يسهل التعرف على المؤلف الذي يجد نفسه متجاوباً مع المتغيرات، حتى بالنسبة إلى تصوره عما يفكر فيه، وعما هو عليه، وحاجته إلى التغير بالمقابل، بوصفه شرطاً من شروط الارتقاء بالذات المفكّرة.
أي حين يكون هو نفسه واضع بطاقة التعريف لنفسه ومقدّمها لدار النشر.
مثال ذلك، بالنسبة للمفكر الاقتصادي والسياسي اللبناني جورج قرم، وله عشرات المؤلفات، نجد أنه في مؤلفه «تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب»، دار الفارابي، بيروت، 2011، أورد تحت عنوان «صدر للمؤلف» في نهاية الكتاب، لائحة عناوين كتبه، ليعتمد الصيغة ذاتها في كتابه «تعدد الأديان وأنظمة الحكم»، الدار نفسها، 2011، مع إضافة عنوان آخر هو السالف ذكره، واسم موقعه الإلكتروني من باب التواصل بالتأكيد. بينما في الكتاب التالي له، وهو «نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط «، تحليل ظاهرة توظيف الدين في السياسة الدولية، الدار نفسها، 2014، فثمة تحول في النظرة، إذ إنه ومن خلال أربع صفحات في نهاية الكتاب وتحت عنوان «المؤلفات الرئيسية»، يأتي على ذكر مؤلفاته، وهذه المرة بدءاً من «السياسة الاقتصادية والتصميم في لبنان»، وانتهاء بكتاب «حكم العالم الجديد، الإيديولوجيات، البنى والسلطات المعاكسة»…الخ.
ذلك يقبل المناقشة والسؤال عن هذا الإجراء، عدا عن أن العنوان المثبت «المؤلفات الرئيسية» يستدعي مساءلة عما إذا كانت هناك عناوين أخرى لم يوردها في اللائحة، والعبارة توحي بذلك، أم تراها خطأ، وإذا كان الوضع خلاف ذلك، فلماذا لم يأت على ذكر مؤلفاته كاملة؟ أتراه اعتبر المقالات والدراسات المنشورة بدورها في هذا المضمار أم لا؟ في الحالات كافة، لا ينبغي الاستخفاف بالعبارة التي تشير إلى المؤلفات، أو المؤلف نفسه، رغم أن بين الاثنين مسافة، كما هو معلوم، بين «المؤلف في سطور» و«مؤلفات الكاتب»، أو «كتب أخرى للمؤلف»…الخ.
في مجموعة من مؤلفات الباحث والمترجم المصري والأكاديمي بدوره عادل مصطفى، نجد أنه في كتبه الأخيرة أورد لائحة بأسماء كتبه وليس بنفسه، وكلها صادرة عن دار «رؤية» القاهرية: «فهم الفهم مدخل إلى الهرميوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر»، 2007، حيث لا وجود لأي إشارة إلى بطاقة تعريفية به أو بكتبه.
«المغالطات المنطقية فصول في المنطق غير الصوري»، 2013، في نهاية الكتاب، وتحت عنوان «كتب أخرى للمؤلف».
«كارل بوبر: مائة عام من التنوير»، 2016، وردت لائحة بأسماء كتبه تحت عنوان «كتب للمؤلف».
«مغالطات لغوية الطريق الثالث إلى فصحى جديدة»، 2016، مع إضافات.
«أوهام العقل»، 2016، المعلومات السابقة نفسها بصدد «كتب للمؤلف».
«وهم الثوابت»،2017، العنوان ذاته بالنسبة لكتب المؤلف مع إضافات.
ذلك متبوع حتى في ترجماته، إنما ليس جميعها، ففي ترجمته لكتاب ماركوس أوريليوس»التأملات»، رؤية، 2010، وكذلك كتاب إبكتيتوس «المختصر»، رؤية، 2015، ليس من إشارة إلى هذا الجانب. بينما في ترجمته لكتاب فرنسيس بيكون «الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة»، رؤية 2013، وكتاب جون هيل «فلسفة العقل»، رؤية، 2017، فثمة إشارة إلى ذلك، إنما تحت عنوان «كتب أخرى للمؤلف» في الأول، وفي الثاني، تحت عنوان «كتب للمؤلف»، وهذه النقطة ربما تستدعي تساؤلاً حول إجراء كهذا، رغم تداخل التاريخين في الحالتين.
هذا التغيير طبيعي، طالما أن المؤلف يضيف في كل مرة ما هو جديد، ولعله بالطريقة هذه يقدَّم آخر معلومة تخصه لقارئه، كي يتسنى له البحث عن أي مؤلف له عند اللزوم.
مقصد القول هنا هو أن لا قول محكماً فيما تردد حتى الآن بصدد الأفضل في البطاقة التعريفية، بما أن هناك تنوعاً أو اختلافاً، إلى جانب وجود أسباب قد تكون خفية على القارئ، أو كانت طارئة وأغفل عنها الناشر أو الكاتب، أو تبعاً لسياسة ثقافية، أو غيرها من الأسباب التي من ناحية تظهِر مدى مرونة العالم الموسوم هذا، واستحالة الإحاطة به من ناحية أخرى، ولئلا يكون هنا إصدار حكم ما على بنية بطاقة تعريفية معينة سواء بالنسبة للكتب/ المؤلفات أو الكاتب/ المؤلف نفسه.
إنه بعد آخر رحب المدى عميق الدلالة من أبعاد هذه الجملة المحدودة «بطاقة تعريف»، كونها وهي على محدوديتها، قد تنطوي على قلق لا يشعر به إلا المعني به، أو لم يصلنا بما هو معرفي، وتحديداً في عالم النشر في البلاد العربية، وطبيعة دور النشر عموماً وموقعها في عالم الثقافة والإنتاج الثقافي من جهة، وارتباطها بسياسات يستحيل تجريدها منها، وبتفاوت من بلد عربي إلى آخر، من جهة أخرى، وفي وضعيات التأزم الكبرى التي تعيشها المنطقة بالذات.
بطاقة التعريف من حيث التكوين أو الإنشاء لا يتعهَّد بها دائماً إلى دار النشر، إنما قد يكون المؤلف أو المعني بالكتاب: المترجم، هو موضع المسؤولية إزاء أي تغير في بنيتها.
لنتوقف عند مفكر وباحث في التحليل النفسي كبير شأناً، وهو لبناني معروف وأكاديمي، أي علي زيعور، من خلال الإشارة إلى طريقة تعامله مع هذه «القسيمة» غير المستقرة: إنه ذائع الصيت في دراساته ذات التوجه التحليلنفسي، واعتبار الذات العربية هي الزبون الذي لا ينفك ينعطف عليها، ويقلبها كمفهوم على وجوهها، وهي ذات لا تنفصل عن مجمل الذوات التي تخص أبناء المنطقة الواسعة، وهم متعددو الأجناس معايشة مكابدات.
إن مكاشفة اللائحة الاسمية لعناوين كتبه تعرّفنا بذلك، غير أنها غير مستقرة!
في كتابه «أحاديث نفسانية واجتماعية ومبسطات التحليل النفسي والصحة العقلية»، دار الطليعة، بيروت، ثمة لائحة بأسماء مؤلفاته في نهاية الكتاب، تحت عنوان «للمؤلف»، موزعة بين أقسام وتخصصات، وبصورة مختصرة، ومرقمة 1-علم النفس «5 كتب» – التحليل النفسي والإناسي للذات العربية «8 كتب»، 3- إسلاميات وفلسفة «5 كتب»، 4- أبحاث بالفرنسية «2».
لنجد في كتابه «الحكمة العملية أو الأخلاق والسياسة والتعاملية: الفلسفة في ميدان الفعل والمعيار والعلائق الاجتماعية»، دار الطليعة، بيروت، 1988، لائحة مباشرة بأسماء مؤلفاته، مع اختلاف في نسبة الكتب من حقل إلى آخر: علم النفس: 5 كتب، التحليل النفسي: 9 كتب، أبحاث بالفرنسية 4 أربعة، بينما نجد في كتابه الآخر «تفسيرات الحلم وفلسفات النبوة»، دار المناهل، بيروت، 2000، وتحت اسم «مؤلفات» هذه المرة، أن العناوين قد طالت وتنوعت، وبترقيم آخر: أ- المدرسة العربية في علم النفس والصحة النفسية، 5 كتب؛ ب- متفرقات في الفكر العام والفلسفة، 6 كتب؛ ج – موسّعة التحليل النفسي الإناسي الألسني للذات العربية، 13 كتاباً؛ – د- العقل العملي أو السياسة والأخلاق…، 9 كتب؛ – هـ- أبحاث بالفرنسية، 6 أبحاث..
بينما في كتابه «ميادين في المدرسة العربية الراهنة في الفلسفة والفكر»، دار النهضة العربية، بيروت، 2005، نجد توسعاً واختلاف كتابة، حيث التوزع بين المدرسة العربية الراهنة والصحة النفسية، والمدرسة العربية الراهنة في الفلسفة والفكر.. ومتفرقات في الفكر والفلسفة، وموسعة التحليل النفسي، وأبحاث في القطاع النفسي الاجتماعي والسياسي… بالفرنسية.
هذه الصياغات وإن كانت طفيفة لكنها، وعلى المستوى النفسي، وكون زيعور يعمل في هذا المضمار، لها بصمتها النفسية: ما الذي دفع به لأن يغيّر في الكتابة وحتى طريقة الترقيم؟ أي بنية ذهنية تكون مرافقة لهذا الإجراء التعريفي، الأرشفي من نوع خاص؟ هل من إمكان لمراجعة خافية «اللاشعور» ليفيدنا بمثل هذا الحراك الثقافي اللاشعور بالذات؟
نحن هنا إزاء مسار بحثي مغاير، وتبعاً لبنية المتردد في الكتاب بالذات، إذ لا بد أن لدى محلّلنا النفسي الكبير ربما أكثر من جواب بصدد ما تقدم، وانتفاء الجواب أحياناً، أو البعض منه، وتبقى عملية هذا التسطير بصيغ شتى من إنشاءاته وليس من قبل الناشر وهو متغير، كما رأينا.
مقصدي من القول أن قليلاً من المرونة العقلية، صحبة القليل من الانفتاح النفسي، يشكلان توأم عمل عالي الجودة، بحيث يكون المكسب الكبير هو هذا الأدب نفسه، هو الإنسان الذي يعنيه، بمقدار ما يكون المستمتع الروحي بهذا التفاعل من يقيمون علاقات مختلفة معه.
كل هذه الاعتبارات واردة، ومحل أخذ وعطاء، وبين الأخذ والعطاء، ثمة الحوار المميّز بطابعه الودي، وثمة النقاش الذي تكون له مآلات مختلفة، وثمة السجال الذي لا يخفي حساسيته، وثمة ما يجمع بين هذه المناخات كافة، لحظة تكرار السؤال عن بطاقة التعريف وما يكون الأحسن فيها.
في وسع المتابع لموضوع شائك ومتشعب من هذا القبيل إماطة اللثام عن كل ما يمكن التفكير سعياً إلى التقاط الكلمة الضائعة، إلى معرفة هذا «الإخلال» وما إذا كان كذلك أم لا، وكيف؟