بيروت-“القدس العربي”: يثابر المخرج بهيج حجيج، بهدوء في إعداد أفلامه الروائية، وجديده في الصالات “غود مورنينغ” متميز بسيناريو مُكثف ومتماسك. من خلاله يصوب في أكثر من اتجاه. في هذا الفيلم دمار يتسلل إلى البشر مستهدفاً خلايا الدماغ والمفاصل، وآخر ذاكرة المدينة ونظامها العام، إلى مظاهر واقعية تُشعر المتفرج بأنه يرى حقيقة ما يعيشه كيفما حلّ في هذه المدينة، إنما بتكثيف فني. لغة حجيج السينمائية مقتضبة، يبحث عن التعبير أكثر من الكلام كما في اختياره الممثل رودريغ سليمان، الذي يجيد في صمته البليغ ما يجيده بنطقه وأكثر. كذلك كافة أبطال “غود مورنينغ” تعبيرهم داخلي وكلامهم محدود. إنه فيلم ذو لغة بليغة حقاً.
حجيج ميال للغموض، في باكورته الروائية “زنار النار” 2004 وفي “شتي يا دني” 2010 هو دائم البحث عن مشاعر البشر في ظروف شتى. معه هذا الحوار:
*”غود مورنينغ” ينساب بهدوء وسكينة. فما الذي يؤرق نهايات العمر إذا؟
** رغم كون الفيلم ليس عن نهايات العمر، التي تحدث كثيرون عنها. قرأت أن الممثل ريتشارد غير قال: يجب أن تفرحوا لأنكم كبرتم، فهذا ليس لكل من ولدوا. وقال شارل ديغول: الكبر هو غرق. كما وصف أحدهم الشيخوخة بأنها وداع طويل. “غود مورنينغ” يوميات مسنين عولجت بإيجابية. المسنان مرحان فيما بينهما، ومع الآخرين، مرتاحان اجتماعياً، ولكل منهما سائق سيارة. وكل يوم جديد يرونه هدية. الأولوية في حياتهما للحفاظ على ذاكرتهما، وهو الهوس الذي يشغل أغلب من تخطوا عمر الخمسين.
*هل هي ذاكرة المسنين أم أبعد منها؟
** بل هي الذاكرة الفردية والجماعية. فأكثريتنا شعب مجبر على نسيان الذاكرة. فمن يتجرأ على تناول موضوع الحرب في السينما؟ هو نوع من الإكراه على نكران الماضي. أوليت الذاكرة أهمية في أفلامي الوثائقية التي تناولت المخطوفين وغيرهم. نص “غود مورنينغ” للروائي رشيد الضعيف استوحاه من مراقبته للمسنين في المقاهي.
*اخترت مكاناً ثابتاً للتصوير هو المقهى، ومنه مفترق طرق ومبنى قيد الهدم. ما هو الخيط الذي يربط الثلاثي؟
** للفيلم ثلاث مساحات في مساحة واحدة، أولها المقهى الذي لا تغادره الكاميرا. مساحة الطريق التي نراها من خلال واجهة المقهى، وورشة الهدم من ضمن الخارج. وثمة مساحة أخرى في المقهى تتمثل بشاشة التلفزيون المفتوحة. والمساحة الداخلية تجمع رواد المقهى والمسن الذي يروي النكت. وهي مساحة في مثابة مصغّر اجتماعي، أردته بصورة بعض مقاهي بيروت التي يرتادها من لهم شهرة فن أو إعلام ومكانة. يمثل الخارج التناقضات اليومية التي نراها. إنها مركبة لكنها تُرى من خلال الواجهة العريضة للمقهى. ورشة الهدم كانت بنت الصدفة ومصدر ازعاج رهيب، ودخلت في السياق.
*لماذا رجلان في العمر الثالث وليسا سيدتين؟
** نسبة السيدات مرتادات المقاهي في الشرق أقل. الرجال شغوفون بمغادرة البيت في هذا العمر. تصبح صداقاتهم ربما في مستوى علاقاتهم الزوجية. المسنّان في الفيلم يفهم أحدهما الآخر بالإشارة بعد معرفة تخطت الـ30 سنة. أما نظرتهما لزوجتيهما فتمثل نموذجاً اجتماعياً موجوداً في شرقنا. لكن الطبيب يتحدث بأسى وحنان عن حال زوجته الصحي. بخلاف الجنرال الذي أمر العسكر في حياته المهنية بخلاف علاقته مع زوجته.
*ما الذي سيختلف لو اخترت سيدتين؟
** فيلم “شتي يا دني” يجمع أربع نساء نجمات في المهنة جوليا قصّار، وكارمن لبس، وبرناديت حديب وديامان عبود، مقابل ممثل أساسي هو حسان مراد. أهتم بالعمل مع نساء. لو كنّ سيدتين لأختلف الموقع. فنادراً ما نرى سيدتين تحلان الكلمات المتقاطعة في مقهى. لم نلاحظ سيدتين تحتلان مقهى كما حدث مع المسنين. لو تبدل البطلان لفرضت الخصوصية النسائية نفسها، وربما كان الاجتهاد أكبر للحصول على نتيجة أفضل. في مخيلتي سيناريو للعمل مع ممثلات فقط. صداقتي واحترامي كبيرين للكثير من الممثلات اللبنانيات جوليا قصار، وبرناديت حديب وندى ابو فرحات. حلمي فيلم مع نساء فقط.
*عبّر الرجلان عن فانتازيات ترافقت مع مرور الصبايا في الشارع. هل اخترت مرورهن لإحياء ذاكرة الجسد؟
**كتبت النص مع صاحبه رشيد الضعيف، ووضعت منفرداً الرؤيا السينمائية. صحيح، عندما تمر الصبية المرتدية للثوب القصير نسمع “ليت الشباب يعود يوماً”. فالمرأة الجميلة لحضورها رونقه الخاص.
*الكلمات المتقاطعة أساس في كل صباح لحصار مرض النسيان. لماذا غابت الرياضة عن نصك كعلاج للمفاصل؟
**يضحك ويقول: لسنا بصدد درس في الـ”فيزيو ثيرابي”. نحن حيال شخصيتين، الطبيب صاحب المشي المتهادي، والجنرال ذو الصحة الجيدة مترافقة مع نسيان ظاهر. نعم الطبيب يقع، لكنه يحتفظ بعقل يقظ. فنقاط الضعف في المسن إما ثقل الحركة، أو النسيان. في درامارتوجي الفيلم هو واقع محفز، فالأكشن يقوم به الجنرال والطبيب يلازم مقعده، إضافة للحوارات فيما بينهما. جملهما تختصر حال مجتمع من خلال إشارات راحت نحو الإرهاب، النازحين، الصلاة، الحجاب وغيره. مسنان يعيشان بين الماضي والحاضر عبر المقارنات.
* مثل الحكيم ضابط إيقاع لحركة الجنرال. هل في ذلك دلالة ما؟
** هو وعي الطبيب ورأسه الذي يعمل بشكل جيد. أما الجنرال فله طبع “يفلت” منه، يحب الناس أو الآخر ويتمظهر ذلك بالحديث مع نزلاء المقهى ورواية النكت لهم. لكنه يتخطى الحدود، وهنا دور الحكيم في لفته إلى أنه يزعج الآخرين بالقول “عم تزيدا”. نعم هو يشبه ضابط الإيقاع، يدافع عن صديقه ويحميه، ويصارحه “هيدا مرض ما بيسوى”.
*المشاهد التي وصلتنا من الشارع كانت بالغة الدلالة ولا تقل أهمية عن دور البطلين في الفيلم. لأي هدف وجدت؟
** هو نقل للواقع عبر إشارات كما سبق القول. وبشكل خاص التجاوزات على الحق العام. إلى هرب ماسح الأحذية من الشرطة، وغيرها من القصص الطريفة. جميعها إشارات مقتضبة تجنباً للمبالغة.
*”ضمير الكون مش مرتاح” و “لا يمنع حذر من قدر” وغيرهما من تقاطعات بليغة. هل هي تعويض من قلة الكلام؟
** تفسير الجملة الأولى يحتاج فيلماً متكاملاً. يكفي ورودها لتمس الناس. وردت الجملة عندما ردد المسن أن نومه قليل مستنتجاً “قولك ضميري مش مرتاح”؟ يقفل الشاب الصحافي كمبيوتره وينظر إليه ويقول “ضمير الكون مش مرتاح”. هو رد يتضمن مواساة. رشيد الضعيف ماهر في الحوارات.
*هل من إيجابيات وسلبيات للتصوير في مكان واحد؟
** منذ فيلم “شتي يا دني” في 2011 وحتى الآن سبع سنوات كتبت سيناريوهين، ولم أتمكن من إيجاد منتج لأي منهما. صعوبات الإنتاج تلف العالم وتتضاعف في لبنان لعدم وجود الدعم، سوى الرمزي جداً من وزارة الثقافة. فأفلام المؤلف تحتاج لدعم من وزارات الثقافة كما في دول المغرب العربي أو فرنسا. وضعت السيناريوهين في الدرج إلى أن جاء نص الصديق رشيد الضعيف المكتوب في الأساس للسينما. بقراءة النص وجدته ذكياً، غنياً ورؤياه تتطابق مع رؤيتي الخاصة. وإلى ذلك وجدت فيه إمكانية إنتاج متاحة. ترددت بداية، فالرهان على تصوير فيلم في مكان واحد صعب مع العلم أن كبار المخرجين خاضوا هذه التجربة. التصوير في مكان واحد يحتاج لسيناريو متين وغني. ركب الإنتاج بالتدريج، والمفاجأة السارة الأولى كانت الدعم المحترم من مؤسسة آفاق. المكان الأوحد يختصر المصاريف لجهة التنقلات وغيرها، والسيناريو المتين يدعم هذا التوجه الفني. وهكذا خضنا التحدي ولم يمل المتفرج أو يشعر بالتكرار. في تلك المساحة الصغيرة المفتوحة باتساع على الخارج، تداخل الخارج والداخل ضمن مساحة واحدة ومنح الفيلم جمالية خاصة. والتحية الخاصة هي لمدير التصوير ميلاد طوق ودوره المميز بلعبة الإضاءة، والتنسيق ما بين الخارج والداخل. من جهتي رأيت بوجود الممثل ضمن مساحة واحدة فرصة للتعبير بشكل أكبر. ومن هنا كانت مهمة اختيار الممثلين دقيقة وصعبة.
*هل ترددت بخصوص أي من الممثلين؟
** بلى. استغرق اكتشاف الممثل الراحل عادل شاهين وقتاً، فهو اعتزل منذ سنوات كممثل مسرحي، وكذلك من مهماته كأستاذ ومدير لمعهد الفنون. لم يخطر في بالي لأنه ليس في الصورة. صدفة شاهدته ممثلاً في فيلم قصير لطالبة من معهد الفنون. عندها قررت هذا الذي أريده، فالشخصية التي أعرفه فيها قريبة من شخصية الجنرال المرح، المتحرك والطريف، كان في عمر الـ76 رحمه الله، فهو توفي قبل افتتاح الفيلم.
*وماذا عن خيار غبريال يمين؟
** كانت المشكلة في إيجاد ممثل ينسجم مع عادل شاهين. وهكذا لعب غبريال يمين، دوراً أكبر منه بـ20 سنة. العامل المساعد في اختياره تمثل في خسارة ملحوظة من وزنه، أضفنا إليها بعض الماكياج فتناسب مع عادل شاهين. لم يكونا على معرفة، وعندما تركتهما معاً وراقبتهما من بعيد وجدتهما يمزحان ويضحكان وكأنهما رفاق عمر. وبعد التصوير أخبرني غبريال يمين، بأن اللقاء مع عادل شاهين كان الأجمل في هذا الفيلم. كانا مساندين أحدهما للآخر. أحدهم يربت على كتف الآخر، الذي بدوره يغني لرفيقه طارداً عنه الزعل. التفاعل بين الشخصيتين كان رائعاً في الفيلم. رودريغ سليمان تحت نظري منذ زمن في كل أفلامه، أحب الاختزال في تمثيله. فدوره عبارة عن حضور. والصبية طالبة في معهد الفنون، راقبتها في أفلام الطلاب. جديتها وحضورها الطبيعي مميزان.
*ماذا عن مشاركة “غود مورنينغ” في المهرجانات؟
** في هذا الشهر مشاركة في مهرجان سينما المؤلف في الرباط، وفي مهرجان القاهرة الدولي. والمشاركتان في المسابقة الرسمية. وثمة مهرجانات أخرى لاحقة.
*”شتي يا دني” نال العديد من الجوائز هل تتوقعها لـ”غود مورنينغ”؟
** “شتي يا دني” حصد 13 جائزة، وليس لي التوقع بالنسبة لـ”غود مورنينغ”. لكنه فيلم سيحقق حضوراً في المهرجانات. فمن المعروف أن اعتبارات غير فنية تدخل في منح الجوائز في المهرجانات.
*وماذا عن الموسيقى التصويرية التي كتبها وسام حجيج؟
** درس وسام الموسيقى في فرنسا منذ كان في عمر الثماني سنوات. ثم درس التأليف الموسيقي، وتوجه نحو الموسيقى التصويرية للأفلام بشكل خاص. وهذا ما يقوم به في باريس. كتب موسيقى فيلم “شتي يا دني” وكان التعاون مجدداً في “غود مورنينغ”. وأنا أفخر بموسيقى ابني.