تونس-»القدس العربي»: فرحة ممزوجة بالحزن الأسى.. هي ما عاشه التونسيون إثر إعلان الحكم النيوزيلندي الذي أدار باقتدار مباراة منتخبهم مع نظيره الفرنسي، والتي انتهت بفوز نسور قرطاج على الديكة بهدف دون رد. ومن بين أسباب هذه الفرحة، انتصار منتخب عربي لأول مرة على فرنسا التي اعتادت على سحق المنتخبات الشمال أفريقية والخليجية بنتائج ثقيلة، أما الأسى فيعود إلى عدم التأهل إلى الدور الثاني رغم الانتصار على فرنسا العتيدة.
لقد حقق نسور قرطاج انتصارا على فرنسا بطلة العالم، وتعادلا أمام الدانمارك الصلب الذي يحتل المراتب الأولى في ترتيب الفيفا، مقابل هزيمة غير متوقعة بهدف دون رد أمام أستراليا التي كان يُعتقد أنها أضعف منتخبات المجموعة. وأجمع جل المحللين والمختصين في الشأن الرياضي على أن الاختيارات الخاطئة في التشكيلة التي اعتمدها الناخب الوطني جلال القادري، والتغييرات التي قام بها في مباراة أستراليا، هي التي أقصت المنتخب التونسي الذي كان يستحق الترشح والذهاب أكثر في هذا المونديال رغم المشاكل التي عاشها المنتخب قبيل تحوله إلى الدوحة دونا عن باقي المنتخبات المتأهلة إلى مونديال قطر.
طعم خاص
ويؤكد العارفون بالشأن الرياضي في تونس على أن مجموعة اللاعبين التي بحوزة القادري ليست بالسوء الذي يجعلها تغادر المونديال من الدور الأول، وأن عوامل عديدة أدت إلى هذه النتيجة غير المستحقة والتي خلفت مرارة في الشارع التونسي. ولعل أهم هذه الأسباب هي عدم منح المقاليد الفنية لنسور قرطاج لمدرب كفء يتمتع الخبرة اللازمة لمثل هكذا مواعيد، وذلك بإصرار من رئيس الاتحاد التونسي لكرة القدم وديع الجريء الذي يرغب حسب البعض، في التدخل في المقاليد الفنية التي ليست من صميم اختصاصه.
لقد كان الانتصار على فرنسا ذو طعم خاص، ليس فقط لأن فرنسا هي بطلة العالم ولم يسبق لمنتخب عربي أن انتصر عليها، بل بسبب اختلاط الرياضة بالسياسة. ففي ذاكرة الوطنيين من أبناء هذا الشعب رسخت جرائم الاستعمار التي يتم استذكارها بالخصوص في الأعياد الوطنية وهي كثيرة ومرتبطة بفرنسا، على غرار عيد الاستقلال وعيد الجلاء وعيد الشهداء إضافة إلى أعياد أخرى تمت إزالتها من روزنامة الأعياد الوطنية منها عيد النصر وذكرى ثورة 18 كانون الثاني/يناير 1952 وغيرها.
لذلك لم تكن هذه المباراة عادية في أذهان هؤلاء الوطنيين وهو ما يفسر فرح الكثيرين بهذا الفوز التاريخي وخروجهم إلى الشوارع للاحتفال في مختلف المدن التونسية من أقصى شمال البلاد إلى أقصى جنوبها. وزاد من الحماس التونسي التصريحات المتعالية للديكة الفرنسيين على نسور قرطاج فكان رد الفعل الجماهيري الذي بدا متحمسا زيادة على اللزوم وأثار عجب من لا يعرفون خفايا هذه المباراة ورمزيتها ورمزية المنافس في أذهان التونسيين.
لقد خفف الانتصار على فرنسا تحديدا، والتي أقحمت كل نجومها في الشوط الثاني رافضة انتصار أحفاد القرطاجيين، من مرارة الانسحاب الذي كان سيكون أكثر مرارة لو تحقق الانتصار أمام منافس آخر غير «الديكة المتعالين». كما تجدر الإشارة إلى أن كل تونسي لديه فرد من العائلة أو مجموعة من الأفراد يقيمون في فرنسا كمهاجرين. وأن كثيرا من التونسيين يتعرضون للترحيل القسري ولا يرحب بهم في بلد الأنوار الذي يتحمل قسطا كبيرا في ما تعيشه تونس اليوم من أزمات، وهو الذي ابتدع خريطة للمنطقة غير عادلة حرمت التونسيين من أراض كثيرة ومن ثروات كانت ستخفف اليوم من حدة الأزمة التي يعيشها البلد.
الدور الثاني
بالمقابل ظهر كثير من التونسيين وكأنهم غير معنيين بأهمية المنافس وهمهم الوحيد كان الترشح إلى الدور الثاني، ومادام هذا الترشح لم يتحقق فإنهم عبروا صراحة عن استيائهم في وسائل الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي. لقد اعتبر هؤلاء أن الجيل الحالي لنسور قرطاج كان بإمكانه الترشح للدور الثاني وأضاع فرصة تاريخية قد لا تتكرر مستقبلا وذلك بالنظر إلى المردود الذي قدمه أحفاد القرطاجيين في المباريات الثلاث.
وصب هؤلاء جام غضيهم على المدرب جلال القادري وعلى رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم وديع الجريء اللذين لم يحسنا، حسب هؤلاء، التصرف في مباراة أستراليا التي كانت، برأيهم، في المتناول لو عرف الطاقم الفني كيف يتعامل معها واختار لها التشكيلة المناسبة. فقد كانت في بنك بدلاء نسور قرطاج حلول كثيرة ولاعبون مهرة يمكن التعويل عليهم، لكن القادري ومن وراءه، خيروا اللعب بنفس الخطة التي خاضوا بها مباراة الدانمارك واعتمدوا نفس اللاعبين تقريبا وهو ما لا يستقيم باعتبار أن لكل مباراة حقيقتها وأن تونس كانت مطالبة بصنع اللعب أمام الكنغر الأسترالي.
لقد منى أغلب هؤلاء النفس بالذهاب بعيدا في المونديال القطري خاصة وأن عاملي الأرض والجمهور وحسن ضيافة القطريين وحفاوتهم بنسور قرطاج كان بإمكانه أن يكون دافعا للتونسيين للتألق في قادم المباريات لو حصل التأهل. ويؤكد هؤلاء أن ما توفر في قطر للمنتخب التونسي لا يمكن أن يتوفر مستقبلا في غيرها من حيث ظروف الإقامة الطيبة ودفء أبناء البلد المضيف وتواجد الجماهير التونسية بأعداد كبيرة من أبناء الجالية المقيمة في قطر وهو ما زاد في الشعور بالمرارة بإضاعة هذه الفرصة التاريخية.
المصالحة مع الجماهير
لم يذهب كثير من التونسيين يوم مباراة فرنسا إلى العمل ولم يلتحق الكثير منهم أيضا بمقاعد الدراسة، ومن ذهب منهم فقد اختار لنفسه مقهى قرب موقع العمل أو غير بعيد عن المؤسسة التعليمية لمشاهدة المباراة. وأقفرت شوارع المدن التونسية من البشر أو كادت وذلك بالرغم من المرارة والإستياء اللذين تسببت فيهما هزيمة أستراليا بهدف وحيد دون رد.
ولعل اللافت هو العدد الكبير من الجماهير من أبناء الجالية التونسية في قطر والذين أشاد أبناء الداخل بمؤازرتهم لنسور قرطاج رغم خيبة مباراة أستراليا ورغم الشعور المسبق بصعوبة الانتصار على بطل العالم صاحب الأسبقية المعنوية على المنتخبات العربية. حتى أن البعض تحدث عن غزو تونسي لملاعب المونديال لم يخفت ولم يتراجع حتى بعد مباراة أستراليا وقد تأكد مع الحضور الغفير للجماهير في مباراة فرنسا التي نال فيها أداء النسور استحسان الحاضرين من أبناء الجالية.
ويبدو أن المنتخب التونسي الذي سافر إلى الدوحة مذموما بسبب اختيارات المدرب للقائمة والتي يقال أن رئيس الاتحاد التونسي قد تدخل فيها، قد تصالح مع جمهوره بعد الأداء الرائع في مباراتي فرنسا والدانمارك وقبل ذلك في الدورة الدولية التي نظمتها اليابان على أرضها وفاز بها التونسيون بعد انتصارهم في النهائي على منتخب البلد المنظم بثلاثية دون رد. ولعل ما يؤكد ذلك هو حالة الرضا التي أبداها أغلب الفنيين والجماهير الرياضية التونسية مباشرة بعد انتهاء مباراة فرنسا.
البناء على ما تحقق
ويؤكد هؤلاء على أنه يجب البناء على الأداء الممتاز في مباراتي الدانمارك وفرنسا وتلافي النقائص التي لاحت في مباراة أستراليا لبناء منتخب عتيد قادر على خوض كل المباراة في الدورات العالمية والإقليمية بنفس الأداء والروح حتى لا يتكرر مجددا ما حصل في هذا المونديال خاصة وأن نسور قرطاج قد اكتسبوا الخبرة اللازمة. فالتونسيون مع السعوديين والمغاربة، هم أصحاب الرقم القياسي العربي في المشاركات في المونديال بست مشاركات، وترشحوا في زمن كان لأفريقيا ممثل وحيد في كأس العالم، وبفضل تألقهم في مونديال الأرجنتين سنة 1978 مكنت الفيفا القارة السمراء من ممثل ثان.
وللإشارة فإن المغرب ترشح مرتين إلى كأس العالم بالقرعة على حساب تونس في زمن المنتخب الوحيد الممثل للقارة بعد أن بقي المنتخبان بمفردهما إلى نهاية التصفيات وتعادلا في تونس والمغرب وفي مباراتين فاصلتين واحدة في موناكو وأخرى في مرسيليا. وتم الاحتكام إلى القرعة التي رشحت المغاربة مرتين على حساب تونس، وبالتالي لو حصل العكس لكانت هذه المشاركة الثامنة للنسور الذين لم يحالفهم الحظ باعتماد القرعة وكانوا يمتلكون منتخبا عتيدا في ذلك الوقت.
وبالتالي يرى كثير من المحللين الرياضيين في تونس أن نسور قرطاج اكتسبوا خبرة التظاهرات الكبرى ولم يعد مسموحا لهم الاكتفاء بالدور الأول وأن التحجج بالصعوبات السياسية والاقتصادية التي عاشها البلد لم يعد أمرا مقبولا في بلد لديه، مع كل من مصر والمغرب، أهم الأندية على الصعيد القاري والقادرة على إنجاب كبار اللاعبين. كما أن لتونس جاليات في الخارج بالإمكان تطعيم المنتخب ببعض أبنائها الناشطين في البطولات الأوروبية رغم أنها ليست بالكثافة العددية التي للجاليات الجزائرية والمغربية والتي تجعل الخيارات أوسع وإمكانية بروز لاعبين كبار أفضل بالنسبة للجارين المغاربيين.
لذلك فإن ردود الأفعال المتعلقة بمشاركة نسور قرطاج في مونديال قطر 2022 تراوحت بين الفرح بالانتصار على فرنسا بطلة العالم، والذي له طعم خاص لدى التونسيين، وبين الخيبة والمرارة من الهزيمة ضد أستراليا التي تسببت في إقصاء المنتخب من كأس عالمية استثنائية حضرت فيها الجماهير التونسية بكثافة. وهناك اتفاق بين الجميع على ضرورة أخذ العبرة من هذه المشاركة والاستعداد الجيد لقادم المواعيد سواء القارية أو الدولية حتى لا تتكرر مرارة الانسحاب رغم الجهود المبذولة.