بيروت- “القدس العربي”: يرزح لبنان تحت وطأة العد العكسي لضربة اسرائيلية تهدد فيها قيادات تل أبيب ومنها ما ورد على لسان رئيس وزراء بنيامين نتنياهو الذي قال من مجدل شمس وهو يُطرَد من موقع سقوط الصاروخ “ردنا سيأتي وسيكون قاسياً”. وفي غياب أي تطمينات دولية حول حجم هذه الضربة ومكانها، أفاد البعض بأن تأخيرها سببه البحث عن هدف عسكري لا يؤدي إلى إشعال حرب واسعة إلا إذا طرأ ما ليس في الحسبان. وقد حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في اتصال مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون من أنه “إذا هاجم الكيان الصهيوني لبنان فسيرتكب خطأ كبيراً ستكون له عواقب وخيمة”.
وفي واشنطن، قال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي جون كيربي، الإثنين، إن إسرائيل لها كل الحق في الرد على حزب الله. لكنه أضاف أن الولايات المتحدة لا تعتقد بأن هذا الهجوم يجب أن يؤدي إلى تصعيد.
ومازال الكيان الإسرائيلي يصرّ على تحميل حزب الله مسؤولية صاروخ مجدل شمس رغم نفي الحزب لهذه الواقعة، واتهم المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي أمين عام الحزب حسن نصرالله بـ”الكذب على الجمهور اللبناني والعربي ومحاولة التملص من مسؤوليته”. وأضاف “الرد سيكون واضحاً وقوياً وسيستهدف حزب الله ونصر على إبعاده عن حدودنا وهذا هو الهدف الأكبر”، فيما توعّد وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت “بأن حزب الله سيدفع ثمناً وسنترك الأفعال تتحدث لا الأقوال”.
ووسط كل هذه الأجواء، واصل رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي اتصالاته الدبلوماسية المكثفة بعد التهديدات الإسرائيلية الأخيرة للبنان. وتلقى اتصالاً من وزير خارجية بريطانيا ديفيد لامي الذي “جدد دعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس منعاً للتصعيد”. كما دعا “إلى حل النزاعات سلمياً وعبر تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة”.
بلبلة ومواجهات
وفي ظل حالة الترقب والبلبلة والمخاوف التي أشاعتها بيانات شركات الطيران العالمية حول تعليق رحلاتها من وإلى مطار بيروت ودعوات سفارات بعض الدول رعاياها إلى مغادرة لبنان، استمرت المواجهات الجنوبية حيث شنّت مسيرة إسرائيلية، في وقت مبكر من صباح الإثنين، غارتَين استهدفتا سيارة ودراجة نارية، تباعاً، في محيط شقرا، ما أدى إلى سقوط شهيدين و3 جرحى بينهم طفل.
وقد نعى حزب الله “الشهيد عباس فادي حجازي “عباس الحر” مواليد عام 1995 من بلدة مجدل سلم، كما نعى الشهيد عباس محمد سلامي “زين العابدين” مواليد عام 1991 من بلدة خربة سلم وسكان بلدة شقرا.
وتوالت الغارات على حولا وكفرحمام وتعرضت أطراف عيترون لقصف مدفعي طال مركبا والأحياء السكنية جنوب وغرب بلدة ميس الجبل حيث اندلع حريق في محيط مكب النفايات بفعل قصف فوسفوري، وتسبب القصف على شبعا بإصابة 3 مدنيين في أحد المنازل. وقام جيش الاحتلال بعملية تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه بلدة كفركلا من مواقعه في مستعمرة المطلة. وقامت مسيّرة معادية عصراً باستهداف سيارة في بلدة كونين.
في المقابل، أعلن حزب الله أنه قصف موقع البغدادي الإسرائيلي بعشرات صواريخ الكاتيوشا. ورداً على الاعتداء والاغتيال الذي نفذه العدو الإسرائيلي في بلدة شقرا، استهدف مجاهدو المقاومة الإسلامية تموضعًا لجنود العدو في موقع الراهب بالصواريخ الموجهة. كما استهدفوا منظومة فنية تجسسية تم تثبيتها مؤخرًا في موقع المالكية.
وأوردت وسائل إعلام إسرائيلية سقوط 4 صواريخ في منطقة الجليل الأعلى قرب الحدود اللبنانية من دون انطلاق صفارات الإنذار، واندلعت حرائق كبيرة في الأحراج المحيطة بكريات شمونة بعد سقوط صواريخ في المنطقة. ودوّت صفارات الإنذار في “كفار جلعادي” خشية تسلل مسيّرات من الأراضي اللبنانية.
وكان الطيران الحربي والمسيّر أغار على بلدة مركبا بعد منتصف الليل، مستهدفاً منزلاً دون وقوع اصابات، وعلى بلدة رب ثلاثين فجراً قرب حسينية البلدة.
تعليق رحلات
في غضون ذلك، ووسط حال القلق السائدة، أعلنت مجموعة “لوفتهانزا” في بيان، أنها علقت رحلاتها الجوية إلى العاصمة اللبنانية بيروت حتى 30 تموز/يوليو بسبب الوضع الراهن في الشرق الأوسط. وقالت “إن الرحلات الجوية التابعة للمجموعة، وهي الخطوط الجوية الدولية السويسرية ويورو وينغز ولوفتهانزا جرى تعليقها “كإجراء احترازي”. لاحقاً، أعلنت “لوفتهانزا” تمديد التعليق حتى 5 آب/أغسطس المقبل. كذلك، أعلن الطيران السويسري تعليق رحلاته من وإلى بيروت، كذلك فعلت شركات طيران “إير فرانس” و”ترانسافيا” و”الملكية الأردنية”.
وأظهرت بيانات “فلايت رادار 24” أن “الخطوط الجوية التركية” ألغت رحلتين ليل الأحد. كما ألغت شركة “طيران صن إكسبرس” التركية للرحلات منخفضة التكاليف وشركة “إيه جيت” التابعة للخطوط الجوية التركية وشركة “طيران إيجه” اليونانية و”الخطوط الجوية الإثيوبية” وشركة طيران الشرق الأوسط رحلات كان من المقرر وصولها إلى بيروت الإثنين.
نصائح بمغادرة لبنان
توازياً، نصحت السفارة الأمريكية في بيروت رعاياها بمغادرة لبنان بأسرع وقت. ونشرت على منصة إكس” مقطع فيديو لمساعدة وزير الخارجية الأمريكية للشؤون القنصلية رينا بيتر قالت فيه “إن الرحلات التجارية المعتادة هي دائماً الخيار الأفضل، بينما مازالت وسائل التواصل والمواصلات والبنية التحتية سليمة وتعمل بشكل طبيعي، تأكدوا من صلاحية جوازات سفركم وفي حال لم يكن جواز سفركم صالحًا لأكثر من ستة أشهر الرجاء زيارة موقع السفارة الأمريكية في بيروت للحصول على موعد لتجديده. في حال لم تعد الرحلات التجارية متاحة، على الأشخاص الموجودين في لبنان التحضير لأخذ ملاجئ في أماكن تواجدهم لفترات طويلة”. وأضافت “إذا كان أقاربكم يخططون لزيارتكم في لبنان هذا الصيف، نأمل منكم تحفيزهم على إعادة النظر في سفرهم نظراً للصعوبات التي قد تعوق المغادرة في حال تزايد الصراع في المنطقة. إن التحضير أساسي في الاستعداد لأزمات وآمل أن تخصصوا بعض الوقت لمتابعة هذه الخطوات حتى نتمكن من الحفاظ على سلامتكم وسلامة عائلاتكم”.
من جانبها، قالت الخارجية الألمانية: “ننصح رعايانا بمغادرة لبنان بشكل عاجل”. وطلبت السعودية من مواطنيها “التقيد بقرار منع السفر إلى لبنان”، وحث وزير الخارجية الإيطالية رعايا بلاده على مغادرة لبنان. وذكّرت البحرين مواطنيها بعدم السفر إلى بيروت. وأعلنت قبرص أنها مستعدة لعمليات إجلاء من الشرق الأوسط إذا لزم الامر.
وتعليقاً على هذه المستجدات، سأل النائب وضاح الصادق عبر حسابه على “اكس”: “ما هو المنطق في عدم تشكيل لجنة طوارئ حكومية باجتماعات مفتوحة، وعدم دعوة مجلس النواب إلى اجتماع طارئ، والبلاد تشهد واحدة من اسوأ الأزمات في تاريخها. من يحكم هذه الغابة التي أوصلونا إليها؟”.
كذلك، دعا النائب ميشال ضاهر إلى إعلان حال الطوارئ، وكتب عبر منصة “اكس”: “يمرّ لبنان بأوقات عصيبة جداً. علينا التيقظ والحذر بموازاة استنفار كل الإمكانات لمواكبة التطورات. كما أدعو الرئيس ميقاتي والحكومة اللبنانية لاعلان حال طوارئ دبلوماسية والاستعانة بكل أصدقاء لبنان لضبط الأمور وتجنيب المنطقة الانزلاق إلى حرب شاملة لا تحمد عقباها”.
ضبط النفس
وفي سياق متابعة المستجدات الأمنية، بحث وزير الخارجية عبد الله بو حبيب مع المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين هينيس بلاسخارت في تطورات الأوضاع في الجنوب، وشدّد “على ضرورة ضبط النفس لتفادي حرب إقليمية ستكون تداعياتها كبيرة على المنطقة برمتها”، وكرّر “تمسك لبنان بالتطبيق الكامل للقرار 1701 كونه الحل الأمثل للأزمة في جنوب لبنان”.
وتلقى بو حبيب اتصالات من أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل، وكل من وزير خارجية إيطاليا انطونيو تاياني ووزير خارجية المملكة المغربية ناصر بوريطة ووزير خارجية مصر بدر عبد العاطي. كما تواصل إلكترونياً مع وزير خارجية هولندا كاسبار فيلدكامب حيث تمحور البحث حول سبل منع التصعيد في جنوب لبنان للحؤول دون تدهور الوضع والانزلاق إلى حرب إقليمية سيصعب احتواؤها. وشدد على “ان التطبيق الكامل للقرار 1701 من شأنه ان يضمن الاستقرار على الحدود بين لبنان وإسرائيل”.
واستقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، كبير مستشاري وزارة الدفاع البريطانية لشؤون الشرق الأوسط الأدميرال ادوارد اليغرين والوفد المرافق، في حضور السفير البريطاني في لبنان هايمش كاول حيث تم عرض للأوضاع في لبنان والمنطقة على ضوء مواصلة إسرائيل لعدوانها على لبنان وقطاع غزة .
تنبيه من الفتنة
وفي المواقف الداخلية، اكد مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان قبيل مغادرته إلى السعودية “أن فلسطين قضيتنا وشعبها إخوتنا ونصرة أهلنا في غزة واجب علينا، وما يرتكبه العدو الصهيوني المجرم من مجازر يومية في قطاع غزة من قتل وإبادة جماعية وتدمير ممنهج ينبغي ان يحاسب عليه من قبل مجلس الأمن والمحاكم الدولية”، مشيراً إلى “أن لبنان يتعرض لاعتداءات صهيونية مستمرة نخشى أن تتوسع وتؤدي إلى حرب إقليمية شاملة، مما يتطلب تعزيز وحدتنا الوطنية لمواجهة هذه التحديات الخطيرة”.
وأعلن” التيار الوطني الحر” في بيان،” تمسكه “بوحدة لبنان، وتضامنه الكامل مع جميع اللبنانيين في مواجهة أي عدوان إسرائيلي على الوطن ورفض التهديدات الإسرائيلية للانتقام الظالم من لبنان في أعقاب جريمة مجدل شمس التي اكد حزب الله عدم مسؤوليته عنها”.
وتوالت البيانات المشيدة بمواقف الزعيمين الدرزيين وليد جنبلاط وطلال أرسلان المنبّهين من الدسائس والفتنة. وأجرى الرئيس فؤاد السنيورة اتصالاً هاتفياً بجنبلاط معزياً بـ”الضحايا الأبرياء الذين سقطوا في مجزرة مجدل شمس في الجولان المحتل”، ومؤيداً “مواقفه الوطنية والحكيمة في هذا الخصوص”. وشدد على “أهمية تنبه الجميع للنوايا العدوانية التي تضمرها وتنفذها إسرائيل، وهي التي تتحين كل فرصة من أجل توسيع نطاق الحرب والعدوان على لبنان، واستمرار جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية”. واعتبر السنيورة أن “كشف الحقائق بشأن هذه المجزرة الرهيبة في مجدل شمس يكون عبر إجراء تحقيق مستقل من جهات تتمتع بالصدقية، وليس من قبل إسرائيل التي تحمل نوايا عدوانية تجاه لبنان وباقي الأطراف العربية”.