غنية هي التجارب الفنية والإبداعية التي خصت الفتاة السكندرية على وجه التحديد بصفات الجمال والرقة والإنسانية والرومانسية، وقد ظهرت آيات الإعجاب بالشخصية السكندرية عموماً في كثير من الأفلام والمُسلسلات ولوحات الفن التشكيلي، إذ ارتبط سحر البحر والمناخ بالإبداع الفني على اختلاف أشكاله وألوانه وبرزت بالطبع صورة الفتاة أو المرأة كأحد المكونات الرئيسية في جميع الأعمال الفنية اللافتة والمهمة.
وقد تجلت خصوصية الإبداع السكندري في هذا الجانب باعتباره تنويعاً على المزاج العام وكشفاً لقُدرات الفنان في التقاط ما يُميز مجتمعاً عن الآخر وشخصية عن الأخرى داخل المحيط الواحد وهو ما يُمكن وصفه بفلسفة الفن، كأن يُبدي الفنان رأيه في الفروق الشخصية بين الأشياء والشخصيات والعوالم عبر الريشة أو القلم أو التصوير الفوتوغرافي، بتحديد زوايا الرؤية ومنظورها لدى كل فنان لمعرفة ما يحسه وما يراه.
وكما هو معلوم تاريخياً بدأ الانتباه إلى الجمال الأنثوي والاهتمام بتجسيده في الحضارة المصرية القديمة قبل سبعة آلاف سنة، فما تم اكتشافه من منحوتات ورسومات على جُدران المعابد الفرعونية يؤكد مدى انسجام الحضارة القديمة مع فكرة الجمال ذاتها والانفعال بها، ومن ثم تصوير الملكات والوصيفات بأبدع الأشكال والمناظر. ولأن الجمال بالجمال يُذكر فقد اعتنى الرسامون والنحاتون بتصوير أدوات الزينة كونها مقرونة بجمال المرأة المصرية وبهائها.
ومع طفرات التقدم والتطور ظهر مفهوم الربط بين الجمال والبيئة المحيطة الداعمة له وبدت عمليات التحديد الجغرافي لمعالم الجمال والخصوصية في الأماكن الأكثر هدوءا كمدينة الإسكندرية وبالتبعية ظهرت ألوان الفنون العصرية كالسينما والدراما لتحتل مكانة بارزه في التعبير عن الجمال الإنساني والجمال المادي على حد سواء، وبطبيعة الحال جاءت المرأة في أولويات الرؤية السينمائية وفي القلب منها كانت المرأة السكندرية لما تتميز به من الدلال والخفة والروح المرحة.
ومن بين الأفلام التي أشارت بشكل مباشر لهذه الخصائص فيلم «بنات بحري» للمخرج حسن الصيفي وبطولة آمال فريد وماهر العطار والذي أنتج عام 1960 ودارت أحداثة في إطار رومانسي بين المطرب ماهر العطار وإحدى الراقصات الحسناوات.
أما الفيلم الآخر الذي تناول شخصية الفتاة السكندرية فهو فيلم «السمان والخريف» بطولة نادية لطفي ومحمود مرسي وإخراج حسام الدين مصطفى، والمأخوذ عن رواية بنفس العنوان للأديب العالمي الكبير نجيب محفوظ، وقد تم إنتاجه في عام 1967 واستعرضت أحداثه تفاصيل قصة حُب نشأت بين فتاة فقيرة ورجل يكبرها بعدة سنوات وأسفرت العلاقة بينهما عن ميلاد طفلة جميلة دارت حولها الأحداث في النصف الثاني من الفيلم.
ويعود الاستشهاد بهذا الفيلم تحديداً كونه اعتنى بالربط بين مدينة الإسكندرية وشخصية البطلة وقصة الحُب غير المُتكافئ بينها وبين البطل.
وكذلك قدم المخرج الكبير داود عبد السيد من خلال فيلمه «رسائل البحر» لوحة تشكيلية بالغة الحساسية والرقة عن وقائع قصة رومانسية تشكلت تفاصيلها في مدينة الإسكندرية بين البطلين بسمة وآسر يسن في جو من الغموض والإثارة الذهنية الدافعة للتفكير والتأمل، وكالعادة برزت صورة الإسكندرية بجمالها المعهود وطقسها المُحرض على الإبداع برغم أن الحكاية الرومانسية بين الحبيبين لم تستهدف ذلك وإنما أخذت أبعاداً مُختلفة ومُغايرة.
ولا يُمكن أن نستعرض الأفلام التي طرحت مفاهيم رومانسية وربطت بين الحُب والجمال وبين مدينة الإسكندرية بدون ذكر الفيلم الأهم شعبياً وجماهيرياً «أبي فوق الشجرة» بطولة نجم الغناء العربي عبد الحليم حافظ وميرفت أمين وقصة إحسان عبد القدوس. فهذا الفيلم حقق أعلى الإيرادات في شباك التذاكر إبان عرضه الأول عام 1969 حيث أخرجه حسين كمال وكتب له السيناريو سعد وهبه ودارت أحداثة في الإسكندرية وغنى عبد الحليم أجمل أغانية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط مُداعباً جمال البطلة في ترجمة مهمة لقصة عاطفية كانت بطلتها الرئيسية هي الفتاة الرقيقة طالبة الجامعة ميرفت أمين.
ومن جانبه وثق المخرج الكبير يوسف شاهين اسم الإسكندرية في أكثر من فيلم مُدللاً على حُبه وارتباطه بها، فهناك عناوين صريحة لهذا المعنى حملتها أفلامه «إسكندرية ليه» و«إسكندرية كمان وكمان» و«إسكندرية نيويورك» وفي كل فيلم كانت فتنته بالجمال والمكان والزمان واضحة كل الوضوح.
وفي الأعمال الدرامية أيضاً تم تناول الأحداث بالكيفية الدالة على الانتماء والحُب لمدينة الإسكندرية، فقد كتب الروائي السكندري إبراهيم عبد المجيد روايته المعروفة «لا أحد ينام» في الإسكندرية والتي تحولت فيما بعد إلى مُسلسل تلفزيوني، غير أنه كتب رواية «صياد اليمام» وتم تحويلها لفيلم، أما الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة فقد كان مُغرماً بمدينة الفن والجمال فكتب مسلسل «الراية البيضاء» و«عفاريت السياله» و«زيزينيا» ثلاثة أعمال بارزة ومهمة في إنتاجه الإبداعي، وبالقطع التفت عكاشة لجمال الفتاة السكندرية بطريقته الخاصة فعبر عنه تعبيراً إنسانياً خالصاً وعمق الإحساس به.
ويأتي الفن التشكيلي في هذا الصدد كمرجعية أساسية، فالفنان التشكيلي الرائد محمود سعيد أبدع لوحته التشكيلية «بنات بحري» عام 1937 لتكون علامة قوية ووثيقة تُثبت عنايته بالجمال التلقائي والبيئة الشعبية وأجوائها الإبداعية.
ومن هنا اجتمعت كل الآراء الفنية أو معظمها على خصوصية الواقع السكندري بشخصياته وأذواقه وصورة.