«المسائية» برنامج في محطة تلفزيونية من بابها، وهو برنامج تقدمه «الجزيرة مباشر»، وقد شاهدت هذا الاسم في إحدى القنوات المصرية، ربما كمحاولة فاشلة لإدخال الغش والتدليس على الناس، تماماً كما أطلقت قناة «صدى البلد» برنامج «على مسؤوليتي»، وهو اسم لبرنامج كانت تقدمه قناة «الجزيرة مباشر مصر» قبل إغلاقها.إذا فات المرء أحداث اليوم، فليس عليه إلا مشاهدة هذا البرنامج، الذي يعرض لأهم القضايا في الشأن المصري، كما يعرض للأحداث المهمة في كثير من العواصم، وكان سباقاً في تغطية جريمة مقتل جمال خاشقجي، تماما كما كان على خط النار في تغطية أحداث الثورة السودانية، وتفوق البرنامج على نفسه، ولا أقول على شاشات أخرى، فعند المقارنة فلم يتميز بالسبق، ولكنه أيضاً تميز بجدية التغطية، فكل ألوان الطيف السياسي في السودان، وكل قادة المرحلة لم يعرفهم المشاهد إلا من خلال شاشة الجزيرة مباشر، مع عدم وجود مكتب لها في الخرطوم، لتتأكد صحة المقولة المصرية المتوارثة، منذ زمن حمورابي: «الشاطرة تغزل برجل حمار». أو كما قالت العرب: «لكل مجتهد نصيب»! وقد أجرى برنامج «المسائية» العديد من اللقاءات التلفزيونية التي مثلت «خبطة صحافية»، ليس أبرزها هذا الحوار المهم مع المرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح في لندن، ليتم القبض عليه عقب عودته للقاهرة، التي يحكمها من يخاف من خياله ويحسب كل صيحة عليه، ويخشى من الهواء العليل، إذا مر بجانبه أن يزيحه عن كرسي الرئاسة.
ومع الوباء، الذي حل بالعالم، انتعشت قناة «الجزيرة مباشر»، كما انتعش فريق العمل في برنامجها «المسائية»، رغم أن معظم المذيعين بها يعملون من بيوتهم، ولم يتأثر الأداء، أو تهتز الصورة، ونجحت في صناعة نجوم لم يأتوا اليها من شاشات كبيرة، وبعضهم كانت بدايتهم منها، أو من «الجزيرة مباشر مصر»؛ القناة التي تركت فراغاً هائلاً، لم تسده قنوات أخرى عدة أطلقت لهذا الغرض.
السلف الطالح
وقالت حياة اليماني، إنها عملت في مؤسسات حقوقية عقب تخرجها في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وقبل أن تلتحق في قناة الجزيرة، وكان هذا رداً على أحد ضيوفها من القاهرة، الذي يسير في اتجاه رسمه السلف الطالح من أبواق الأنظمة، هو أن يترك الموضوع ويشتبك مع المذيع، ولا مانع من أن يذهب بعيداً، فيهاجم الدولة التي تنطلق منها القناة، بهدف إحراج المذيع، أو المذيعة، وفي كل مرة لا يتسبب ذلك في إحراج أحد، والذي يبدأ مع كل ضيف جديد من بداية «المقرر الدراسي»!
والجيل الأول من هذه الأبواق، لم يكن يذهب بعيداً مثل الجيل الجديد، وكان يمثلهم جهاد عودة، من المجموعة التي تعمل لصالح ملف توريث الحكم في زمن مبارك، وكان يقوم أداؤه بالإمساك في من يحاوره عند أول مقاطعة، والحجة التي يرفعها إنهم لا يعطونه الوقت الكافي ليقول دفاعه، وأن هناك مؤامرة ضده، ولماذا استضافوك أصلاً؟ هل أنت وصفة طبية لتليين المعدة مثل «شربة الخروع» بكل مرارتها؟!
وقد ذكرنا هنا كيف أن المعلم محمد كريشان أحبط خطته، سأله ونطق جهاد عودة بكلمتين، ثم صمت لثانية، وهنا يعتقد المذيع أنه انتهى ليسأله السؤال التالي، ليعلن الضيف أنه لم يكمل كلامه، وأنت تقاطعيني يا أخت خديجة؟ لم أكمل كلامي يا أخت فيروز. أنا لم أكمل يا أستاذ محمد، وتصبح المقاطعة هي الموضوع، ولأن وقت النشرة يحسب بالثانية، فمن سيجاريه في التحدي؟ فلا بد من إنهاء المكالمة.
كريشان سأله؟ فنطق بكلمتين وسكت برهة، فلم يجد مقاطعة، فعاد وقال كلمتين وسكت في انتظار المقاطعة، فقد أفسد عليه كريشان الخطة، وعند انهاء المقابلة حطت الكاميرا على جهاد عودة، فاذا به ينظر حوله في دهشة ولسان حاله يقول لماذا لم تقاطعني؟!بيد أن جماعة جمال مبارك مع هذا مهذبون، ففي عز المشاجرة المفتعلة لا ينس عودة لقب «الأخت» و»الأستاذ». وإن كان مجدي الدقاق مثلا مختلفاً، فهو يحرص على أن يتكلم باحترام مع المذيع أو مع الضيف الآخر، ويشغله دفاعه فلا يبحث عن شماعة يعلق عليها فشله في الرد!
الزمن تغير، وهؤلاء كانوا يعملون مع «الرأس الكبيرة»، ولا يخشون من اتهامهم بخيانة القضية، فلم يذهبوا بعيداً في هجومهم ومن كان يشتبك مع المذيع أو المذيعة، كان في الأصل، يبحث عن طريقة آمنة للهروب، لإيمانه بأن حجته ضعيفة، ثم إن هذا الجيل كان يشاهد الجزيرة، حيث لا يهتز المذيع عندما يتم الهجوم على قطر، بعضهم كان يفسح المجال تماما لذلك، وفي البرامج كان يترك المجال لمن يهاجمون الدولة القطرية، وذات مرة قال فيصل القاسم لأحد ضيوفه أنت تريد أن تقول مثلاً إن قطر فيها قاعدة أمريكية؟ فرد عليه: أنا لا أريد أن أقول ذلك!
فمثل هذا الهجوم، والسماح به، هو رسالة لصالح الجزيرة لو كانوا يعلمون. وفي أزمة الحصار، كانت «الجزيرة» تستضيف من ينحازون لموقف دول الحصار، وفعلت الأمر نفسه في قضية مقتل خاشقجي عندما كانت تحرص على وجود من يتبنون الدفاع عن أهل الحكم في المملكة العربية السعودية!
الخيانة الوطنية
ربما كان الجيل المرتبط بنظام مبارك أذكى من الجيل الحالي، الذي يحكمه الانتماء لدائرة ترى إن قبول الظهور على قناة الجزيرة خيانة وطنية، بحسب الدعاية الإعلامية، ولأنه لأسباب معروفة (والمعروف لا يعرف) لا يمكنهم مسايرة الاتجاه بمقاطعة الجزيرة، فإنهم يحرصون بذلك على تمرير الظهور بأنهم أحرجوا المذيع، أو هاجموا الجزيرة، وأنهم سبوا قطر في عقر دارها، أيضاً وكأنه «شربة خروع» مفروضة على الجزيرة وعلى أصحابها، وغالبا ما تنشر عناوين بهذا المعنى. فلان أحرج مذيع الجزيرة. وفلان أخرس مذيعة الجزيرة. انظر إلى فلان وهو يهاجم قطر في قناتها الجزيرة. (يا له من عنترة ابن شداد)!
ذات مرة كان سالم المحروقي، مذيع الجزيرة مباشر يحاور واحداً من هؤلاء، وإذ فجأة انقطع الخط، وبعد قليل أذيع المقطع وكيف أن قناة الجزيرة أنهت الاتصال لقوة حجته في الدفاع عن الدولة المصرية، وقد نشرها على صفحته في«فيسبوك»، مع أنه بعد ثوان من انهاء هذا الاتصال من ناحيته كان يطل عبر شبكة الجزيرة الأم، فقد جاء موعد «طلعة جديدة» لم يعتذر عنها لارتباطه ببرنامج «المسائية»، فقد أراد أن يجمع بين الحسنيين!
وفي واقعة «حياة اليماني»، ولأنها تنطق بعض الحروف بلكنة غير مصرية، وتبالغ في تعطيش الجيم ربما لتأكيد الالتزام بقواعد نطق الحروف في الجزيرة، فقد ظن ضيفها من القاهرة أنها من البوسنة والهرسك.
وعلى ذكر الجيم المعطشة، مشكلة المصريين الذين يعملون في القنوات التلفزيونية خارج مصر، فقد قرأت في الثمانينيات أن المذيع في التلفزيون المصري محمود سلطان، غادر هيئة الإذاعة البريطانية بعد فترة قليلة من العمل بها، بسبب الجيم المعطشة، ربما لأنه لم ينجح في تعطيشها، إنما ما نشر ساعتها في إحدى الصحف أنه أبى إلا أن ينطقها كما المصريون، والحقيقة ليس كل المصريين ينطقها بدون تعطيش نحن في الصعيد نعطشها، وهناك قلة في مناطق بعينها ينطقوها دال.. فيقولون «دمال عبد الناصر»!
وحياة اليماني تعطش الجيم، فاعتبرها ضيف القاهرة هدفاً، وكان النقاش دائراً في «المسائية» حول أزمة كورونا في مصر، والقصور الحكومي في التصدي لها، وعُرض فيديو لحاملة للفيروس تشكو الإهمال، وهناك عشرات الفيديوهات يومياً، التي تؤرق الضمير الإنساني، بعد أن صار اليوتيوب هو تليفزيون المواطن، على غرار صحافة المواطن! وجاء دور صاحبنا ليعقب، فإذا به يمسك في المذيعة، وفي القناة، التي تنظر لنصف الكوب الملآن، وتستهدف، «المذيعة» و«القناة»، تجاهل الإنجازات الحكومية، دون أن يذكر انجازاً واحداً، ودون أن يترك حياة اليماني مشغولة في نصف الكوب الفارغ، وينشغل هو في نصفه الملآن، فلا شيء من هذا، غير أن المذيعة لا تعرف مصر، ومع أنه في مصر لم يقل للمشاهد ما يحدث فيها!
الدولة الأولى
ومصر هي الدولة الأولى في موت الطواقم الطبية بسبب الإهمال، فكل يوم حصيلة من الموتى تعلن عنها نقابة الأطباء، كما أن هذه الفيديوهات صحيحة وتكشف عن العجز والإهمال لسلطة حولت هذا الوباء إلى مصدر للدخل لها، على خلاف ما يحدث في كل أنحاء العالم، فهي التي ترفض نقل العالقين إلا بالموافقة على الحجر الصحي على حسابهم في فنادق جرى اختيارها خصيصا لهذا الهدف، وفي مثل هذه الحالة.. فتش عن العمولة!
بيد أن ضيف القاهرة تساءل وبراءة الأطفال في عينيه: لماذا تركزون في قناة الجزيرة على هذه الفيديوهات فقط؟ وكأن هناك فيديوهات أخرى تتحدث عن الرعاية الفائقة، والاهتمام بعلاج المصابين، والحقيقة أنه لا يوجد سوى فيديو واحد خاص بنجل عمرو أديب، وقد عرضه برنامج «المسائية»، فصرخ عمرو أديب وقال إنهم يسيئون لابني. مع أن الفيديو مأخوذ من صفحته وفيه يتحدث عن كيف تم نقله من لندن، وحجزه في فندق خمس نجوم، على حساب الدولة، وكانت المفارقة أن السلطة تخلت عن مبدأ «المراكز القانونية المتماثلة» فاهتمت بفريق وطلبت من فريق آخر أن يتحمل مسؤولية العودة والحجر في الفنادق إياها، وتركت آلاف العالقين في الوقت الذي اهتمت فيه بعودة نجل عماد أديب، وبالفنانات الأربع العالقات في بيروت: «نبيلة عبيد، ونادية الجندي، وسميحة أيوب، وهالة فاخر».
وهنا فاجأته حياة اليماني بأنها مصرية، من أبوين وجدين مصريين، وأنها درست في مصر وعملت بها، وأنها تعرف مصر شبراً شبراً ربما أكثر منه.
لتبق الأزمة في أن البعض لا يرون الوطنية إلا في نفاق السلطة والتقرب إليها بالنوافل، حتى والموت يطرق الأبواب وقد صار أقرب إلينا من حبل الوريد، مع هذا الوباء! بئس الوطنية!
صحافي من مصر