بيروت- “القدس العربي”: 48 عاماً مرّت على ذكرى 13 نيسان 1975 التاريخ الذي ارتبط بحادثة بوسطة عين الرمانة التي شكلت الشرارة الأولى لاندلاع الحرب الأهلية، وأدخلت البلد في جلجلة طويلة من الألم والقتل والدمار أسفرت عن سقوط 134 ألف ضحية و300 ألف جريح ومعوّق و17415 مفقوداً وتهجير عشرات الألوف.
وعلى الرغم من إجماع السياسيين والمقاتلين السابقين على مقولة “تنذكر وما تنعاد” إلا أن ما تشهده البلاد حالياً من فراغ رئاسي وأزمات خانقة ومن استباحة للسيادة وتداعيات نزوح تبعث على الخوف من التأسيس لحرب جديدة.
فبعد 48 عاماً على الذكرى وبعد 33 عاماً على إقرار اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب، لم ينزل البعض من بوسطة عين الرمانة بعد ومازالت عناصر الانفجار قائمة في ظل وجود السلاح بيد فئة مقابل رفع شعارات مواجهة الاحتلال الإيراني للحفاظ على الهوية ومواجهة عملية خطف الوطن.
ولعلّ تغريدة عضو “تكتل الجمهورية القوية” النائب غياث يزبك جاءت تعبيراً عن هذا الواقع من حيث قوله “13 نيسان 2023 تغيّرت هوية سائق البوسطة وصار لبنانياً متحوّراً”. وأضاف “نواة المدافعين كبُرت وصاروا من كل الوطن. لذا ندعو المعتدين إلى وقف الاستنزاف العبثي والالتحاق بلبنانِنا لأنه لا يُهزم، ولأن بانتصاره يخرج الجميع منتصراً أما العكس فدمار شامل”.
١٣ نيسان ٢٠٢٣ تغيرت هوية سائق البوسطة صار لبنانياً متحوّراً. نواة المدافعين كبُرت وصاروا من كل الوطن. لذا ندعو المعتدين الى وقف الاستنزاف العبثي والالتحاق بلبنانِنا لأنه لا يُهزم، ولأن بانتصاره يخرج الجميع منتصراً أما العكس فدمار شامل.
— Ghayath Yazbeck (@GhayathYazbeck) April 13, 2023
ورأى أحد كوادر 17 تشرين/ أكتوبر سمير سكاف “أن التقاتل في لبنان يستمر مع اختلاف المتقاتلين وأن السلاح انتقل من الجبهات في الشارع إلى ضفة واحدة لجبهة واحدة على طول الوطن هي ضفة حزب الله وحلفائه من جهة في وجه خصومه غير المسلحين من جهة أخرى”.
وكأن سكاف يتوافق في قراءته مع رئيس الحركة اليسارية اللبنانية منير بركات الذي أكد “أن المراجعة النقدية الوحيدة المطلوبة من جميع الأطراف والتي تشكّل عبرة للأجيال المقبلة هي أن الوضع الاجتماعي والسلاح الإيراني في لبنان هو بظروف مشابهة للسبب المباشر عن انفجار الحرب الأهلية والذي ظهّر الأزمات المتراكمة حينذاك لاسيما المعارك المطلبية ومحاولة تعديل النظام السياسي التي تداخلت مع الانقسام اللبناني الحاد حول الوجود الفلسطيني المسلح”، وأضاف “المفارقة بالانهيار الحالي الأشد قسوة هي بازدواجية حزب الله بنسيجه الداخلي وهويته الإيرانية سلاحاً وأيديولوجيا”.
وفي الإطار عينه، سأل قائد القوات اللبنانية الأسبق فؤاد أبو ناضر في بيان: “ثمانية وأربعون عاماً مرّت على حادثة بوسطة عين الرمانة. هل هي ذكرى؟ أو عبرة من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل؟ أو مرحلة عابرة في تاريخ لبنان الحديث؟”.
وقال أبو ناضر “في الدول المتحضّرة، تتحوّل هذه التواريخ الراسخة في الذاكرة الجماعية للشعوب، إلى محطة سنوية وطنية ترتبط بالاستقلال والشهداء ونهاية الحرب وبداية الإعمار. أما في لبنان، طالما لا زال النواب يحيون المناسبة بمباراة فوتبول، ولا يعالجون أسباب المشكلة والصراع على السلطة، ويؤجلون الانتخابات البلدية والاختيارية، ويتقاعسون عن انتخاب رئيس للجمهورية في الموعد الدستوري، ويعجزون عن مساءلة ومحاسبة حكومة مستقيلة عاجزة، ولا يأبهون بإخراج لبنان من التوقيت العالمي، وطالما لا يزال اللاجئ الفلسطيني مسلحاً، ويستخدم هذا السلاح في المخيمات وخارجها، فكل ما سبق يعني أن لبنان لا زال يعيش تداعيات 13 نيسان بشكل يومي. وبالتالي، لم يتعلّم المسؤولون اللبنانيون من هذه التجارب المريرة، وكأنهم تأقلموا معها، وغدت خبزهم اليومي”.
13 نيسان 1975 ذكرى؟ أو عبرة؟ أو مرحلة عابرة في تاريخ لبنان الحديث؟ طالما لا زال النوّاب يحييون المناسبة بمباراة فوتبول، ويؤجّلون الانتخابات البلديّة والاختيارية، ويتقاعسون عن انتخاب رئيس للجمهورية في الموعد الدستوري، وطالما لا يزال اللاجىء الفلسطيني مسلّحاً، ويستخدم سلاحه في… pic.twitter.com/iEL4sy505x
— Fouad Abou Nader | فؤاد أبو ناضر (@fabounader) April 13, 2023
أما رئيس حزب القوات اللبنانية الحالي سمير جعجع فنشر في ذكرى اندلاع الحرب صورة لمقاتل في “المقاومة اللبنانية” وأرفقها بتعليق: “لم نهوَ الحرب…”.
لم نهوَ الحرب…
– ١٣ نيسان، ذكرى اندلاع الحرب اللبنانية #الحرب_اللبنانية #المقاومة_اللبنانية pic.twitter.com/tmzlluKe2o— Samir Geagea (@DrSamirGeagea) April 13, 2023
وكتب نجل رئيس “تيار المردة” النائب طوني فرنجية على “تويتر”: “الحرب انتهت. تداعياتها مع الأسف استمرت. لذلك، لا بديل عن الحوار، المصارحة، التسامح، الغفران والاتحاد حول نظرة مشتركة لغدٍ آمنٍ ومزدهر”.
من جهته، غرّد الرئيس سعد الحريري الذي علّق عمله السياسي: “13 نيسان، تاريخ يذكّرنا دائماً باللعنة لمن يبدأ الحروب الأهلية والرحمة لمن ينهيها”.
١٣ نيسان، تاريخ يذكرنا دائماً باللعنة لمن يبدأ الحروب الاهلية والرحمة لمن ينهيها…
— Saad Hariri (@saadhariri) April 13, 2023
وقال النائب نعمة أفرام المرشح لرئاسة الجمهورية: “نقف اليوم أمام ذكرى 13 نيسان لنقول ألم يكفِ لبنان بعد حروباً قتالية واقتصادية واجتماعية وسياسية؟ ألم يحن الوقت لنتعلّم من دروس التاريخ؟”، وأضاف “لا انتصارات في حروب تدمّر الأوطان والإنسان”.
كذلك، غرّد مستشار رئيس الجمهورية السابق أمل أبو زيد: “13 نيسان، ذكرى تعبّر عن مأساة وطن ومعاناة شعب، بمسيحييه ومسلميه. نتذكّر دموع الأمهات وشموع الجنازات، ولا نتنكّر لمن بذلوا دماءهم وقدموا أرواحهم حياةً للبنان وشهادةً لتاريخه”، وتابع: “اليوم، أكثر من أي يوم مضى، ترانا بحاجة إلى الغفران والإيمان، إلى التسامح والتصالح وإلى الوحدة والشراكة الفعلية ليبقى لبنان”.
وكانت لجنة الشباب والرياضة النيابية التي يرأسها النائب سيمون أبي رميا نظّمت في الذكرى مباراة كرة قدم جمعت نواباً من البرلمان وعناصر من الدفاع المدني في فريقين أبيض وأحمر، من ألوان العلم اللبناني.
جعجع لم نهوَ الحرب.. الحريري: 13 نيسان يذكّرنا باللعنة.. ونواب يحيون الذكرى بمباراة كرة قدم
وجاءت المبادرة تحت شعار “كلنا للوطن”، ولفت أبي رميا إلى “أن هدف هذا الحدث الرياضي عشية ذكرى الحرب، هو فرصة لتخطي الخلافات السياسية كي لا تعيش الأجيال المقبلة تجربة الصراع والاقتتال أو تعاني من صدامات عنيفة، فنزرع رسالة سلام ومحبة على أن تعمم هذه الرسالة في اللقاءات السياسية لخلق جو حوار ونقاش جدي ضمن إطار المحبة وتؤسس لحلول على المستوى الوطني”.
وشارك في المباراة نواب من بعض الأحزاب وليس كلها وانتهت بخسارة الفريق النيابي أمام فريق الدفاع المدني. كما أعلن أبي رميا عن اقتراح قانون يرمي إلى تحديد 13 نيسان يوماً وطنياً للوحدة والسلام الأهلي والروح الرياضية من دون أن يُحتسب ضمن روزنامة العطل الرسمية.
وكي لا تتكرّر المأساة، دعا العضو المؤسس لتجمّع “اتحاديون” إلى تطبيق الفيدرالية، معتبراً أنه “بعد 48 سنة لكل قصته…4 شعوب وثقافات في بلد واحد”. أما الدكتورة منى فياض فرأت أن “التاريخ يعيد نفسه”، في تعليقها على آخر تطورات الجنوب بقولها “من فتح لاند إلى حماس لاند”.
وبعد كل ما تقدّم، تبقى شهادة المحارب السابق فادي شاماتي عِبرة للأجيال الحالية والمقبلة بقوله “في تسلسل أجيال الوطن، نحن من نُعرَف بـ”جيل الحرب”، الحرب الأهلية اللبنانية، التي انتزعتنا من دفء المنازل إلى صقيع الجبهات وجحيمها، وحرمتنا من حنان العائلة وأبعدتنا قسراً عن مقاعد الدراسة وبناء المستقبل، لنواجه الموت في ظروف قاسية وقاتلة حصدت منّا السنابل اليافعة: رفاق غابوا في التراب، وآخرون أعيقوا بعاهات جسدية ونفسية، والباقون، إما أحياء غزا الشيب رؤوسهم أو مهاجرون إلى أصقاع الدنيا”.
وأضاف شاماتي “قاتل كل منّا في سبيل لبنان الذي يريد ويشتهي. البعض أراد تغييره والآخر أراد بقاءه، قاتلنا وقُتلنا وفي الخلاصة. بقي الوطن ولكن ليس كما أردناه أن يكون. انتهت الحرب العسكرية في الوطن وعليه ولكنها استمرت بعناوين وأساليب مبطنة، والهواجس؟ مقلقة ما تغيّرت، بل زادت عما كانت عليها”.
وختم “بعد الحرب، لم يُسأل أو يُرو عما حصل لنا، نحن المقاومين المقاتلين، كيف أكملنا مسار حياتنا، وما حصل لنا في محيطنا ومع عائلاتنا وأحلامنا، مع لقمة العيش وأعباء الحياة. حُكي وكُتب فقط عما يُعرف بالقادة والكبار! اختزلوا التاريخ فبقي اسيراً لعصبيات يتغذوا منها وربما لذلك لم تُستخلص العِبر ونتذكرها دون أن نتعلّم”.