت عن استئجار شقق، فلم يكن أمامها سوى استئجار دكان في شارع خلفي، كان مخصصا قبل الحرب كمتجر ومخزن أو مسكن طلاب.

صنعاء ـ «القدس العربي»: ثمان سنوات من الحرب كافية لتغيير خريطة الوجع اليمني التي باتت تشمل كل إحداثيات الحياة وفي مقدمتها السكن.

«لقد غيّرت الحرب في اليمن مفهوم علاقة الناس بالسكن، وخاصة في المدن؛ التي كانت مقتصرة قبل الحرب على الشقق والبيوت المستقلة. ففيما كان الدكان مخصصًا للمتاجر باتت الدكاكين اليوم في الشوارع الخلفية بصنعاء مساكن للعائلات للأسف الشديد؛ وهو ما لم تعهده البلد قبل الحرب» يقول الباحث الاجتماعي عبد الرؤوف سلام، الذي توقفت حياته الأكاديمية خلال الحرب وتغير حاله؛ فانقطع عن العمل في وزارة التربية والتعليم، ولم يكمل دراساته العليا، التي كانت حلمه وقد كان قريبًا من تحققه.
لقد شكلت الحرب واقعاً جديدًا للمجتمع في البلد الأفقر في منطقة شبه الجزيرة العربية؛ وهو واقع لا نعلم إلى أين يمضي مع استمرار الحرب.
نتوقف هنا مع الشوارع الخلفية للمدن لنسمع حديث النزيف اليمني كما ترويه، هذه المرة، الدكاكين، وقد تحولت إلى مساكن لعائلات عجزت عن استئجار شقق، فلم يكن أمامها سوى استئجار دكان في شارع خلفي؛ وهي دكاكين كانت مخصصة قبل الحرب كمتاجر ومخازن أو مساكن لطلاب، بينما صار الوضع اليوم مختلفا ومؤلما!
لم يستطع سعيد.ع، الذي يعمل على دراجة نارية بالإضافة إلى عمله عامل بناء باليومية، استئجار شقة لعائلته المكونة من زوجته وطفلين؛ لأنه لا يستطيع توفير إيجار الشقة، التي تتطلب شهريًا ما لا يقل متوسطه عن مئة ألف ريال؛ وهو مبلغ بالكاد يستطيع سعيد تحصيله طوال الشهر، وأحيانا لا يتمكن من تحصيله، كما يقول، ما اضطره لاستئجار دكان سكن لعائلته في أحد الشوارع الخلفية لحارة الهدف بمنطقة سعوان شرقي صنعاء.
يقول سعيد: أدفع شهريًا عشرين ألف ريال ايجار للدكان (الدولار الأمريكي بصنعاء يساوي أقل من 550 ريال) واضطررت لتقسيم الدكان بستائر قماشية، وخصصت جزءًا منه مطبخًا، وجزءًا غرفة نوم.
يبقى باب الدكان مفتوحًا لمعظم ساعات النهار، ما يجعله عرضه لدخول الحشرات، علاوة على بقاء حال العائلة مكشوفًا أمام المارة؛ ما يجعل دائرة الخصوصية أضيق.
يقول سعيد: نضع ستارة على الباب، لكن نتيجة وضعنا لخزان الماء أمام الباب فنضطر للدخول والخروج باستمرار لإدخال الماء للداخل لاستخدامات المطبخ والحمام.
يتحدث سعيد عن حاله برضا بهذا الوضع؛ لأنه اقتنع بحاله «لقد بحثت عن شقة متواضعة لشهور عديدة فلم أجد. لم أجد أمامي سوى استئجار دكان كغيري؛ فالدكاكين الأخرى بجواري كلها تسكنها عائلات» يقول.
يعمل سعيد عامل بناء، وهو عمل لا يتوفر له يوميًا، لكنه عندما لا يجد عملا فهو يعمل على دراجته النارية، «العمل بالدراجة النارية لم يعد مجزيا؛ لأن صنعاء صارت مليئة بالدراجات النارية، ولهذا اعتمد على عملي في مجال البناء من خلال معرفتي بعدد من المقاولين والعمال الذين يتصلون بي عندما تتوفر لديهم أعمال مثل نقل الأسمنت أو حفر أو مساعد لأي معلم من معلمي البناء كالتشطيب أو البناء».
يقاسي سعيد وعائلته من البرد القارس خلال الشتاء جراء تسرب البرد من باب الدكان الحديدي، والمطل على شارع، علاوة على عدم امتلاكه أثاثا وأغطية كافية تخفف عليه آثار البرد؛ وهو الوضع الذي يكون له معاناة أخرى في فصل الصيف جراء سيول مياه الأمطار التي تتسرب أحيانا للدكان؛ ما يضطره لعمل حواجز ترابية أمام باب الدكان، لكنها لا تصمد في حال كانت الأمطار كثيفة.
ويقول مقبل غازي، صاحب مكتب عقاري في حي شيراتون: «قبل الحرب لم تكن العائلات تستأجر الدكاكين في الشوارع الخلفية للحارات، وكان الأمر مقصورًا على الطلاب، أما اليوم فان معظم الدكاكين التي توجد داخل الحارات صارت خيار كثير من العائلات مع ارتفاع ايجارات البيوت والشقق جراء الحرب وارتفاع الأسعار في كل شيء».
من يزور الشوارع الخلفية في أحياء صنعاء سيشوف من الوجع ما تنوء بحمله عشرين سنة قادمة. والأمر ليس مقصورا على صنعاء، بل على كل المدن اليمنية الرئيسية؛ فالحرب أمعنت في إفقار العائلات لدرجة العجز عن توفير سكن لائق؛ فلم يكن سوى الدكان حاويا لوضعها المعيشي. على أمل أن تنفرج الأحوال في القريب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية