جرت العادة أن يُصفق الجمهور بحرارة للبطل حين يُحقق انتصاراً فردياً في أفلام السينما ذات الطابع الحركي، التي تحتوي بعض مشاهدها على معارك واشتباكات بين فريقين. وقد شكل هذا الانحياز الجماهيري التلقائي، ظاهرة إنسانية كشفت عنها التجارب الإبداعية المُتكررة في السينما والدراما. وبالقطع كان لهذا التجاوب الشعبي السريع مع أفلام الأكشن خلفيات وأسباب انحصرت في مفهوم المُتلقي لأفلام ودراما المعارك، حسب ثقافته الخاصة وحاجته الماسة للحماية بوجود بطل يدافع عنه ويرد عنه الأذى الآتي من عصابات إجرامية، أو بممارسة يومية لمُحترفي البلطجة والقتل والسرقة وغيرها من أشكال الاعتداء السافر.

فيلم «عنتر وعبلة»
وهناك ترجمات سينمائية كثيرة لضرورة وجود البطل الشعبي واتباعه، ولو بشكل افتراضي لتجنب الإحساس بالضعف والهزيمة والتمسك بقيمة الانتصار مهما كانت الكُلفة، فعلى سبيل المثال اعتنت السينما المصرية بإنتاج عدة نُسخ من سيرة عنترة بن شداد، ليس من قبيل الترف أو الإسراف، وإنما للمُحافظة على الصورة المثالية للبطل القوي في المُخيلة الشعبية، باستدعاء الشخصيات التراثية التي نُسجت حول بطولاتها الخارقة أساطير وقصص مُثيرة للإعجاب والتأييد.
بالأبيض والأسود
فمن بين الأفلام التي أنتجت قديماً وصورت بالأبيض والأسود، فيلم «عنتر وعبلة» و»عنتر يغزو الصحراء» و»عنتر بن شداد»، وهي نماذج تم اختيار أبطالها بعناية وبشروط توافرت بموجبها عناصر القوة الجسدية والكاريزما الشخصية للنجوم، لتحقيق الإقناع، ففاز بالفرصة الذهبية، الفنان سراج منير وفريد شوقي كونهما البطلين اللذين تمتعا بخصائص جُسمانية مُطابقة لمواصفات الشخصية الرئيسية. وبالفعل نجحت الأفلام نجاحاً جماهيرياً كبيراً وحققت إيرادات مُتقدمة للغاية في دور العرض السينمائية، وأعيد عرضها بنسخ ملونة على شاشات الفضائيات في مراحل لاحقة، غير أن محاولات أخرى جرت لعصرنة القصة وتقديمها في قالب كوميدي، كما حدث في فيلم «ابن ابن ابن شداد» بطولة محمد هنيدي وباسم سمرة بمراهنة قوية على شغف الجمهور بالشخصية ورغبته في مشاهدتها بصور مُختلفة.
أدهم الشرقاوي
وللبطولات الفردية امتداد آخر في السينما المصرية تمثل في فيلم «أدهم الشرقاوي» الذي غنى فيه عبد الحليم حافظ فواصل من الملاحم بصوته الدرامي المُعبر، وقام ببطولته عبد الله غيث مع لبنى عبد العزيز وعبد الوارث عسر ومحمد رضا وسميحة أيوب. ويعد هذا الفيلم هو الأبرز في مسيرة عبد الله غيث السينمائية، حيث برع في تجسيد شخصية أدهم، البطل الشعبي الذي قاوم الإنكليز، وشكّل خطراً حقيقياً عليهم إبان فترة الاحتلال الذي دام لأكثر من سبعين عاماً. وبذيوع القصة وانتشارها عبر السينما والدراما والمواويل الشعبية، زاد تأثر العامة وانفعالهم بها، فأطلقوا اسم أدهم على آلاف الأطفال تيمناً بسيرة أدهم البطل والفارس الوطني النبيل، ولا يزال منزل أدهم الشرقاوي في مركز إيتاي البارود في مُحافظة الشرقية أثراً شهيراً يُشار إليه بالبنان كأحد معالم المُحافظة التي أنجبت الزعيم أحمد عرابي وابنها البار أدهم الشرقاوي.
أبو زيد الهلالي
كذلك اهتم كُتاب الدراما بصياغة القصة الشعبية للبطل العربي أبو زيد الهلالي، فأعادوا تحديثها بسياقات مُختلفة وأبرزوا من خلالها بطولات أبو زيد وانتصاراته في المعارك الضارية التي دارت بينه وبين مُنافسيه وأعدائه، واجتهد الكاتب الراحل يسري الجندي في كتابة مُعالجة درامية مُعتبرة حافظت على البناء القصصي التراثي، وأبرزت دور الشخصيات المهمة كشخصية الزناتي خليفة وأبو القُمصان وجازيه وغيرها.
وعلى مستوى الشعر والموال عكف الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي طوال حياته على جمع تراث الهلالية وضمنه في كتابات وأشعار كثيرة استفاد منها المداحون ورواة السير والملاحم، فأحياها وأعادها بقوة إلى الحياة وأدمجها في الثقافة العامة وإبداعات التلفزيون بالقص الشفاهي والتصوير الدرامي الملحمي المُثير.
علي الزيبق
حكاية علي الزيبق البطل الذي ينتمي لعامة الشعب وصراعه مع الكلبي رئيس الشُرطة، قُدمت أيضاً بأشكال كثيرة ومُتعددة في صورة حلقات تلفزيونية قام ببطولتها كل من فاروق الفيشاوي وعزت العلايلي وحمدي أحمد وهدى سُلطان، وتم من خلالها تسليط الضوء على مُغامرات الزيبق الصعبة، وشجاعته المُفرطة في مواجهة رموز الحُكم الاستبدادي وانتصاره للبُسطاء والفقراء من مظاليم الحاكم الجائر.
الكنز
في فيلم «الكنز» تناول مؤلف القصة عبد الرحيم كمال مع كاتب السيناريو والمخرج شريف عرفة، الأحداث نفسها بمُعالجة سينمائية تاريخية جد متميزة دارت حول أسرار التاريخ وجراب الحكايات الذي لا يخلو من مُثيرات وعجائب. ومن خلال السرد والتفنيد عرج المُبدعان على قصة علي الزيبق والكلبي باستخدام رابط مشترك اعتمدا فيه على العلاقة العاطفية التي نشأت بين علي البطل المغوار وفارس الفرسان، وزينب ابنة الكلبي، وانتهى الصراع بموت الحبيبة زينب في مشهد دراماتيكي بالغ التأثير. بطولة الفيلم كانت لمحمد رمضان ومحمد سعد وهند صبري وروبي وأحمد رزق وأمينة خليل وأحمد حاتم. ورغم غرابة الأجواء التاريخية وتداخل الأحداث وغموضها، إلا أن النجاح حالف الفيلم جماهيرياً ونقدياً وأحدث صدى قوياً للأسباب ذاتها، وهي الرغبة العامة في استدعاء البطولات التاريخية والملحمية للتخلص من الشعور المقيت بالضعف والهوان، وهو الدور العلاجي والإنساني الذي تقوم به السينما في كثير من الأحيان للحيلولة دون فقدان الثقة بالنفس والدخول في أطوار الاكتئاب المُزمن.
كاتب مصري