تطرحُ أوساط سياسية في العالم سؤالاً هاماً حول هوية أصحاب القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم وباستخدام السلاح النووي أو الأسلحة الأخرى المدمرة من جانب قيادة الولايات المتحدة، هل هو رئيس الجمهورية الأمريكي بمفرده؟ أو هل عليه أن يأخذ في الاعتبار ويتشارك في قراراته مع جهات أمريكية أخرى كوزير الدفاع أو هيئة الأركان العسكرية العليا أو جهات أخرى؟
هذا سؤال طرحه كتاب بعنوان: «خطر» للمؤلف الأمريكي المعروف بوب وودورد بالتشارك مع زميله في صحيفة «واشنطن بوست» روبرت كوستا.
بوب وودورد ليس صحافياً عادياً، فهو يمتلك اتصالاً مباشراً مع كبار سياسييّ وعسكرييّ أمريكا يتيح له إدراج معلومات ووقائع في كتبه غير موجودة في كتب أخرى.
ومن هذه المعلومات ما كتباه وودورد وكوستا في مقدمة كتابهما «خطر» حول مكالمة هاتفية جرت بين نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب في الكونغرس الأمريكي مع الجنرال مارك ميلي، رئيس الهيئة العليا المشتركة للأركان العسكرية الأمريكية (أرفع منصب عسكري في الولايات المتحدة) بعد حدوث الاجتياح الخطير لِـ «كابيتول هيل» مركز اجتماعات الكونغرس الأمريكي، من قِبل مجموعة من المتظاهرين المؤيدين للرئيس السابق دونالد ترامب في 6 كانون الثاني (يناير) 2021 أي مباشرة بعد خسارته الانتخابات الرئاسية الأمريكية ورفضه ورفضهم للنتيجة.
وكانت بيلوسي تتحدث مع الجنرال ميلي أثر تلقيه مكالمة من نظيره الصيني الجنرال لي زوتشينغ، الذي خشي أن يكون الرئيس ترامب فقدَ اتزانه وأنه قد ينفّذ هجوماً نووياً ضد الصين، كونه حرّضَ مناصريه على اقتحام الكونغرس ولم يضبط مثل ذلك الاقتحام الخطير.
سألت بيلوسي زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب الجنرال ميلي: «ما هي الاحتياطات المتخذة لمنع الرئيس ترامب من ارتكاب أي عمل متسرع آخر يخرق الدستور الأمريكي ويعرض البلاد والعالم للخطر؟».
فأجابها الجنرال ميلي: «اؤكدُ للكونغرس واليكِ شخصياً بانه توجد قيود في نظامنا وفي جهازنا القيادي السياسي والعسكري تحول دون حدوث مثل هذا الأمر. إن مفاتيح إطلاق الهجوم النووي آمنة ولا يمكن السماح بصدور أي قرارٍ جنوني أو غير قانوني أو أخلاقي من جانب أي جهة بمفردها». وأصرت بيلوسي على معرفة كيف سيتم سحب الحقيبة التي تضم المفاتيح «الأزرار» للإطلاق النووي من رئيس الجمهورية، فأجاب ميلي: «هناك إجراءات مُتبعة يجب القيام بها قبل أي ضغط على المفاتيح (الأزرار) وهي ليست إجراءات من جانب شخص واحد مهما علَت رتبته، وأؤكد ذلك إليك بصفتي قائد هيئة الأركان العسكرية العليا المشتركة. وأنا وأعضاء الهيئة قادرون على منع أي ارتكاب خطير في هذا المجال مع أن أي واحد منا لا يمكنه اتخاذ القرار بمفرده أي انه قرار جماعي».

وأضاف: «يجب التدقيق والتحقق الأكيد بوجود خطر كبير يتوجب استخدام السلاح النووي أو أي سلاح خطير آخر، ونظامنا صلب كالصخرة في هذا المجال، وليس كرة ثلج باستطاعة أي رئيس جمهورية أن يتلاعب به أو بضخامة الخطر، وأُعطيكِ تعهدي الكامل في هذا المجال، ولا يمكنني أن أضيف المزيد ولا الخروج إلى العلن في هذا الشأن لكي لا يساء التفسير».
علماً أن ميلي تم اختياره لقيادة هيئة الأركان المشتركة بموافقة الرئيس ترامب.
ولكن الجنرال ميلي حسب كتاب وودورد وكوستا ليس من محبي الظهور، بل من القادة المسؤولين الأمريكيين الذين يوفرون النقد لرؤساء الجمهورية في الجلسات الخاصة المغلقة، وهؤلاء من الذين يفضلهم بوب وودورد، كما في معظم كتبه.
يحلل وودورد في الفصل الثامن والستين من هذا الكتاب (ذي الفصول القصيرة) مواقف الرئيس الأمريكي الحالي جوزف بايدن إزاء القضية الأفغانية.
فيقول في الصفحة (380) إن بايدن يتخذ القرارات خصوصاً في السياسة الخارجية وفي الشؤون التي عمل فيها بشكل مباشر في مناصبه السابقة في الكونغرس وفي نيابة الرئاسة، بمشاركة شخصية مباشرة، ولا يترك الأمور فقط لمعاونيه ومستشاريه. ويؤكد الكتاب أن بايدن كنائب للرئيس عارضَ الضغوط التي مورست على الرئيس باراك أوباما في سنوات حكمه الأولى في الشأن الأفغاني من مجموعة ضمت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ووزير الدفاع السابق روبرت غيتس وقائد هيئة الأركان المشتركة السابق الجنرال مايكل مولن والجنرال ديفيد بترايوس وقائد القوات الأمريكية السابق في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال، فهؤلاء كانوا وراء دفع أوباما للموافقة على تعزيز القوات الأمريكية في أفغانستان بثلاثين ألف عسكري عام 2021 بينما كان بايدن منذ ذلك الحين يُعارض مثل هذه الخطوة، بل يتجه نحو اتخاذ عكسها، وقال وكتب في أكثر من مناسبة بأن حركة «طالبان» تختلف عن منظمة «القاعدة» فطالبان تمردت على السلطة الأفغانية السابقة من خلال مواجهة عسكرية أهلية داخلية، ولم يكن هدفها المباشر مواجهة الولايات المتحدة (ص 381) أما المجموعة المؤيدة لتعزيز القوة العسكرية الأمريكية في أفغانستان آنذاك، فكانت تعتقد بان صرف مليارات الدولارات والتضحيات الإنسانية الأخرى شكلتا ضرورة للأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، وأن الانتصار على حركة «طالبان» يؤمّن الاستقرار في باكستان على الرغم من أن جهات في باكستان هي التي أسست ودعمت حركة «طالبان». وتساءل بايدن منذ أن كان نائباً للرئيس (حسب الكتاب) كيف نكون كأمريكا في مجال تقوية باكستان عندما نهزم المجموعة التي أطلقتها؟
وأبلغ بايدن الرئيس أوباما آنذاك أن الذين ينصحونه بمواجهة طالبان عسكرياً سيؤدون به إلى مغطس من الوحل.
وبالتالي، يفسر الكتاب تصميم الرئيس بايدن على تنفيذ ما اقتنع وما زال يقتنع به شخصياً، عندما قرر سحب القوات الأمريكية من أفغانستان واختيار ودعم الحوار مع «طالبان» حالياً.
ويذكر الفصل 69 من الكتاب، أنه عندما عرضَ وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن على قيادة «طالبان» تأخير الانسحاب العسكري الأمريكي من البلد، رفضت القيادة «الطالبانية» ذلك وهددت بالعودة إلى القيام بعمليات ضد القوات الأمريكية في البلد مما كان سيُوقع المزيد من الضحايا الأمريكيين في عام 2022 قبل انتخابات الكونغرس النصفية في خريف العام المقبل، وهذا ما كان بايدن يحاول تجنبه، ليس فقط للحفاظ على حياة الجنود الأمريكيين بل لعدم خسارة الأكثرية الديمقراطية في مجلس الشيوخ والنواب في الكونغرس (ص 384).
أما عن رأي رئيس هيئة الأركان الأمريكية الحالي الجنرال مارك ميلي إزاء هذا الموضوع، فيشير الكتاب ان ميلي حتى قبل أن يحتل منصبه الحالي، كان يؤمن بانه يجب عدم حشر رئيس الجمهورية في زاوية كما تم في مطلع عهد أوباما من جانب القيادات العسكرية، وثانيا، يجب إفساح المجال أمام رئيس الجمهورية لتنفيذ سياساته يعني اعطاءه المساحة لفعل ذلك حتى لو اختلف موقفه إلى حد ما مع موقف العسكريين، وثالثا ضرورة تفادي نشر المواقف العسكرية السلبية المخالفة لمواقف الرئيس في وسائل الإعلام.
وأفضل الوسائل (حسب الجنرال ميلي) هو إعطاء النصائح للرئيس في جلسات خاصة وبشكل مباشر وخصوصي، ولكن بصراحة تامة (ص 387).
وفي نظر وودورد وكوستا، فإن الجنرال ميلي يعتبر الرئيس بايدن سياسياً مخضرماً، خصوصاً في الشؤون الخارجية، وقد اختار معاونين عملوا سابقاً معه في مناصب تنفيذية عُليا، ولديهم الخبرة الكافية، علماً أن خبرة بايدن في المناصب السياسية البارزة تعود لأكثر من خمسين عاماً.
الكتاب مثل كتب وودورد الأخرى، لا يحسم أمر نجاح سياسات بايدن في أفغانستان أو مواقف الرؤساء والقيادات السابقة، ولكنه يعطي المعلومات المفيدة للسماح للقارئ بالقيام بهذا الخيار أو ذاك.
فعندما يعرض مواقف السناتور ليندسي غراهام الجمهوري الانتماء، الذي ما زال يؤيد الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب، ينسب إليه قوله إن: «حركة طالبان هي حركة راديكالية إسلامية تختلف قيّمها عن القيم الغربية، فهي حركة تقمع النساء وترفض تعدد الأديان وتعيد أفغانستان إلى القرن الحادي عشر لو تمكنت من ذلك، وستعود وترتّد لمعاداة الولايات المتحدة» (ص 389). وبرغم ان طالبان لا تسعى للتوسع بل تُركز على أفغانستان فغراهام يعتقد (حسب الكتاب) بأن سيطرتها على أفغانستان ستتيح للحركات «الإرهابية الدولية» العودة إلى المنطقة والعالم.
ويختتم المؤلفان كتابهما بالتحدث عن نية الرئيس السابق دونالد ترامب بالعودة للترشح للرئاسة في عام 2024 ويؤكدان بان ليندسي غراهام وبعض مسؤولي مراكز الاستطلاعات يشجعونه للقيام بذلك، ولكن عليه أولاً أن يساهم في فوز الجمهوريين بانتخابات الكونغرس النصفية التي ستجري الخريف المقبل عام 2022 وان يتخلى عن بعض مواقفه المنددة بنزاهة الانتخابات الرئاسية لعام 2020 والاتهامات بحدوث غشٍ فيها. أي أن عليه ألا يساهم في انقسام الحزب الجمهوري عبر خطاباته التحريضية المثيرة للغرائز العنصرية والاجتماعية، فيما يعتقد ترامب نفسه أن سر نجاحه يكمن في إثارته القضايا كما يراها وبقوة وإلا سيفقد جمهوره من ناخبي الطبقة الوسطى السفلى التي ساهمت في فوزه عام 2016.
يبقى ان الهجوم الغوغائي على مبنى الكابيتول مقر الكونغرس، سيظل عثرة في وجه عودة دونالد ترامب المتهم بالتحريض عليه إلى السلطة، وسيستمر فشلاً أمنياً واستخباراتياً كبيراً للأجهزة الأمريكية الأمنية في العاصمة واشنطن. وخطر حدوثه مرة أخرى سيظل موجوداً إذا عادت سياسات التحريض، حسب الكتاب.
Bob Woodward and Robert Costa: «Peril»
Simon and Schuster, 2021
482 Pages.