إذا ما تجاوزنا الرؤية الفنية والتناول الإبداعي للكاتب والمخرج بيتر ميمي، يُمكن اعتبار الصورة السينمائية والأحداث الواردة في فيلمه الإنساني تسجيلاً حياً لوقائع مسكوت عنها بفعل التواطؤ الجماعي داخل دوائر انعدمت فيها المروءة، وغابت عنها نوازع الإنسانية بغياب القوانين الرادعة للمُفرطين في حقوق الشعب والداعمين للفوضى والعاملين على إسقاط امتيازات العلاج والصحة والعناية بكل المُتطلبات المشروعة للمواطن المصري.
«برد الشتا» عنوان مجازي لفيلم روائي طويل تشي أحداثه بآلام وأحزان الذين يعيشون على هامش الحياة بلا غطاء يحميهم من الفقر والمرض والعوز، وقد جاء العنوان مُخففاً على نحو غير صادم، مُستخدماً رمزية البرد الشديد في الشتاء القارس، كإشارة لصعوبة الحياة واستحالتها في ظل تكتل التحديات التي يواجهها الفقراء في مُعظم أرجاء مصر المحروسة. ولأن الصحة هي العمود الفقري للإنسان والداعم الحقيقي لبقائه وسعيه واندماجه كعنصر مُنتج وفاعل فقد جاء التركيز عليها مقصوداً من جانب الكاتب لتكون هي محور الحقيقة في التعبير عن الإهمال والفساد، ودواعي الهلاك والفناء وجميع مُعطيات ودلالات النهاية المؤسفة، لمن يعدمون النفوذ والسُلطة ويمضون في مسيرة الشقاء بقدراتهم الشخصية وإمكانياتهم المتواضعة. لقد وقف المخرج وكاتب القصة بيتر ميمي على أعتاب الواقع المرير الذي تعانيه الغالبية العُظمى من المصريين فجعل بطل فيلمه «برد الشتاء» طبيباً شاباً يخطو أولى خطواته نحو مشوار الألف ميل، بضمير حي وأقدام ثابتة على اليقين والاعتقاد الراسخ بأن لكل مواطن حق العلاج وحق الشفاء وحق العناية، ومن ثم دخل في تجربته الشخصية كطبيب امتياز حديث التخرج مُلحق للعمل في أحد مُستشفيات القطاع العام ليكون شاهد إثبات على تردي الأحوال الصحية للمرضى وعجز المِؤسسات العلاجية عن تقديم الحد الأدنى من الدعم.

ولتأكيد الصورة المأساوية جاءت الحيثيات الدرامية مُطابقة للواقع في مُعظم المشاهد، فسيارات الإسعاف المناط بها نقل المُصابين مُعطلة غالبية الوقت، والعاملون عليها من السائقين والملاحظين والمُمرضين في حالة غيبوبة دائمة، والأطباء والمُمرضات والمُساعدون العاملون في غُرفة العناية المُركزة في أمس الحاجة لمن يأخذ بأيديهم ويعينهم على مآسيهم. ولتقريب المشاهد وتوضيح الرؤية يقدم المخرج نموذجاً لسيدة تُعاني من فشل كلوي جاءت من صعيد مصر للعلاج في أحد مُستشفيات القاهرة باعتبارها العاصمة المتوافر فيها مقومات العناية والرعاية، لكن بتقريب الصورة تتضح تفاصيل المأساة وتزداد معاناة الطبيب الشاب الذي جسد دورة الممثل رامز أمير، فهو العنصر الوحيد الإيجابي بين فريق العمل في المُستشفى الحكومي مع واحدة فقط من الممرضات راندا البحيري، يحاولان إنقاذ المريضة بأقل الإمكانيات وأبسطها، وأمام إلحاح أهلها وذويها واضطرابهم وتعجلهم الشفاء يشعرون بالعجز وتحدث المشاجرات اليومية المُعتادة كرد فعل للإهمال والتقصير. ولأن الطبيب المثالي يعرف حقيقة الأمر ويُدرك أن المشكلة أكبر من اجتهاداته الشخصية في محاولة إسعاف المريضة ينصح بنقلها إلى مُستشفى خاص، لكنه لا يفلح في إقناع الأهل بذلك ويفشل في تحقيق المعادلة الصعبة بين قلة الإمكانيات الطبية ورغبته في الوصول إلى نتائج مُرضية ومفيدة لصالح الحالة المُستعصية، كأن ذلك العجز هو عنوان الحالة العامة للوضع القائم في جميع المستشفيات. وكما رمز في العنوان ببرد الشتاء كناية عن الصقيع وعدم توافر الدفء للمواطن المُهدد بالبرد والجمود والموت، رمز أيضاً بالمريضة الآتية من عمق الصعيد للغسيل الكلوي لجميع المرضى المُماثلين بوصفها عينة لمئات الحالات الواقعة تحت تأثير العجز والإهمال، وهذا هو الخط البياني الأوضح في الرؤية السينمائية التسجيلية للفيلم الكاشف للحقيقة بلا مواربة والمُتضمن لكثير من علامات الاستفهام حول أسباب التردي الصحي، وما آلت إليه الظروف في أزمنة الصراع والنزاع والانشغال بالقضايا الكبرى، فالعام الذي أنتج فيه الفيلم المذكور 2015 كان ميقاتاً زمنياً معلوماً لتدهور المنظومة الصحية وإشارة واضحة لخطورة انحدار المُنحنى بشكل أكبر. لذا توجب على السينما الالتفات لهذه القضية الاجتماعية الإنسانية المُلحة فجاءت التجربة في موعدها تماماً، لكن لعدم وجود فرصة مناسبة لعرض الفيلم ولأسباب تخص عملية التعتيم علية تأخرت ردود الأفعال النقدية والجماهيرية تجاهه، حيث تمت المُشاهدة بمحض الصدفة عند عرضه في إحدى القنوات الفضائية بعد إنتاجه وصدوره بعدة سنوات!
الفيلم يعد من إنجازات بيتر ميمي الإبداعية المهمة وإن نحا في موضوعه ومضمونه نحو السينما التسجيلية إلا أنه على مستويات كثيرة نجح في توصيل الفكرة العامة بتفاصيلها المؤلمة وأفلح في توثيق الحالة العدمية التي كانت عليها المُستشفيات الحكومية وفق تاريخ الإنتاج وزمن الأحداث، فضلاً عن أنه كشف عن القُدرات التمثيلية المتميزة والفائقة للأبطال رامز أمير وراندا البحيري وشمس وضياء الميرغني ونضال نجم ومحمد الأطوني، وبالقطع مثل الحضور العابر للنجم الراحل يوسف شعبان في أيامه الأخيرة نقطة ارتكاز قوية للرسالة المعنية بمُختلف دلالاتها ورموزها ومعانيها.