بوقرة الوافي… في ماراثون ضد النسيان

حجم الخط
0

15 أكتوبر/تشرين الأول 1959. حرب الجزائر بلغت أوجها، ورائحة البارود انتقلت إلى فرنسا، حيث كثفت جبهة التحرير من عملياتها. في تلك الأجواء المضطربة يحتفل رجل بلغ الحادية والستين بعيد ميلاده، في ضاحية سان دوني الباريسية، ولم يحضر حفلته الصغيرة سوى بعض الرفاق والجيران، فقد كاد أن يقطع علاقته بعائلته، إثر خلافات حول ميراث. بعد ثلاثة أيام من ذلك الاحتفال البسيط، سوف يجلس ذلك الرجل، الذي لا يتعدى طوله المتر وستين سنتيمتراً، في مقهى، في الضاحية نفسها، ويتلقى رصاصة في الصدر، ثم لن يجد من يدفع تكاليف جنازته إلا بعد مشقة، كما إن الشرطة لن تطيل في أبحاثها عن سبب مقتله. لا أحد اهتم بأمره، فهو ليس سوى عربي. والعربي متعود على الموت، منذ أن قتل مورسو عربياً آخر على شاطئ، في رواية «الغريب». كان من الممكن أن تنتهي الحكاية هنا. لقد مات جزائري مغترب مثلما كان يموت المئات من أشباهه في باريس. لكن الميت هذه المرة شخص شغل الدنيا في شبابه، بل جعل فرنسا بأكملها تفخر بنفسها، قبل أن يمحو النسيان ذاكرته.
نقصد بوقرة الوافي (1898-1959) أول عداء عربي وأفريقي نال ميدالية ذهبية في الألعاب الأولمبية، حصل ذلك عام 1928 في دورة أمستردام، حيث كسب سباق الماراثون. نال تلك الميدالية تحت راية فرنسا. فقد كان فرنسياً ـ تحت سطوة الاستعمار ـ حين كسب الذهب، لكنه صار عربياً يوم مات غدراً. ونقرأ على شاهدة قبره: «الجزائري بوقرة أحمد الوافي. بطل أولمبي عام 1928. لن ننساك». هكذا هي قصة العربي في العموم، إنه بطل حين يكسب ونصف مواطن حين لا فائدة منه. إنها قصة رجل، كان كل شيء متاحاً أن يصير نموذجاً للأجيال التالية، رجل قضى عمره في الركض هرباً من الفقر والحاجة والموت، قبل أن يموت في الأخير فقيراً، بعدما ما ابتلعت ذكراه آلة النسيان.

سيرة بين ثلاث قارات

وُلد بوقرة الوافي في أولاد جلال، بلدة تبعد عن الجزائر العاصمة أكثر من 400 كيلومتر جنوباً. المعروفة بطقسها الحار والجاف، وامتهن أهلها الحرف اليدوية وتربية المواشي وزراعة النخيل. في عام 1898 وقد بسط الاحتلال الفرنسي هيمنته على المنطقة. إلى ذلك الحين لم يكن يُعرف في بلدة أولاد جلال رياضيون ولا نشاط رياضي منتظم، لكن سيرتبط اسمها، بعد سنوات، بأول ميدالية ذهبية أولمبية لعداء جزائري، أجبر على الجري بهوية فرنسية. قضى طفولة في رعي الغنم أيضاً، في مساعدة أمه وشقيقته في الإسطبل، وفي الركض دائماً كلما خرج من البيت. في سن الثامنة عشرة سوف يجند في الجيش الفرنسي، ويوجه إلى ساحات المعارك في الحرب العالمية الأولى، ويجد نفسه يحمل السلاح غرب ألمانيا. بعد الحرب سوف يقضي سنتين إضافيتين في الجيش، ويبدأ مسيرته الرياضية في بطولة عدو عسكرية جرت في باريس، وهو في الحادية والعشرين من العمر، قبل أن يلتحق ـ بعد الخدمة العسكرية ـ بناد رياضي يتبع بنك (سوسيتيه جينيرال) ثم نادي شركة رونو للسيارات، التي التحق بها كعامل بسيط. ثم يحرز بطولة فرنسا عام 1924 بتوقيت ساعتين وخمسين دقيقة، ويسمح له ذلك بالمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية التي احتضنتها باريس، حيث احتل المرتبة السابعة. في ذلك الوقت لم يكن الرياضي يحظى بدعم مالي من الفيدرالية أو من وزارة رياضة ـ كما عليه الحال اليوم ـ بل عليه البحث عن مصادر دخل للتحضير للمنافسات، فاكتفى بوقرة الوافي بما يجنيه من عمله المتواضع في شركة رونو، يقبض راتبا بسيطا يعينه في التحضير لدورة الألعاب الأولمبية الموالية، وحسن وقته إلى ساعتين وعشرين دقيقة. يوم 5 أغسطس/آب 1928 يشارك الوافي في سباق الماراثون (بصحبة 68 عداءً، من 23 بلدا مختلفا) الذي لم يكن من بين مرشحيه للوصول إلى منصة التتويج، ففرنسا لم يكن لها تاريخ في سباقات الماراثون. لكنه أنهى السباق في المركز الأول، بفارق ثلاثين ثانية عن أقرب منافسيه. كان كل شيء يبدو وردياً في حياة الوافي، فقد صار بطلاً أولمبياً، لكنه جازف بممارسة الممنوع، سافر إلى نيويورك ـ تحت سلطة الفقر ـ وشارك في سباقات مراهنات، بل كان يعدو في السيرك مع حيوانات مفترسة قصد تسلية الجمهور، بما يتعارض مع قوانين اللجنة الأولمبية، فمنع من المشاركة مجدداً في المنافسات الرسمية. وعاد إلى باريس، افتتح مقهى سرعان ما أفلس، ثم عمل في شركة نقل، قبل أن ينهي أيامه حارسا يوميا في ملعب، ثم يموت موتاً عبثياً كما أنه لم يعش، كما لو أنه لم يكن أول من أدخل فرنسا إلى محفل الماراثون الأولمبي.

تكريس النسيان

كان بوقرة الوافي يركض ضد النسيان، كي لا ينسى من أين جاء، من بلدة بعيدة، بسيطة وهادئة، وكلما أحرز انتصاراً أو قبض راتباً من مصنع السيارات، أرسل مبلغا إلى عائلته. لكنه كان عداء ماراثون، بإيقاع بطيء ثم متسارع، ليس عداء مسافات قصيرة وسريعة، تحسب فيها الفوارق بجزء من الثانية، لذلك لم يستطع العدو ضد النسيان مثلما كان يعدو في الطرقات. لم يسبق أن اتفقت الجزائر وفرنسا على قضية مشتركة، مثلما اتفقا على نسيان هذا الرجل، حصل تفاهم بين الطرفين: فبعد أن دفن، لم يعد بوقرة فرنسيا ولا جزائريا. هويته جزائرية، لكن لا اسم، ولا صورة له في عقول مواطنيه، كما لو أنه لم يمر من هذه الحياة، ولم يقاسم الناس أفراحهم أو همومهم. كما أن لا صور له سوى في السباق الذي فاز فيه في أمستردام. لا ذاكرة بصرية عنه قبلاً أو بعداً. ولد بوقرة الوافي كي يركض يوم 5 أغسطس 1928 ويدخل فرنسا إلى محفل الأمم، ثم يتبخر في الهباء. فقد عاصر زمناً لم يكن فيه الرياضيون نجوما كما هو عليه وضعهم اليوم، لم تكن خلفهم شركات رياضية أو مؤسسات تصرف تكاليف تدريباتهم وتستغل صورهم في الومضات الإشهارية، بل عاصر زمناً كان فيه الرياضي يعمل بمشقة في مصنع صباحاً ثم يتدرب وحيداً بعد الظهر، قبل أن يدخل السباقات الرسمية. أسس بوقرة الوافي نظاماً جديداً في فرنسا آنذاك، فهمت الإدارة الاستعمارية حينها أن بوسعها المراهنة على شباب المستعمرات في المنافسات الرياضية، وليس فقط في الحروب. من يومها صارت الرياضة الفرنسية متعددة الألوان، والفضل في ذلك يعود إلى بوقرة الوافي، فمن ما زال يتذكر هذا الرجل بعد كل ما لحق به من نسيان؟

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية