بروس لي: البطل الذي كسر قوالب هوليوود العنصرية

يتلخص تعريف لاعب الكونغو فو الشهير بروس لي لدى الكثير من الجماهير العربية في أنه الفتى الرياضي الآسيوي الذي حقق إنجازات غير مسبوقة في لعبتي الكاراتية والكونغو فو ومات صغيراً في ريعان الشباب عن عمر ناهز 32 عاماً فشكل موته لغزاً كبيراً .
وعلى الرغم من مرور أكثر من خمسين عاماً على رحيل بروس لي الذي توفي في عام 1973 إلى أن سيرته لا تزال متداولة في الأوساط الرياضية والسينمائية، فهو اللاعب الصيني الفذ المُلقب بالأسطورة، والمتجاوز في دوره وتأثيره حدود اللعبة التي اشتهر بها والأفلام التي قام بكتابتها وبطولتها.
ولعل الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الاهتمام بحياة بروس لي ونشأته ورصيده الفني والسينمائي، تمثلت في إصراره على تحدي هوليوود صانعة أفلام الأكشن على مستوى العالم وعدم انصياعه لأوامر المُنتجين وصناع السينما الأمريكية، الذين أرادوا استثمار نجوميته الرياضية كورقة رابحة في شباك التذاكر إبان مجده ونبوغه، دون الإشارة إلى المحتوى الإنساني والفلسفي لأفلامه باعتباره مجرد ظاهرة رياضية فحسب، وهذا ما رآه بروس لي تسفيهاً مُتعمداً لرسالته الفنية والإبداعية، ولدوره الرائد في مجال توظيف الرياضة القتالية داخل إطار العمل السينمائي النوعي.
لقد خاض الشاب الذكي والرياضي المُعجزة معارك ضارية في سبيل إثبات العلاقة بين رياضة الدفاع عن النفس «الكونغو فو»، والسينما كوسيلة انتشار ثقافية توعوية شديدة التأثير والخطورة على الرأي العام العالمي، حسب اعتقاده حينئذ كبطل سابق لعصره، فاقت شهرته الحدود الإقليمية والدولية، فأصبح علماً من أعلام الرياضة القتالية والسينما الإنسانية القائمة على فكرة نُصرة الضعيف وحماية الأقليات المُضطهدة، التي تُعاني من التمييز والعنصرية.
لقد استفاد بروس لي كثيراً من دراسته للفلسفة في هارفارد كُبرى الجامعات الدولية، فلم ينته دوره عند حدود الدراسة الأكاديمية وتفوقه الدراسي الملحوظ، ولكنه عمد إلى تطوير رسالته بابتداع أساليب جديدة للتفكير الفلسفي، بإعمال المنهج التحليلي للسلوك الفردي والجمعي في ضوء اهتمامه بلعبة الكونغو فو وممارسته لها، فهو لم يشأ أن يوقف توظيف اللعبة عند حدود الدفاع عن النفس فقط، وإنما تعامل مع تلك الرياضة القتالية بوصفها وسيلة للحماية الجسدية والنفسية، والتخلص من عقدة الضعف والإحساس بالدونية أمام التمييز العنصري والعرقي، الذي عانى منه هو شخصياً بوصفه أمريكياً من أصل صيني، وليس أمريكياً أصيلاً، حيث شعر في كثير من الأحيان بالحرج إزاء بعض المواقف التي تعامل فيها المجتمع الأمريكي معه كمواطن من الدرجة الثانية، فآثر أن يجتهد ويتفوق حتى يُمكنه تغيير هذه المُعادلة الاجتماعية الصعبة والقاسية، وهو ما استطاع تحقيقه بالفعل بعد أن وصل إلى قمة الشهرة والنجاح.
تعددت أفلام بروس لي التي كتب لها السيناريو وقام ببطولتها، فمن بين أفلامه المهمة فيلم «قبضة الغضب» وفيلم «الرئيس الكبير» و»طريق التنين»، كما اشتهرت ألعابه القتالية الخطرة وحققت رواجاً واسعاً في الأوساط الرياضية لدى الهواة والمُحترفين، كلعبة الموت على سبيل المثال، تلك التي تُعد واحدة من أصعب الألعاب ممارسة وتنفيذاً فهي الفريدة من نوعها في الحركة والتكنيك.
أهم مراحل حياته
في فترة الستينيات أسس بروس لي عدة مدارس لتدريس فنون القتال كان لها أثر حقيقي وفعال في تأهيل جيل جديد من لاعبي الكونغو فو مثل فاندام وتشاك نوريس وستيفن سيجال وجاكي شان، وهؤلاء هم من نبغوا من تلاميذ بروس لي وقلدوه في مشوارهم الرياضي ورحلتهم مع السينما واستطاعوا بفضل إيمانهم بأستاذهم النموذج تحقيق قدر كبير من الشهرة والنجاح.
في وقت ما تحدى بروس لي مؤسسة هوليوود ووقف لها بالمرصاد عندما حاولت تحجيم لعبة الكونغو فو داخل السياق السينمائي والاكتفاء بتوظيفها كحلية وعنصر جذب فقط لجمهور الرياضيين، وظل البطل الاستثنائي يُناضل حتى استطاع تصحيح المفهوم والتأكيد على أن الرياضة القتالية فن له سمات وخصائص معينة من شأنها إحداث تأثيرات عميقة على النفس والروح. كان بروس لي يُدرك حجم المؤامرة التي تُدبرها له هوليوود، بما تُديره من حرب نفسيه تستهدف تعويقه وتعطيله وعرقلة مسيرته الرياضية والسينمائية، فضلاً عن قيامها بتصعيد المُمثلين الثانويين القوقازيين وتنجيمهم في محاولة منها لخلق بدائل له في الأفلام الآسيوية.
لم تفلح محاولات تقييد بروس لي وتحجيم نشاطه، حيث جاءته الفرصة في فيلم «وصول التنين» الذي شارك في كتابته، فعندما حاولت شركة وارنر براذرز الأمريكية للإنتاج الفني تفريغ الفيلم من معانيه الفلسفية وتحويله إلى فيلم حركة، اعترض بروس لي وقاطع التصوير لعدة أسابيع لإجبار الشركة على الخضوع لشروطه ورغباته. وبالفعل خضعت الشركة للشروط وطرح البطل الصيني المهم مفهوماً عميقاً من خلال الفيلم لمعنى الحياة وجدواها. وبوصفه دارساً للفلسفة ومُتعمقاً فيها أكد بروس لي على الاعتبار الأهم للشخصية الآسيوية من الناحية الإنسانية ونجح في إفشال محاولات هوليوود لتغيير مواصفاتها وسماتها بالتهميش والتسطيح والتنميط الكاريكاتيري المُسيء. وعلى مدار رحلته القصيرة نجح النجم الآسيوي في دحض المحاولات الأمريكية الهوليوودية الساعية إلى إضعاف الشخصية الآسيوية بشكل عام والصينية بصفة خاصة وتشويهها فنياً وإبداعياً كجزء من مخطط النفي وإبعاد كل ما هو منافس عن دائرة الضوء والسطوع.
كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية