كيف يتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراراته الرئاسية، وإلى نصائح أي جهة يستمع، ولماذا يقرر التخلي عن كبار مساعديه بسرعة؟
هذه بعض الأسئلة التي طرحها كتاب “خوف” للكاتب والصحافي الأمريكي البارز بوب وودورد، الذي عمل في الصحافة الأمريكية والتأليف لحوالي النصف قرن وحاز جوائز عديدة على كتبه ومقالاته حول مواضيع سياسية مختلفة بينها عن فضيحة “ووترغيت” التي أطاحت بالرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون وعن هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن وأمور أخرى.

صحيح ان الكتاب صدرَ العام الماضي وأن بعض الأحداث الواردة فيه قد تجاوزها الزمن بسبب التطورات والأحداث المتلاحقة الجديدة بعد صدور الكتاب، إلا أن المهم في الموضوع أن ترامب ما زال يتصرف كما خلال حملته الانتخابية عام 2016 وبعد انتخابه رئيسا وتسلمه مهامه في مطلع عام 2017 وأن لوودورد علاقات متينة وقوية ببعض الشخصيات التي أحاطت بالرئيس في الحقب المختلفة وبينها شخصيات كانت فاعلة ولكنها خسرت مناصبها نتيجة لشخصية ترامب الانفعالية وقراراته المتبدلة، علماً ان الكاتب قابل عدداً من هذه الشخصيات واستقى معلوماته منها.
لعل من قرارات ترامب الأكثر أهمية في بداية عهده كان قرار تعيين ريكس تيلرسون وزيراً للخارجية والجنرال جيمس ماتيس وزيراً للدفاع ثم خلافه معهما ومن ثم إصداره قراراً بإقالة تيلرسون ودفعه ماتيس إلى الاستقالة من بعده.
يذكر وودورد في الفصل السادس أن القائد العسكري جاك كين، المستشار السابق لنائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني (الرجل القوي في عهد الرئيس جورج بوش الأبن) هو الذي نصح ترامب باختيار ماتيس وزيراً للدفاع، علماً أن الرئيس السابق باراك أوباما كان قد أقال ماتيس من منصبه السابق كقائد لقوات “المارينز” الأمريكية في أفغانستان بسبب “صقوريته” وتحمسه للانتقام من إيران بسبب تحميله المسؤولية للجمهورية الإسلامية في عملية قتل 241 من أفراد قوات المارينز في بيروت في هجوم نظمته ونفذه استشهادي تابع لإيران (برأيه) عام 1983 (ص51 ـ 52). واعتبر ماتيس آنذاك ان إيران تشكل الخطر الأكبر على مصالح أمريكا في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وبسبب ذلك، خشي وزير الدفاع في عهد أوباما ليون بانيتا أن ينفّذ ماتيس رغباته ويهاجم إيران فأقاله من منصبه بايعاز من أوباما في آذار/مارس 2013. وهذه الوقائع رجحت كفته لدى ترامب الذي يعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عدوه الأول في هذه المرحلة.
أما تعيين تيلرسون، المسؤول السابق الأول في شركة “إكسون موبل” النفطية الأمريكية البارزة في موقع وزير الخارجية فأتى بنصيحة لترامب من مسؤولين أمريكيين عُرفا باعتدالهما النسبي في معالجة القضايا العربية والإسلامية حفاظا على مصالح أمريكا النفطية في المنطقة، وهما وزير الخارجية السابق في عهد جورج بوش الأب جيمس بيكر، ووزير الدفاع السابق روبرت غيتس. وقد وافق ترامب على هذه النصيحة في كانون الأول/ديسمبر 2016.
أي أن ترامب (وفي بداية عهده الرئاسي) استمع إلى النصائح وعيّن شخصاً من لوبي الدفاع واستخدام الأسلحة للدفاع وآخر من لوبي النفط للخارجية، أي في أهم منصبين في إدارته.
بيد أن الرئيس الأمريكي اختار العسكري السابق هيربرت ماكماستر كمستشار للأمن القومي على حساب المستشار الحالي جون بولتون الذي كان الخيار الثاني للمنصب لأن ماضي ماكماستر العسكري كان أقرب إلى قلب ترامب من “صقورية” بولتون الأيديولوجية السياسية ولانتماء بولتون إلى المحافظين الجدد المتشددين في عهد جورج بوش الأبن (ص 87، الفصل الحادي عشر). كما أن صهر ترامب جاريد كوشنر (زوج ابنته المفضلة ايفانكا) كان آنذاك يفضل ماكماستر علماً أنه كان وما زال مستشار ترامب الأقرب.
ودور جاريد كوشنر في قرارات ترامب بالنسبة إلى إسرائيل والقضية الفلسطينية والقضايا العربية عموماً ما زال رئيسياً، حسب المؤلف.
ففي الفصل الرابع عشر، يقول وودورد أن كوشنر نسق مع مدير شؤون الشرق الأوسط في “وكالة الأمن القومي” ديريك هارفي لتوفير معلومات لترامب عن نشاطات “حزب الله” وعلاقته بمجموعة “حراس الثورة الإيرانية” (فيلق القدس) في عمليات جرت وتجري في لبنان وسوريا والعراق والمنطقة عموماً، علماً أن هارفي عُين في منصبه في شباط/فبراير 2017 وأصبح حليف كوشنر الوثيق (ص 108 و109).
أما وزير الخارجية الحالي مايك بومبيو فكان آنذاك مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وعلى علم بمشاورات ووثائق هارفي وكوشنر، بينما تحفظ ماكماستر حول استنتاجات هذه المحادثات والوثائق. كما تحفظ حول نصيحة كوشنر وهارفي للرئيس بان تكون أول زيارة لترامب كرئيس لخارج أمريكا إلى السعودية.
واعتبر هارفي آنذاك ان باراك أوباما ركز أكثر مما يجب خلال رئاسته على الاتفاق النووي لمجموعة (1 + P5) مع إيران وأهمل تطوير العلاقات الجيدة مع إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وبالتالي، ظهرت حاجة لإعادة تقوية الروابط مع السعودية عن طريق اختيارها كموقع للزيارة الخارجية الأولى لترامب (ص 11). كما أن كوشنر أشار لهارفي ان في حوزته معلومات استخباراتية بأن الرجل القوي في شؤون اتخاذ القرارات (بموافقة الملك سلمان) في السعودية كان ولي ولي العهد محمد بن سلمان وليس ولي العهد محمد بن نايف ابن أخيه (ص111 ـ 112).
وقد تحفّظ ماكماستر إزاء استخدام هارفي وكوشنر مثل هذه المعلومات الاستخباراتية بشكل مباشر ودون المرور بوكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي الأمريكيتين. علماً ان “سي.اي.أيه” كانت ترى ان الأمير محمد بن نايف في رأي ماكماستر هو الرجل القوي آنذاك. كما عارض ماكماستر في البداية اختيار السعودية كموقع الزيارة الأول لترامب، ولكنه هو وآخرون في القيادة رضخوا في النهاية للقرار الرئاسي على أن ينظّم هارفي هذه الزيارة ويحاول التحضير لعلاقات سياسية واقتصادية واستثمارات ضخمة بين البلدين (أمريكا والسعودية).
وقد تمت دعوة ولي ولي العهد محمد بن سلمان لزيارة الولايات المتحدة تمهيداً لزيارة ترامب الرئاسية إلى الرياض التي تمت في أيار/مايو 2017. وقد زار الأمير محمد بن سلمان واشنطن في آذار/مارس 2017 بناء على دعوة من ترامب الذي قابله شخصياً خلالها متجاوزاً بعض تقاليد البروتوكول الأمريكي (ص114). علما انه بعد زيارة ترامب للسعودية بشهر، وفي حزيران/يونيو، رقى الملك سلمان نجله محمد إلى منصب ولي العهد، حسب المؤلف.
المشكلة بين تيلرسون وماتيس، من جهة، وترامب وبعض أعوانه، من جهة أخرى، تطرّق إليها وودورد في الفصل السادس عشر من كتابه حيث استنتج وزير الخارجية ووزير الدفاع حسب قول المؤلف ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمتثل بالفعل لما وردَ في الاتفاقية النووية بين إيران والدول الأوروبية وأمريكا، فيما أشار ترامب بوضوح في لقاءٍ له مع تيلرسون (وردت تغطيته في الكتاب) بان ترامب يعارض استمرار هذه الاتفاقية مع إيران ويود الغاءها (ص130). وقد غضب ترامب وثارت ثائرته عندما علم ان تيلرسون وجّه رسالة إلى رئيس المجلس النيابي في الكونغرس النائب بول رايان في 18 نيسان/ابريل 2017 عرَض فيها موقف الخارجية حول الاتفاقية. وطلب ترامب من تيلرسون عقد مؤتمر صحافي يندد فيه بهذه الاتفاقية النووية وبمواقف إيران عموماً واضطر تيلرسون حسب وودورد للقراءة من ورقة مكتوبة مسبقاً حول هذا الموضوع خشية من المواجهة مع ترامب. وقال وزير الخارجية للرئيس الأمريكي لدى ردة الفعل الحادة لترامب: “أنت الرئيس، أنت السلطة وسأفعل ما تريد”. (ص131).
وهنا يشير المؤلف ان مدير “وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك مايك بومبيو، ووزير الدفاع جيمس ماتيس كانا يدركان الوقائع المرتبطة بمواقف تيلرسون بالنسبة لإيران والاتفاقية النووية ولكنهما لم يرغبا في مواجهة ترامب وأدركا ضرورة التعامل معه ومع قراراته بالطريقة المناسبة (ص132) علماً ان علاقة جيدة نشأت آنذاك بين تيلرسون وماتيس، وان المسؤولين الاثنين خشيا من ردة فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إزاء مواقف ترامب السلبية من إيران والاتفاقية النووية ومن إمكان اتخاذ روسيا مبادرات ومواقف ميدانية هجومية في حرب البلطيق أو في إشعال حرب خطيرة، حسب وودورد.
ويشير وودورد في الفصل السابع عشر ان بعض المسؤولين السابقين في البيت الأبيض كرئيس الموظفين فيه رئيس بريبوس والمستشار السابق ومدير حملة ترامب الانتخابية في عام 2016 ستيف بانون والمدير الجديد بعد بريبوس لموظفي البيت الأبيض الجنرال جون كيلي تضايقوا من حرية التصرف التي مارستها إبنة ترامب ايفانكا وزوجها جاريد كوشنر في تنقلاتهما وتدخلاتهما من مكتبهما في البيت الأبيض الموجود على مقربة من مكتب الرئيس ترامب، وقد أبلغوا الرئيس كلٌ بدوره إنزعاجهم فكان ترامب يقول ان ميول ابنته وزوجها “الشبابية” للحزب الديمقراطي ومجيئهما من مدينة نيويورك يدفعانهما لهذا التصرف.
وفي إحدى المناسبات، زجرَ ستيف بانون ايفانكا حول عدم مرورها بالقنوات المناسبة للتصرف في البيت الأبيض فأجابته: “أنا الابنة الأولى ولست موظفة عادية هنا”. (ص145). وقد خسر بانون منصبه بعد إشاعات ضده عن تسريبه معلومات حول شؤون خصوصية تجري في البيت الأبيض.
أما الأمر الذي أدى إلى انفجار العلاقة بشدة بين ترامب، من جهة، وتيلرسون وماتيس، من جهة أخرى، (حسب المؤلف) فكان قرارهما إتخاذ خطوات بمبادرات وزارية فردية منهما بالنسبة لعلاقة الولايات المتحدة مع قطر، أهمها الاعتراض من ماكاستر بان تيلرسون وقّع مذكرة تفاهم مع قطر في تموز/يوليو 2017 من دون المرور به كمستشار للأمن القومي (ص210) مع أن هذه المذكرة ركزت على التفاهم بين الجانبين في مكافحة الإرهاب وتمويله في الشرق الأوسط والمنطقة عموماً. وقال ماكماستر انه قرأ عن هذه المذكرة في الصحف فيما كان على تيلرسون بحثها مع كبار المسؤولين. وفي 18 تموز/يوليو 2017 اتى تيلرسون لتفسير موقفه للرئيس في البيت الأبيض فواجهه ترامب بغضب وانفعال قائلاً إن أمريكا تصرف البلايين على قواتها العسكرية في المنطقة عموماً من دون مقابل، فاعتبر تيلرسون ان ترامب يصنف القوات العسكرية الأمريكية في آسيا والعالم وكأنها مرتزقة وليس كقوات دعم حيث لأمريكا مصالح في حماية حلفائها. وقال بحدة إن موقف الرئيس غير عقلاني وفيه إهانة لمعاونيه. وتمت إقالته لاحقاً. وبعد فترة قصيرة، استقال ماتيس من منصبه كوزير للدفاع. (ص225).
Bob Woodward: “Fear: Trump in the White House”
Simon and Schuster, London-New York 2018
420 pages.