بيروت- “القدس العربي”:
قبل خمسة أشهر على موعد الانتخابات النيابية في لبنان، يرى رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل نفسه مضطراً لتغيير خطابه السياسي الذي لم يعد مربحاً له بعدما سبق وحقق مبتغاه بإيصال الجنرال ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية وبوضع اليد على معظم التعيينات العسكرية والأمنية والإدارية في الدولة.
وبعد عدم مجاراة حزب الله التيار في طعنه أمام المجلس الدستوري وما سماه “التعهد لنا والنكث به والاستخفاف بنا وبما نمثل”، قرر باسيل إجراء مراجعة للعلاقة مع الحزب ولـ”تفاهم مار مخايل” بعدما “فضل حزب الله وحدة الطائفة الشيعية والعلاقة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري وتغطية الفساد والمسايرة على حساب شل الرئيس وعهده” على حد تعبيره.
وقد بدأ باسيل إطلالته بالأخذ على “انتفاضة 17 تشرين/أكتوبر والجناح الكاذب بالثورة التغطي بشعار “كلن يعني كلن” ليستهدفنا وحدنا، بينما الشعار الحقيقي كان لازم يكون “كلن الا نحنا”. ليش الا نحنا؟ لأن نحنا الوحيدين يلي وقفنا، بنفس الوقت، ضد منظومتين: أولاً ضد منظومة الخارج بمشاريع صفقة القرن وتوطين النازحين واللاجئين، والإرهاب الداعشي لتفتيت المنطقة ولبنان؛ وثانياً وقفنا ضد منظومة الداخل يلي بتشمل اثنين: أمراء الحرب بزمن الميليشيات وأمراء الفساد بزمن السلم، بمشاريع السطو المالي على الدولة والناس، ومشاريع السطو السياسي على حقوقنا ودورنا”.
واعترض على تعطيل مجلس الوزراء وقال “أفهم استعمال حق النقض على مسائل وطنية، أساسية واستراتيجية في البلد تهدد وجود أي مكون فيه، ولكن أن تُمنع الحكومة من الاجتماع لأمر ليس من صلاحيتها ولا هو استراتيجي بل يتعلق بحد أقصى، بإهمال وظيفي، فهذا خارج عن أي منطق أو ميثاق”.
وهاجم باسيل الرئيس بري بقوله “لا أفهم تعطيل مجلس النواب، يمشي القانون الذي يريده، والباقي إلى الجوارير. والتصويت على ذوق رئيس المجلس لأنه يمنع التصويت الإلكتروني”، مشيراً إلى “منع إقرار اللامركزية في مجلس النواب، واللامركزية لا تكون إلا إدارية ومالية ونريدها بالقانون حتى لا تفرض ذاتها بالأمر الواقع… لأنه لا يمكننا إجبار الناس في مناطق معينة أن تدفع لوحدها 75% من الضرائب، وتحصل فقط على 25% من الإنفاق. من يدفع ضرائب يريد خدمات مقابلها وإلا يمتنع عن الدفع! ولا يمكن لأحد أن يجبره على الدفع عندما يمتنع غيره”، معطياً أمثلة عن المياه والكهرباء و”عن تباهي وزير المال بوقف الدفع لمعمل دير عمار لأنه غير مستفيد منه ويخترع كذبة الـ TVA على الأوادم”.
ووجه باسيل الانتقادات للدولة المركزية، وقال “هذه الدولة المركزية التي تسلب رئيس الجمهورية صلاحياته بالسلبطة في مجلس النواب والمجلس الدستوري، وتسلب بقية الطوائف حقها بالمداورة في وزارة المالية ووزارة الداخلية لم نعد نريدها”.
وتطرق إلى النظام المالي والاقتصادي فقال “حاكم مصرف لبنان، المحمي سياسياً من أركان المنظومة السياسية هو رأس المنظومة المالية، وكضابط قائد للمعركة، قام بأكبر عملية سطو منظم على أموال الناس. هو الآن ملاحق قضائياً بـ 7 دول أوروبية ومدعى عليه في بعضها، إنما في لبنان ممنوع من الملاحقة!”.
أما عن التفاهم مع حزب الله فقال: “محاولات العزل لحزب الله لم تتوقف وآخر موجاتها كانت في 17 تشرين بهدف إضعافنا لرفع الغطاء المسيحي عن الحزب بحسب ما عبر عن هذا الشيء فيلتمان في شهادته أمام الكونغرس الأمريكي. وعندما فشلوا بإنهائنا في 17 تشرين، أتى علينا الأمريكان بموضوع العقوبات إذا ما فسخنا التفاهم”، لافتاً إلى “أن كثيرين سيقولون إن كلامي اليوم هو لاستدرار عطف الأمريكان لرفع العقوبات، لكن كلامي اليوم هو لأن الانهيار حصل، وعلينا أن ننقذ لبنان”. واعتبر “أن محاولات العزل والحصار لم تنته ولن تنتهي قريباً، والوحدة الشيعية مهمة جداً لمواجهته ويجب الحفاظ عليها ولكنها غير كافية، وعندما تضحي بالدولة والبلد كله من أجلها تخسر البلد وتخسر الوحدة وتخسر نفسك. وحدة الطائفة يجب ألا تكون على حساب وحدة البلد ووجود الدولة. محاولات الفتنة والعزل مكملان، والطيونة كانت آخر مشاهدها. صحيح الطيونة توقفت بفضل ضبط النفس والوعي، لكنها بدأت بسبب عدم الإدراك إلى أين توصل هكذا تصرفات خارجة عن الدولة والقانون والحق!”. وأضاف “نحن اخترنا وقتها مشهد مار مخايل على مشهد الطيونة، لأننا نعرف جيداً أن جعجع كل عمره أداة للخارج، ساعة لإسرائيل، وساعة لأمريكا، وتواطأ مع سوريا في الـ 90 إنما هي رفضته، والآن معروف هو على أي Payroll، وأي أجندة ينفذ، ومطلوب منه الفتنة بلبنان، والطيونة أتته شحمة على فطيرة متل قصة الحريري في عام 2017”.
وتابع “نحن اخترنا مار مخايل على الطيونة، وما زلنا مع هذا الخيار ولكن أين الترجمة لمار مخايل؟ أين بناء الدولة بالبند الرابع؟ بتغطية الفساد؟ ولو أن السكوت عنه هو أقل من المشاركة فيه. أين الديمقراطية التوافقية؟ بالمسايرة في شل مجلس الوزراء وبضرب الرئيس وعهده وصلاحياته؟ بالمسايرة بعدم إنتاجية مجلس النواب؟ بضرب المجلس الدستوري؟ أين الاستراتيجية الدفاعية لما تبقى عنوان حلو بلا مضمون فعلي، لتكون وسيلة مفيدة لحل مشاكل لا نريدها أن تنشأ مع دول صديقة مثل الخليج. الآن يقول السيد حسن، الذي له عندي مكانة خاصة في القلب والعقل، هذا الكلام يُحكى في الغرف المغلقة. صحيح معه حق، ولكن حاولنا وحكينا كثيراً بحوار عميق لتفعيل وتطوير وثيقة التفاهم، وعملنا لجنة مشتركة اجتمعت مرة واحدة، وكأنه لا توجد جدية كافية أو لا يوجد شيء مستعجل! نحن لا نريد أن نلغي أو نمزق وثيقة التفاهم لأنها جيدة وبنودها ثابتة ووطنية، نحن نريد أن نطورها لأنها لم تعد تجيب على التحديات المطروحة أمامنا وخاصةً الاقتصادية والمالية. البلد انهار والناس افتقرت وتجوع وتهاجر! نرجع إلى الأولويات والبند الرابع ببناء الدولة. نحن أولويتنا الدولة وإصلاحها، هم أولويتهم المقاومة والدفاع عنها، قلنا يمكننا أن نحافظ على الاثنين ومش غلط، إنما تبقى المقاومة تحت الدولة وبكنفها وليس فوقها. ما منقدر نخسر الدولة كرمال المقاومة، بس منقدر نربح الاثنين”.
وقال “عم يحطوا اصدقاءهم الصادقين بموقع ما بقا بيقدروا يبرروا، لأن هم أصلاً مش مقتنعين وما عندهم جواب ولما منسأل الجواب الوحيد 3 احرف: بري. الناس ما بقا تميز، بالنسبة لها في ثنائي شيعي ما في فرق بين الاثنين بل تكافل وتضامن وتوزيع ادوار. الناس ما بيقبلوا يشوفوا خلاف مبدئي حول مفهوم الدولة، ويلاقوا محاولات تغيير موازين وتوازنات ومعادلات وقوانين ودساتير وقضاء بالقوة! مش مقبول ننوضع امام معادلة الاختيار بين الدولة والسلم الأهلي، وبين الاصلاح والاستقرار يعني كل ما منحكي بالاصلاح بيصير مهدد الاستقرار، والجواب نجونا من الفتنة الشيعية – الشيعية”.
وأضاف “نحن لم نتحجج يوماً بالوحدة المسيحية ولا قلنا إننا محشورون بأحد. نحن أقمنا تفاهماً مع حزب الله وليس مع حركة أمل، وعندما نكتشف أن الطرف الآخر الذي صار يقرر مقابلنا بالتفاهم هو حركة أمل، يصبح من حقنا أن نعيد النظر. هكذا حدث باستقالة حكومة دياب وبتعيين رئيس حكومة جديد، هكذا حدث في قانون الكابيتال كونترول وبقانون استعادة الأموال، هكذا صار بحاكم مصرف لبنان وبالقاضي بيطار، هكذا صار بتوقيف الحكومة وتعطيلها وبالمجلس الدستوري وبالطيونة وبتحقيق المرفأ، وهكذا يحدث بكل شيء”.
وسأل “هل مقبول أن تصبح الثنائية الشيعية أحادية في القرار وتختزل قرار طائفة على حساب مصلحة البلد؟ وهل مقبول أن يختزل نادي رؤساء الحكومات قرار الطائفة السنية ويفتي بالدستور على ذوقه؟ هكذا بدأ يفكر زعماء الطائفة الدرزية لجهة أن يعطوا الأولوية لطائفتهم. نحن ولا مرة أعطينا الوحدة المسيحية الأولوية على وحدة الوطن. نعتبرها ضرورية ومهمة ولكن من ضمن وحدة لبنان ونقف دائماً ضد مشاريع الانعزال والتقوقع والفيدرالية والتقسيم… بس لحد وين؟ منصير طائفيين اذا حكينا باللامركزية؟”.
وأوضح باسيل “لا أحد يقول إن رئيس التيار يحكي هذا الكلام من أجل شد العصب للانتخابات، لأنني أرد عليه بنقطتين:
نحن أجرينا تقديراتنا ولن نربح في هذا الظرف أصواتا انتخابية إضافية إذا فكينا التفاهم؛ بالعكس يمكن أن نخسر مصداقية، لكن الموضوع صار عند الناس أبعد من التفاهم، صار موضوع وجودهم ولقمة عيشهم.
نحنا قمنا بحساباتنا، ومن الطبيعي نكون انتخابياً أقوى إذا تحالفنا مع الحزب وهذا شيء بديهي في الانتخابات، ونحن اتفقنا وإياهم على هذا الموضوع وعلى التحالف وهذا الشيء أربح وأريح من كل النواحي. ولكن بين أن نربح الانتخابات أو نربح أنفسنا، نختار حالنا وصدقيتنا وكرامتنا. ونأمل أن نربح الاثنين الانتخابات وحالنا وألا نخسر الإثنين الحزب والوطن”.
وبعدما شدد على أهمية عودة النازحين السوريين إلى ديارهم قال “لم يعد هناك مبرر لعدم زيارة سوريا، زيارة علنية تحت هذا العنوان، لأن مؤامرة إبقائهم في لبنان مستمرة، وإذا زيارتي تساعد، أنا مستعد ولَو قبل الانتخابات”.
لم يصدر أي تعليق من قبل حزب الله على ما أعلنه باسيل في انتظار إطلالة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. وأفيد أن هناك تعميماً داخلياً في الحزب قبل كلمة باسيل يقضي بعدم التعليق مهما قيل لتبقى الكلمة الفصل للسيد نصر الله.
أما رد “حركة أمل” فجاء بداية من خلال قناة NBN التي جاء في مقدمة نشرتها الإخبارية: “لم يكد يبدأ العام الجديد حتى أطل الفهلوي جبران باسيل ليُقنع جمهوره أولاً قبل أن يحاول عبثاً إقناع اللبنانيين بجميع الأشياء وعكسها، متسلحاً بخبراته السياسية التي تعتبر أعمق بكثير من أن يواجهها أحد، وشاهراً سيف تجاربه الفاشلة وقناعاته المتحجرة التي أوصلت العهد القوي إلى كل ما حققه من إنجازات وطنية… أعادت البلاد إلى العصر الحجري”.
وأضافت “الفهلوي خياراته دائماً يُجانبها الصواب، يجعلك للوهلة الأولى تنبهر بتحليلاته التي لا ترقى لقناعات الكثير من الناس الطبيعيين، لكنها بعد لحظات… تستوقف اللبناني طويلاً… لا سيما عندما يتذكر أين كان وأين أصبح… وعندها إذا لم يمت من الجوع… سيموت من الضحك. هكذا تحولت الفهلوة من أنانية فكرية يحتكرها شخص واحد إلى ميثاق ما بقي من تيار ورثه بفعل المصاهرة، ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الثقافة تمثل عائقاً كبيراً أمام أي محاولة اجتهادٍ أو طموح للتياريين”.
وتابعت القناة “أما محاولة نقل المشكلة التي يعانيها الفهلوي إلى البيت الداخلي للمقاومة ومحاولة دق إسفين بين الثنائي الوطني، فالجواب الوحيد عليها أيضاً بثلاثة أحرف: خسئ… ونقول له: “خيط بغير هالمسلة يا حدق”. بالفعل يستحق الفهلوي أن يتم اختياره مسبقاً شخصية العام 2022، رغم أن السنة الجديدة بدأت بالأمس، فهو شاطر في قيادة تياره من فشل إلى فشل… ومن سقوط إلى سقوط…. حتى باتت تجوز تسميته رئيس تيار السقوط الحر”. وختمت “على أية حال للحديث تتمة غداً، وللفهلوي جبران باسيل نقول اليوم… صدقت في كلمة واحدة… عندما قلت بلسانك: أنا ما بفهم”.
أما حزب القوات اللبنانية الذي هاجم باسيل رئيسه سمير جعجع، فتولى الرد باسمه مرشح القوات اللبنانية في منطقة البترون الإعلامي غياث يزبك الذي قال: “إن الخطاب الذي ينتهجه التيار والممزوج بالتحريف وقلب الوقائع وتحريك الغرائز بات هو العدو الأول للحالة العونية”. ورأى “أن ادعاء باسيل بأنه اختار مار مخايل بديلاً من الطيونة يهين حزب الله ويثير القرف لدى أبناء عين الرمانة واستطراداً كل المسيحيين لأنه لم يكن يوماً إلا في مار مخايل وفي كل مكان يؤمن له مقعداً نيابياً أو وزارياً أو حظوة أو كرسياً رئاسياً وقد أخذه هذا الحلم، وقبله عمه وراعيه، في مسارات أدت إلى قتل المسيحيين ولبنان ودمرت الدولة حتى انتهى به الأمر ملوث الجبين على عتبات الأسد وبلاد الفرس”. واعتبر “أن التطاول على القوات اللبنانية بحثاً عن إعلاء موقعه في عيون الحزب والمسيحيين في آن هو قمة الضياع والانفصام”. وأضاف “فات نائبَ البترون القابعة في الظلام والبرد والعطش، أن أداءه في الوزارات التي تسلمها فريقه السياسي، وأداء الرئيس القوي في بعبدا، سياسياً وسيادياً، تكفلا بإسقاط الحالة العونية، التي شكا باسيل محاولات تطويقها وعزلها، ودمرا لبنان”.
وعلى مواقع التواصل، رد ناشطون قواتيون أبرزهم منسق العلاقة مع الكنيسة أنطوان مراد الذي وصف إطلالة باسيل بـ”الذمية” وخلافه مع حزب الله بـ”المسرحية”، وكتب: “الذمية بأبهى تجلياتها على رغم مسرحية التباين”، وأضاف “قاموس الغلام: التصدي للرعاع في عين الرمانة عمالة وتآمر، الخضوع للولي باستغلال مار مخايل عزة وكرامة! كلما جرب يعوم بيغرق”.