تونس-“القدس العربي”: بدأت مظاهر الحياة الثقافية تعود تدريجيا إلى تونس بعد انحسار موجة جائحة كورونا التي شلتّ العالم برمته، وها هو هواء الثقافة وعبقها يفوح في كل الأرجاء، فتونس تتنفس حياة وثقافة وأملا ولا يمكن لها أن تعيش بدون نبض الثقافة والفن والإبداع بكل ما يعكسه من وجه حضاري للبلاد.
قرابة 52 موقعا ومعلما ومتحفا أثريا في كامل تراب الجمهورية نفضت عنها الغبار وفتحت أبوابها مجددا لتستقبل زوارها وعشاقها وكل من تهفّ نفسه وروحه للإطلاع على حضارات تونس القديمة وعلى جذورها الأصيلة. الآن متحف باردو، موقع دقة الأثري وأوذنة وقرطاج والجمّ وكل المواقع والمعالم التاريخية والأثرية من شمال البلاد إلى جنوبها، تتألق وتتهيأ للموسم الصيفي المقبل بكل ما يحمله من مهرجانات وحياة ثقافية وعودة للسياحة الثقافية والتاريخية بكل تفاصيلها المشرقة.
لقد عادت الحياة لتدّب في شرايين هذه المعالم الأثرية التي تحكي قصة الحضارة وقصة كل تونسي يعيش على هذه البسيطة وجزءا هاما أيضا من الحضارات التي تعقبت على المنطقة وشمال افريقيا. واليوم هذه المعالم التي تنظر بكلتا عينيها فرحة باحتضان زوارها، تحكي أيضا قصة نجاح من نوع آخر، النجاح والانتصار على كورونا الذي جاء ليلقي بظلامه على الأجواء، ولكن لفظته سماء تونس وهواؤها، فهنا لا مكان للموت والعدم ولا يمكن لسنابل القمح الذهبية ولأشجار الزيتون الممتدة في كل مكان أن تقبل بهذا الضيف الثقيل .
الحياة الثقافية عادت تدريجيا سواء فيما يتعلق بالمهرجانات والتظاهرات والأنشطة الثقافية الكبرى أو الصغرى التي تنظم بشكل دوري في البلاد أو فيما يتعلق بفتح المعالم والمتاحف الأثرية ولكن بإجراءات خاصة وضعتها الهيئات المعنية حفاظا على سلامة المواطنين والضيوف والزوار.
وتؤكد آمال الزريبي حشانة المديرة العامة لوكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية في حديثها لـ”القدس العربي” أن هناك 52 فضاء ما بين معالم ومواقع أثرية استأنفت نشاطها بطاقة استيعاب 50 في المئة منذ 4 حزيران/يونيو الجار. وتضيف: “استعدادا لهذا الحدث عممنا على مداخل هذه الفضاءات بيانات تشرح للزائرين أهم الاحتياطات اللازمة قبل الدخول لهذه المواقع مثل احترام مسافة متر على الأقل واحترام التبادل الاجتماعي والجسدي وأيضا وضع الكمامة بصفة إجبارية. كما وضعنا أجهزة لقياس الحرارة في كل مداخل الفضاءات ومكنّا الزائرين من المحلول الكحولي المائي لتطهير اليدين، كما ان جميع الفضاءات مجهزة بجميع وسائل النظافة”.
أما بشأن المواقع الأثرية التي تحتضن مهرجانات دولية مثل الجم السيمفوني أو مهرجان قرطاج الدولي وغيرها وعن امكانية عودتها توضح محدثتنا بالقول: “لقد أعلنت وزارة الثقافة سابقا عن تأجيل بعض المهرجانات الدولية مثل مهرجان قرطاج لأنها تظاهرات دولية كبرى وتعكس وجه البلاد وبكل الأحوال لا يمكن تنظميها بشهر أو شهرين، ولم نكن نستطيع أن نعرف متى ينتهي الوباء ولذلك لم يكن بالإمكان تنظيم هذا المهرجان، والمسألة ليست مرتبطة بتونس بل بعدة دول أخرى لان التنقل غير متوفر وهناك بلدان لم تفتح حدودها بعد. هناك عوامل خارجية تحكمت بمسألة تنظيم بعض المهرجانات من عدمه، واختارت الوزارة الإعلان عن ذلك. والنسخة المقبلة ستكون في سنة 2021”. وتتابع: “أما بخصوص المعالم الأثرية التي تحتضن تظاهرات ومهرجانات فنية وثقافية محلية فسيقع تنظيم عروضها بداية من 15 تموز/يوليو المقبل”. وتوضح محدثتنا ان اختيار هذا التاريخ لم يكن اعتباطيا بل تمّ تحديده ووضعه بالتعاون مع معهد الصحة والسلامة المهنية باعتبار أن تونس ستفتح أجواءها بداية من 27 حزيران/يونيو الجاري، وخلال خمسة عشرة يوما ستقوم الهيئات المختصة بمراقبة مدى تطور أو تحسن الوضع الوبائي. وتقول: “لذلك فهذا الإجراء كان احتياطيا ولكن عموما بداية من 15 تموز/يوليو ستعود كل المهرجانات المحلية بطاقة استيعاب قصوى لا تتجاوز 30 في المئة في مرحلة أولى مع احترام مسافة الأمان بين متفرج وآخر ويمكن حسب تحسن الوضع الوبائي تغيير بعض الإجراءات، فيمكن مثلا تعديل طاقة الاستيعاب لتصبح 50 في المئة أو 100 في المئة. ولكن بالإجمال مجرد الحديث عن عودة الأنشطة والمهرجانات الصيفية هو بحد ذاته حدث هام ولم يكن ممكنا قبل شهر أو شهرين توقع ذلك، ولكن وصلنا إلى هذا الوضع المريح والجيد بفضل الكفاءات الإدارية والسياسية وأصبحنا نستطيع الحديث عن عودة الحياة الثقافية ولو تدريجيا. وستظل التدابير الوقائية قائمة في كل الأحوال حسب البروتوكول الصحي الخاص الموضوع في كل المتاحف والمواقع. وعودة المشهد الثقافي إلى تونس واستئناف فتح هذه المعالم التاريخية هو حدث مهم جدا لأننا نريد أن نوصل وجه تونس الحضاري والثقافي للعالم ونسعى لأن يكون المواطن متصالح مع حضارته”.
إجراءات دعم خاصة
لقد وضعت وزارة الشؤون الثقافية في تونس خطة خاصة لدعم هذه العودة الثقافية بكل زخم مثل تقديم منح ومساعدات استثنائية للمؤسسات العاملة في القطاع الثقافي من أجل دفع الحياة الثقافية. كما وضعت الوزارة خطة عمل للنظر في روزنامة المهرجانات وكيفية تطوير الموارد المالية والبشرية لهذه المواقع والمعالم وتعزيزها والسعي إلى حمايتها والمحافظة عليها من كلّ أشكال الإتلاف. وكانت وزيرة الشؤون الثقافية شيراز العتيري أيضا قد اجتمعت مع المندوبين الجهويين للثقافة لتنسيق عودة نشاط بعض المهرجانات الصيفية من دون الاخلال بالبروتوكول الصحي. وأكدت أن الوزارة تعمل بعد تأجيل مهرجان قرطاج الدولي والحمامات الدولي، إلى إعادة نسق المهرجانات الصيفية، التي تنتظم تحت إشراف مكونات المجتمع المدني، تدريجيا مع المحافظة على الشروط الصحية والالتزام بكلّ التدابير الوقائية في مختلف الفضاءات الثقافية المفتوحة بكلّ الجهات من دون أن تتجاوز التجمعات الـ 1000 شخص يتمّ تقسيمهم إلى مجموعات من 30 فردا. فهذه المهرجانات الصيفية المحلية والوطنية والدولية المزمع عقدها داخل الجهات والولايات التونسية ستخضع لكراس الشروط الوقائية والمرتبطة بالأساس بفتح الحدود البرية والبحرية والجوية وبطاقة استيعاب الفضاءات المفتوحة ومكان تواجدها.
عروض بنكهة تونسية
يشار إلى أن عديد المهرجانات في تونس لهذا الموسم والتي ستنطلق بداية من الشهر المقبل ستكون بنكهة تونسية خالصة وبعروض محلية نظرا لصعوبة تأمين مشاركة فنانين ومبدعين أجانب بسبب الوضع الوبائي العالمي وإغلاق الحدود بين الدول. ومن أهم المهرجانات التي تستعد لتنظيم عروضها مهرجان سوسة الدولي. فقد أكدت الهيئة المديرة لجمعية مهرجان سوسة الدولي، عن اعتزامها المحافظة على تنظيم الدورة 62 لمهرجان سوسة الدولي في نسخة تونسية صرفة، وبعدد محدد من العروض لا يتجاوز 15 عرضا خلال شهر آب/أغسطس المقبل. وأكدت جمعية مهرجان سوسة الدولي أن هذا الإجراء يأتي في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد وسائر دول العالم نتيجة تفشي وانتشار وباء كورونا المستجد، وكذلك نظرا لانعكاسات ذلك على سير الإعداد المحكم لتنظيم العروض الأجنبية في الآجال المناسبة.
أيضا الدورة 56 لمهرجان الحمامات الدولي ألغت العروض الأجنبية وستنظم كل العروض في نسخة تونسية بامتياز لا يشارك فيها المبدعون الأجانب غير المقيمين. ويتنزل هذا القرار حسب ما جاء في بلاغ إدارة المهرجان، في إطار التكيف مع المستجدات العالمية في الظروف الاستثنائية التي تعيشها سائر دول العالم جراء انتشار وباء كورونا المستجد.
اليوم يتهيأ التونسيون لاستقبال أمسيات الصيف المقبل التي يفوح منها عبق الياسمين على إيقاع المهرجانات الصيفية الثقافية بكل أمل وفرح، وعلى إيقاع أنغام موسيقى الحياة والبهجة التي يتردد صداها في كل الأرجاء.