تتزايد في هذه المرحلة طروحات إنشاء دولة فلسطينية ـ إسرائيلية واحدة كحل للقضية الفلسطينية المستعصية الحلول والشاغلة للعالم العربي والعالم برمته منذ سبعين عاماً.
ومعظم هذه الطروحات يأتي من مفكرين عالميين صادقي النيات ولكنهم لا يعتقدون بأن حلّ الدولتين سينجح أو أنه قابل للتطبيق لسبب أو لآخر.
إلا ان كتاباً صدر مؤخراً للكاتب والصحافي البريطاني بن وايت (الذي ينشر مقالاته في صحيفتي “الغارديان” و”الاندبندنت” البريطانيتين ويظهر في تلفزيونات عالمية فضائية من وقت إلى آخر) طرح نظرية قائلة إن حلّ الدولة الواحدة مُطبّق حاليا ولكن بإجحاف وعنصرية تجاه الفلسطينيين. فالحكومة الإسرائيلية الليكودية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو تطبقه خصوصاً في الضفة الغربية، ومن خلال عمليات الاستيطان المكثفة هناك فيما هي تحاصر قطاع غزة وتسعى إلى إنشاء شبه دولة في هذا القطاع تابعة لها في ما سُمّي “صفقة القرن” التي يدعمها النظام الأمريكي الحالي ويروج لها.
ويقول وايت في كتابه ان دولة التفرقة العنصرية بقيادة النظام الإسرائيلي موجودة حاليا بالفعل على الأرض في مجمل فلسطين والمطلوب استبدالها وإنشاء دولة ديمقراطية يتساوى فيها الشعبان الفلسطيني واليهودي في الحقوق والواجبات، وأن إنشاء مثل هذه الدولة ليس أمراً مستحيلاً.
ويحاول في الفصل الأخير تقديم بعض الوقائع التي تدعم موقفه في هذا المجال وفي ما يسميه “القضاء على الاستعمار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية الذي لا يمكن ان يبقى في المستقبل إلى اللانهاية”. (ص128).
ويعترف المؤلف بأن من غير الواقعي طرح أي نظرية تقول بأن النظام الأمريكي الحالي بقيادة الرئيس دونالد ترامب سيمارس ضغوطا قوية على الحكومة الإسرائيلية لتغير سياساتها. وأكثر ما سيفعله هو القيام بمبادرات اقتصادية رمزية لإرضاء الجهات المعترضة على مشاريع إسرائيل.
ويؤكد أن من مصلحة الفلسطينيين والإسرائيليين نشوء دولة ديمقراطية يتساوى فيها الشعبان ويتاح فيها للفلسطينيين والإسرائيليين التنقل والتعايش في هذه الدولة من دون أن يمارس أحدهما “الكولنيالية” (الاستعمار) على الآخر. وينبه بأن على الفلسطينيين إقناع الأكثرية الساحقة من يهود إسرائيل التي تعارض حل الدولة الديمقراطية الواحدة وحل الدولتين المستقلتين أيضا في حال تحقق أي من هذين الحلين فأنه لن يكون من المسموح ممارسة الديكتاتورية كما في معظم أنظمة الشرق الأوسط حاليا بما في ذلك إسرائيل، وأن فحوى وقيم الدستور الأساسي لمشروع الحل يجب أن يكون “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة والذي يركز على تعايش الأفراد والمجموعات والأديان واحترام حقوق الأقليات الدينية والإثنية والسياسية ومعاملة الجميع بالمساواة.
المؤسف، حسب قول وايت، ان دراسة أجريت في شباط/فبراير 2017 أظهرت ان 18.7 في المئة فقط من اليهود الإسرائيليين يؤيدون حل الدولة الديمقراطية الواحدة، بما يعني أن حوالي ثمانين في المئة يعارضونه. وسبب ذلك في رأيه أن أكثرية سكان إسرائيل من اليهود مرتاحة للوضع القائم في إسرائيل والذي يرجح كفة اليهود والمستوطنين ويسهل استمرار سيطرتهم. وبالمقارنة، فان الدراسة نفسها أظهرت ان 36.2 في المئة فقط من سكان الضفة الغربية وغزة من الفلسطينيين يدعمون حل الدولة الواحدة. ولكن نسبة هؤلاء، سترتفع إلى حوالي الثلثين إذا أضيف إلى العينة الفلسطينيين المقيمين داخل إسرائيل (خارج الضفة وغزة) وفي الخارج (الدول العربية ودول العالم).
وحتى الساعة، لا توجد عملية لإحصاء هذه الآراء (ص136). ويتساءل وايت قائلا إذا لم ينجح الإسرائيليون والفلسطينيون بعد هذه السنوات الطويلة في التوصل إلى حل الدولتين، فقد يظن البعض أن من الأصعب الوصول إلى حل الدولة الديمقراطية الواحدة، ولكن إذا أقنع قادة والسكان الفلسطينيين الشعب اليهودي الإسرائيلي بان مطالبتهم بإزالة الهيمنة والإجحاف والتفرقة العنصرية الإسرائيلية ضدهم لا تعني رفضهم المساواة في الحقوق والواجبات مع السكان اليهود، فقد تكون فرص نجاح الدولة الديمقراطية الواحدة أفضل. وقد أطلق بعض قادة الفلسطينيين (من خارج قيادات والفصائل الفلسطينية البارزة) مثل هذه الدعوات، كما أطلقتها مجموعات يهودية شبابية تزداد شعبيتها بين يهود أمريكا وقد تؤثر إيجابا على الرأي العام الأمريكي.
ويتحدث وايت في الصفحة 142 عن شرخ كبير بدأ يتسع بين مواقف القيادة الإسرائيلية الحالية وبين يهود أمريكا.
ويستشهد بقول لمنسق المجموعات الأمريكية الشبابية الجامعية اليهودية بن لوربر، قائد “جماعة صوت السلام” في جامعات الولايات المتحدة، الذي قال: ان سياسة الحكومة الأمريكية الحالية التي تؤمن بتفوق أبناء الجنس الأبيض الأمريكيين وغلاة قوميي اليمين الأمريكي والداعية إلى استمرار التمييز العنصري في أمريكا وفي فلسطين/إسرائيل هي إلى زوال. وبربرية نظام نتنياهو وحلفائه المتطرفين في أمريكا ستؤدي إلى المزيد من الشرخ بين إسرائيل وأكثرية السكان اليهود في أمريكا (ص142). وهذا التطور يرى فيه وايت “التصدع والتشقق في جدار العنصرية الإسرائيلي” وهو ما اختاره عنوانا لكتابه. ويذكر مواقف أخرى تؤيد موقف بن لوربر صادرة عن كبار الشخصيات اليهودية المثقفة في أمريكا. ويذكر وايت في هذا المجال ما أشار إليه المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد منذ عقدين من الزمن بأن المفاوضات العقيمة بين القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية قد تشكل عائقا أمام المصالحة والتعايش بين الشعبين الفلسطيني واليهودي وتمنع توصلهما إلى دولة ديمقراطية واحدة.
ويعتبر المؤلف أن أحد العوائق الرئيسية لصعوبة حل المعضلة الفلسطينية ـ الإسرائيلية هي ان غلاة الصهيونية في القيادة الليكودية الحالية تعتبر الضفة الغربية شأنها شأن باقي فلسطين أرضا إسرائيلية يملكها الإسرائيليون وحدهم، حسب ما تشير إليه كتبهم الدينية وبعض الكتب الدينية الأخرى، وانه مهما حاول الفلسطينيون وقادتهم المطالبة بإعادة مناطق إلى سلطتهم فهذا ليس من حقهم لأنهم لم يولدوا يهوداً!(ص127).
ومع ان بعض كبار قادة إسرائيل الحاليين والسابقين لا يعلنون هذا الموقف للملأ والعالم، فانهم قد يعتنقونه أو يقتربون منه في الخفاء، حسب الكاتب.
وبالتالي، أدى ذلك إلى استمرار ممارستهم للعنصرية واحتلال الأراضي والاستيطان في السنوات السبعين الماضية من دون أي رادع (ص128).
وفي الفصل الأول من الكتاب يقول الكاتب ان القيادة الإسرائيلية الحالية تعتبر ما ورد في الكتب الدينية التي تعتنقها يتجاوز قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي صدرت في الأعوام الخمسين الماضية ونصت على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، وان عدد المستوطنين في الضفة الغربية تجاوز الأربعمئة ألف، وفي القدس الشرقية وصل إلى حوالي مئتي ألف، ما يعني ان أعداد المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة ازدادت حوالي الضعف عن السابق لدى توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 وأن إسرائيل تستمر في سن القوانين الجديدة لتوسع الاستيطان جغرافيا وتكثيفه عدديا وممارسة الضغوط على الفلسطينيين في جميع المناطق متجاهلة ما ورد في اتفاقيات أوسلو. ويريد سياسيون إسرائيليون سن تشريعات جديدة تشرعن الاستيلاء الإسرائيلي على مجمل الضفة الغربية. وهذا ما يسميه مؤلف الكتاب: “التسلل أو الزحف الاستيطاني” (ص19). ومثل هذا التسلل مورس بشكل واضح، في الأشهر الأولى من عام 2017 (أي بعد تسلم الإدارة الأمريكية الجديدة السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية) مما “وجه طعنه قاتلة لحل الدولتين” (ص20).
ويتساءل في ما إذا كانت مثل هذه الطعنة قاتلة بالفعل وإذا كان احتلال إسرائيل للضفة الغربية قد أصبح أمرا واقعا برغم عدم اعتراف قادة إسرائيل علنا بهذا الأمر لتجنب إغضاب الرأي العام العالمي ولتفادي وصم شعوب العالم لإسرائيل بالدولة العنصرية واتهامها بإنشاء دولة “الابارتيد” الواحدة الشبيهة بدولة جنوب افريقيا قبل تحريرها.
ويستخدم الكاتب تلك الدولة السابقة في جنوب افريقيا للتأكيد بأنه كما تحررت من العنصرية فبالإمكان تحرير فلسطين من نظام إسرائيل العنصري وإنشاء الدولة الديمقراطية المشتركة الواحدة.
ويشير إلى أن المفاوضات العربية والفلسطينية مع إسرائيل منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن ساهمت في منح قياداتها فرصة إنشاء دولة “ابارتيد” وفي إيهام القيادات الفلسطينية بأن مثل هذه المفاوضات ستؤدي إلى حصول الفلسطينيين على حقوقهم، فيما اعتقد اسحق شامير في الثمانينيات وبنيامين نتنياهو حاليا بأن إسرائيل انتصرت واستخدمتها للاستيلاء على الضفة الغربية والقدس الشرقية ووضعها تحت سلطتها، وهي الآن كما في أيام آرييل شارون تحاول تقديم غزة المحاصرة والمنكوبة اقتصاديا بديلا عن الدولة الفلسطينية خلافا لما نصت علية الاتفاقيات الدولية. وتحاول أمريكا وحلفاؤها تقديم “شبه الدولة” هذه لفلسطين المستقبل في “صفقة القرن”.
ويعود استعداد إسرائيل التخلي عن السيطرة على قطاع غزة في هذا القالب من عملية السلام إلى خوفها من ضخامة عدد سكانها (الذي يزيد عن المليونين) وصعوبة الاستيلاء على هذا القطاع في عملية “التسلل الاستيطاني” حسب وايت، ولكن وفي جميع الأحوال ستسعى إسرائيل إلى ضبط تسلح الغزاويين، فيما سيسعى سكان غزة كما سكان الضفة والقدس ومؤيدو القضية الفلسطينية في العالم إلى استمرار المقاومة بشتى الوسائل المتاحة لهم فيما يستمر الشرخ بين متطرفي الدولة الإسرائيلية، من جهة، وبين الليبراليين اليهود في العالم (وخصوصا الشباب بينهم) من جهة أخرى الذين يعارضون طروحات السلام الحالية المجحفة وغير العادلة.
Ben White: Cracks in the wall, Beyound Apartheid in Palestine / Israel.
Pluto Press, London 2018
208 Pages.