تونس-“القدس العربي”: لا حديث في تونس هذه الأيام إلا عن تأسيس الحزب الجديد لرئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي أطلق عليه تسمية “تحيا تونس” وضم عددا هاما من قيادات وقواعد حركة نداء تونس الحزب الأصلي ليوسف الشاهد، كما ضم الحزب الجديد شخصيات من أحزاب أخرى على غرار حزب مشرع تونس الذي هو بدوره من مشتقات النداء، وأيضا حزب آفاق تونس والاتحاد الوطني الحر والحزب الجمهوري ومستقلين.
والحقيقة أن المهتمين بالشأن السياسي في تونس لم يعتادوا على رئيس حكومة يتمرد على رئيس الجمهورية وينسلخ من حزبه ويؤسس حزبا جديدا رافضا الاستقالة من الحكومة بخلاف إرادة رئاسة الجمهورية الذي أتى مقر رئاسة الحكومة بعد أن كان مجهولا سياسيا. كما لم يعتد التونسيون على مسؤول في دوائر الحكم يؤسس حزبا جديدا خاصة وأن المتعارف عليه في تعريف الأحزاب في العلوم السياسية والقانونية أن من غاياته الوصول إلى الحكم وممارسته، والشاهد وجماعته في الحكم ويمارسونه.
لوبيات داخلية وخارجية
ويرى البعض في يوسف الشاهد الرئيس المقبل لتونس أو أحد الرؤساء الثلاثة لمرحلة ما بعد الباجي قائد السبسي رغم عدم تحقيقه لأي إنجاز خلال الفترة التي قضاها رئيسا للحكومة. بل أن الأرقام تشير إلى أن عهد الشاهد هو الأسوأ اقتصاديا مع تراجع في مجال الأمن مقارنة بالفترة التي قضاها سلفه الحبيب الصيد رئيسا للحكومة خاصة بعد إقالة وزير الداخلية لطفي براهم وقيادات أمنية بارزة في سلك الحرس الوطني وقبل ذلك المدير العام للأمن الوطني توفيق الدبابي.
ويرى هؤلاء أن هناك جهة خارجية نافذة تدعم يوسف الشاهد إضافة إلى رجال أعمال كبار من جهة الساحل ومن العاصمة سعى الشاهد إلى رفع الحجر عن أموال بعضهم التي كانت مصادرة في أوروبا رغم الانتقادات التي طالته باعتباره يرفع شعار محاربة الفساد. ويفسر البعض تخندق حركة النهضة مع يوسف شاهد على حساب الباجي قائد السبسي بهذا النفوذ الذي للشاهد خارجيا وعلى مستوى لوبيات المال والأعمال واعتبارا لسنه غير المتقدمة التي يمكن أن تكون لصالحه ليلعب دورا هاما في الساحة السياسية التونسية خلال السنوات المقبلة.
حسابات خاطئة
في المقابل يرى آخرون أن الشاهد لن يكون رجل المرحلة المقبلة وكل ما في الأمر أنه في الحكم لذلك تقرب منه الجميع أملا في المناصب سواء في هذه الحكومة أو في حكومة مقبلة قد تتشكل من المكون السياسي الذي أسسه الشاهد خلال فترة ما بعد انتخابات 2019. إذ يرى أصحاب هذا الرأي أن حسابات بعض السياسيين الذي انضموا للشاهد خاطئة، وأن حركة النهضة تدعم الشاهد فقط لأنها في حرب معلنة مع رئيس الجمهورية وهي في حاجة لمن لديه كتلة نيابية وقادر على شق صفوف حركة نداء تونس إضعافا للباجي قائد السبسي وقادر أيضا على جعلها متحالفة مع “العلمانية” مثلما يريد “أصدقاؤها” الغربيون.
ويستشهد هؤلاء بأمثلة من رؤساء حكومات سابقين كانت استطلاعات الرأي وهم في الحكم تضعهم في طليعة الفائزين إذا أجريت انتخابات لكنهم يختفون تماما من نوايا التصويت بمجرد مغادرتهم الحكم ودخولهم في غياهب النسيان. ومن بين هؤلاء مهدي جمعة والحبيب الصيد وحتى حمادي الجبالي وعلي العريض رغم انتمائهما لحركة النهضة صاحبة القاعدة الجماهيرية الواسعة والرصيد الهام من الناخبين المنضبطين.
توجهات متشابهة
ويرى البعض أن حزب “تحيا تونس” لا يختلف في توجهاته المعلن عنها مع السواد الأعظم من الأحزاب السياسية التونسية فكلهم غارقون في الأحلام الوردية الجميلة لـ”جنة تونسية” يطيب فيها العيش وتكاد المفردات المستعملة تكون هي ذاتها بين مختلف هذه الأحزاب. كما أن أغلب الشخصيات التي ساهمت في تأسيس هذا الحزب جربت في أحزاب أخرى ولم يكن أداؤها في المستوى المأمول وعرفت بما يسمى في تونس “السياحة الحزبية” أي الانتقال المتكرر من حزب إلى حزب.
ويتساءل البعض في هذا الإطار عن الاختلاف بين حزب تحيا تونس وحزب نداء تونس، أو بينه وبين حزب مشروع تونس، أو بين هذه الأحزاب جميعا وحزب آفاق تونس خاصة بعد أن أصبح الكل يدعي أنه الأدرى بمصلحة تونس أكثر من غيره وبيده وحده الحلول السحرية. فما الفائدة من كل هذه المشاريع المتشابهة خاصة وأن القائمين عليها لم يثبتوا تفوقا سياسيا أو عبقرية فذة تجعل الرأي العام يتوسم الخير ويأمل فيما هو أفضل مع هؤلاء، وأن عدد الأحزاب السياسية في تونس فاق المئتين بكثير وأغلبها دكاكين صغيرة غير قادرة على ضمان أصوات حي أو قرية صغيرة من قرى تونس النائية والمنكوبة؟