للشعراء الذين يدركون ما يفعلون حِكمتُهم في إطالة أو تقصير حجم مجموعاتهم الشعرية، وهم بفلسفة طولها وقصرها يُثرون عوالم التساؤل عن ضيق العبارة واتساع الرؤية، بقدْر ما يثيرون تساؤلات القارئ عن الشعر ومكانته المعاصرة الآنية والممتدّة إلى ما بعد عصره، وعن عصرنا الذي غيّرت فيه تكنولوجيا التواصل عادات وعدّادات القراءة، وعن تفاعل الشعر والعصر. وفي كل هذه التساؤلات يبقى الانطباع عن المجموعات الشعرية الصغيرة أنها تُرِيح القارئ في كل الأحوال؛ من جهةٍ أولى عندما تكون ثقيلةَ الظلّ خاليةً من الدهشة بائسةً في دلالات المجازات، وعرجاءَ في تناسق الإيقاع، وتنتهي بسرعةٍ تستحقّ شكر الشاعر على التقصير، ربّما قبل أن تنتهي. ومن جهة ثانية عندما تكون طويلة الظل، حافلةً بالدهشة، ثريةً بالمجازات، سلسة الإيقاع، ويتمنّى القارئ خلالها منها ألا تنتهي؛ وهي لا تنتهي حقاً، إذ تتفاعل مع أحلام القارئ ورؤاه عن نفسه وعن العالم، إن لم تفتح له عوالم المعرفة كذلك…
مجموعة الشاعر المصري محمود خير الله الجديدة «بشرٌ بأحجام دقيقةٍ يكبرون في تجاعيدي»، مجموعةٌ شعريةٌ قصيرةٌ جداً، لا تنتمي إلى مجموعات ثُقل الظلال بأية حال، ويتمنّى القارئ خلالها، إلى حدود معقولةٍ، ألا تنتهي، لما تثير من تساؤلات لديه حول موضوعها، مثلما تثير من تفكير حول حكمة الشاعر من اختزال بنيتها إلى هذا القصر الكافي واللا كافي بثلاثة فصول قصيرة. وإن تضمن الفصلُ الأول منها المعنون بـ«منتجع الصرخات» عشرَ قصائد نثرٍ قصيرةً بطول الصفحة إلى الصفحتين ونصف، وإن تميّزت العناوين بالطول، فأسطر القصائد تتميّز بالاختزال حدّ الاكتفاء بكلماتٍ تضغط نفسها إلى كلمتين وإلى كلمة واحدة. كما أن الفصل الثاني التالي المميّز بمثل قصر الأسطر، يزيد الاختزال إلى ثماني قصائد، ويأتي الفصل الثالث الأخير ليزيد الكثافة بالاقتصار على ثلاث قصائد، وإن تميزتْ بأسلوب قصيدة القطعة التي تزيد الطول عادة بإدخال نهج الحكاية وتطعيم القطعة بمختلف النكهات المميزة لقصيدة نثر ما بعد الحداثة، وعلى رأسها السخرية الموصولة بالمفاجأة المباشرة أو بالدهشة المبطنة؛ فنصوص قصيدة القطعة هنا تتراوح بين نصف الصفحة والصفحة والربع، وتكمل عدد القصائد إلى واحدٍ وعشرين قصيدة فقط.
في اختزالها الخُلاصي بضيق العبارة واتساع الرؤية، يُمحور خير الله موضوع بشره الذين يكبرون بأحجام دقيقة في تجاعيده، غالباً، وكما يجسّد العنوان، على موات الحياة وتصوير عالم يشيخ، إن بفعل الزمن ومصير الإنسان العام المتعلّق، وفق فلسفة الشاعر الخاصة، بحركة وجوده في موات خلاياه والانبثاق المتجدّد من نهاية الموات. وإن بفعل الإنسان نفسه في تدمير بيئته، وطولان فعل تدميره إلى ذكرياته وأحلام مستقبله، في الصورة العامة التي تلخّصها عناوين القصائد العشر الأولى، كما لو كانت قصيدة الموات والتجدّد، إن وضعت بتتاليها:
«نسرٌ على سطوح الجار
مثل شارع يخلو من المارّة
من كثرة الحزن
لقد هدمت الحفّارات حكايتنا
الحبّ ليس طالباً جامعياً
تعالوا نشتري مقبرةً
عن تلك المدينة التي تسكنها الأشجار
بعدما أموت
كبيتٍ تحنّ إليه الذكريات
مثل حفنة من الغبار.»
وفي الصورة البسيطة المختزلة بإحدى القصائد عن حب اثنين وتكوين عشّ للحبّ في حديقة يحفران على جذع شجرةٍ منها اسميهما، ويأتي أكلة اخضرار الحياة بحفاراتهم لهدم حكاية الحب هذه، وتحويل الحديقة إلى حصى، وغبار يترجم قتل الإنسان لنفسه بشراهته للامتلاك، مع ارتباط هذا في قصائد أخرى بفلسفة الشاعر حول غرق الإنسان بحديد تملّكه، أو خروجه عصفوراً يحلّق بخفّة قناعته، في سماء الحرية، وخلق ارتباطات عميقة أخرى مثيرة للدهشة والتساؤلات حول موضوعها المحوري. ويمكن للقارئ التقاط كلمة تجاعيد التي ترد مركزة في كلمات عنوان المجموعة، وتأخذ كامل عنوان الفصل الثالث، لتكوين صورة عن كثافة الاختزال وعمق الارتباطات المتخلّلتين في القصائد، بامتدادٍ إلى ذات القارئ التي تتفاعل بعوالمها الإنسانية المشتركة بين البشر حول الموات وتجدّد الحياة:
«بعد كلّ هذا العمر/ فاتني أن أدركَ هذه الحقيقة البسيطة../ أنني بينما كنتُ طوال حياتي أضحك أو أبكي، أفكّر أو أبتسم، أحبّ أو أكره، أُصلّي أو أُغنّي، فاتني أنني بينما كنت ألوذ بقلبي، أو أجري في الطريق وحدي، فاتني أن أتذكر وأنا أنحني تحت وطأة الأسقف المنخفضة، أو أفردَ قامتي منتصباً في الثورة، فاتني أن أدركَ هذه الحقيقة البسيطة، وهي أن بشراً بأحجام دقيقةٍ يكبرون ــ كل يوم ــ في تجاعيدي، أنّ جيشاً مترابطاً من الجوعى المذعورين، يولدون عادةً من الأفراح والأتراح، من تشققات الوجوه وانحناءاتها، هؤلاء الصغار الدقيقون، الذين ينبتون تحت العيون، وعلى جانبي الفم، وفي الخطوط الطويلة التي تحملها الرقاب والأيدي، هذه الجيوش التي تبقى في حالة تأهّبٍ إلى أن يأتي الموت، ساعتَها سوف يبدؤون في التهامي على مهلٍ، قبل أن يبدؤوا دورة حياة كاملةٍ كبشرٍ، يدخلون الأرحام، لكنَّ بعضهم فقط هو الذي يولد حاملاً ملامحي».
في الارتباطات العميقة غير الظاهرة بموضوعها، يتبدى سواء في الجمل الموزّعة في القصائد، أو في القصيدة الكاملة، ما يغني موضوع الموات والتجدد بتفكّر وأفعال الإنسان، وبما يمكن اختزاله إلى موضوعات لصيقة مثل الحبّ والحكمة والأمل والعمل، التي تعبّر عنها قصيدة «معجزة الحياة تحت البلاط»، المصاغة بأسلوب قصيدة نثر القطعة، والمتضمّنة فلسفةَ الشاعر في هذه الموضوعات، بتصوير علاقة الطفولة والشيخوخة بحكمة الآباء والأمهات ومراكمتها بالأمثال اللصيقة بالحياة مثل حركة النمل، حيث: «حين كنتُ صغيراً، كنتُ أسحقُ النملَ وأنا أمشي تحت حذائي، كنت أشعر بالغيرة منه، لأنّ أمي كانت تعتبره واحداً من أبنائها، تعامله بوصفه جزءاً من مكوّنات البيت، له أيامه وحكاياته، وأنه ـــ حتى النمل ــ يستحقّ أيضاً أن يعيش، وأن يخوض ــ ولو تحت البلاط ــ طريقته في صنع الحياة، كنت أفهم أنها تتركنا نراقب النملَ، لتعلّمَنا كيف نزرع الأمل.. لتعلّمَنا أنّ الكائنات الضعيفة عليها أن تتشبث بالحياة أكثر، وألّا تتوقف ــ أبداً ــ عن العمل».
في اختزال موضوعها وارتباطات محوره بما يغنيه، يتبدّى أسلوب خير الله في التكوين الفني الذي يلمسه القارئ في قصائد المجموعة، من خلال:
ـــ خلق الدهشة: بتسلسل الصور المتلاحقة المثيرة للتساؤلات، وإحداث قَطْعٍ بَرْقيّ بجملة الدهشة التي تعمّق المفهوم المعروض وربما تقلبه، كما يفعل في قصيدة «مثل شارع يخلو من المارة». أو مثلما يفعل بوضع عنوانٍ مجازيٍّ من مثل «نسرٌ على سطوح الجار»، بصورة موحيةٍ لا يرد فيها بالقصيدة، ولا يبدو ظاهراً أن له علاقة بها، لكنه يخلق لدى القارئ التفكير الذي يبرقُ فجأةً ليلمّ المشهد المتوقَّع بصورة النسر المتأهِّب لأكل جثث ما سوف يحدث.
ـــ الشفافية: الإنسانية المتعاطفة المدهشة، التي تُرى واضحةً في قصيدةِ الحبّ والوفاء النادر «مثل شارع يخلو من المارة»، التي تسير محمّلة بالتساؤلات عن الرجل المجهول، الذي يقف ناظراً دائماً إلى النافذة، وتتكشّف فجأةً عن صورة حبّ مؤسٍ للرجل الذي «لا أحد يلحظه/ في انحنائه الأبديّ../ زوجُ المريضة الحزين،/ الذي لا يرفع عينه عن شرفتها،/ في هذا الشتاء الرهيب/ يقف ــ ربما ــ في انتظار أن تغطّيه/ من شرور هذه الدنيا/ بنظرةٍ واحدةٍ من عينيها.»
ـــ المشهديّة: المتجلّية بتوالي الجملة الشعرية بجملةٍ تكمل المشهد، كما في قصيدة «بعدما أموت»، حيث: «لا أريد/ بعد أن أموتَ/ أن أتحوّل إلى «مانيكان عجوزٍ»/ يقف وحيداً وراء الزجاج/ كشبحٍ محشوٍّ بالقطن/ خرج لتوّه من الخدمة،/ ليمثّل الدور الأخير/ في ذلك الفراغ الملوّن/ الذي تملؤه البالونات.»
ــ تركيب الجمل الشعرية كما ترد في الأحلام، التي تتماثل وأسلوب الكتابة الآلية السوريالية، مثلما يفعل في قصيدة «بنصف وجهٍ»، حيث :»هو نفسه قمرُ الشعراء/ الذي يضيء ليلَ الأحياء الفقيرة/ والقبور،/ غافلاً/ ــ وبنصف وجه ــ/ مثلما يفعل دائماً،/ يضيء الليلة/ على الطرف الآخر من النهر».
إضافةً إلى ما يمكن الاستمتاع به من فنون بساطة اللغة وانسيابها ورشاقة التكرار الشعري والتطعيم بالجمل والكلمات القاطعة، وبتفاصيل الطبيعة وطيورها، رغم عدم الخلاص من بعض التشبيه، الذي يتعارض مع تداخل وتراكم البشر الآخرين الدقيقين بتجاعيد بعضهم، لصنع معجزة ولادات الحياة في الموت.
محمود خير الله شاعر مصري، ولد عام 1971، وأصدر قبل هذه المجموعة خمس مجموعات شعرية هي: «فانتازيا الرجولة» 1998، «لعنة سقطت من النافذة» 2001، «ظل شجرة في المقابر» 2005، «كل ما صنع الحداد» 2010، «الأيام حين تعبرُ خائفة» 2019. بالإضافة إلى كتابين في السرد التاريخي «بارات مصر.. قيام وانهيار دولة الأُنس» و«مزاج الباشا.. تطور ثقافة الخمور في مصر».
محمود خير الله:
«بشر بأحجام دقيقة يكبرون في تجاعيدي»
منشورات المتوسط، ميلانو 2023
62 صفحة.