بول إيلوار
مثل النعاس الخفيف الذي ينبثق من عينين برعشةٍ معهودة، تحت شموسٍ لاهبةٍ، تسربل نتوءات الدمع المشرف على الانسياب، يسكبُ الشاعر الفرنسي بول إيلوار أحاسيسه النادرة التي تجمع بين مضادين، الانطواء والتمرد، بروحٍ مقمطةٍ بالاعتراض والانعتاق، لتتخمر بذور حروفه في انبهارٍ وتألقٍ مشرقٍ يترنحُ بعشق الوطن وعشق الانفتاح الكامل نحو الحرية.
عاش إيلوار في بيئةٍ شعبية بمستوى اجتماعي متوسط، لأبٍ عاملٍ كادح، وأم تعمل في خياطة الثياب، فتشرب من محيطه ومن غور الدهاليز الدامسة فيه معنى النضال وفورة القتال من أجل تحقيق العدل، وتلقفت روحه ذلك القمع المرعب الذي كان سائداً في أيامه، وانضم إلى الحزب الشيوعي عله يجد المساواة التي يبحث عنها بقدمين مبتورتين عن السير في طريق الحق بسبب الردع الذي يطرزه الحكام المتعسفون حول رقاب الشعب.
في معظم قصائده، يتطرق إيلوار للغوص في جوهر الحرية، فمنذ كان في السادسة عشرة من عمره تخلى عن الدراسة بسبب المرض وأودع المصحة، لذا اتجهت أفكاره لثقيف نفسه تثقيفاً نوعياً، فتأثر ببودلير ونيرفال وغيرهما من الكلاسيكيين الرومانسيين، وازدرد أحلامه من ائتلاقاتٍ وائتلافاتٍ عريضة، تمخرُ آفاق آماله العريضة. وكان أحد مؤسسي المدرسة السيريالية، لأنه شعر في باطنه بأن الثورة تتطلب أنفاس السيريالية لتتحد معها في خيالاتٍ وضاءةٍ تنشدُ الألق والمثالية.
في قصيدة الحرية التي حصدت انتباهاً شعبياً لافتاً، وترجمت إلى معظم لغات العالم لتستحيل إلى أهزوجةٍ خفيفةٍ برئةٍ صادحةٍ لاهبةٍ تغسلها الشمس النافذة لصميم الضوء يقول إيلوار:
«فوق دفاتري المدرسية/ فوق قمطر طاولتي والأشجار/ فوق الرمل فوق الثلج/ أكتب اسمك/ فوق كل الصفحات المقروءة/ فوق كل الصفحات البيضاء/ الحجر، الدم، الورق أو الرماد/ أكتب اسمك/ فوق الصور الذهبية/ فوق أسلحة المحاربين/ فوق تيجان الملوك/ أكتب اسمك/ فوق الدغل والصحراء/ فوق الأعشاش وفوق الوزال/ فوق صدى طفولتي/ أكتب اسمك/ فوق عجائب الليالي/ فوق الخبز الأبيض للنهاريات/ فوق الفصول المخطوبة/ أكتب اسمك/ فوق كل قصاصاتي الآزوردية/ فوق بركة الشمس العفنة/ فوق بحيرة القمر الحي/ أكتب اسمك/ فوق الحقول وفوق المدى/ فوق أجنحة العصافير/ وفوق طاحونة الظلال/ اكتب اسمك/ فوق كل نسمة فجر/ فوق البحر فوق السفن/ فوق الجبل المختل/ أكتب اسمك/ فوق رغوة السحاب/ فوق عرق الرعد/ فوق المطر الكثيف والبارد/ أكتب اسمك/ فوق الأشكال المتلألئة/ فوق أجراس الألوان/ فوق الحقيقة الفيزيائية/ أكتب اسمك/ على الغياب بلا رغبات/ على الوحدة العارية/ على خطى الموت/ أكتب اسمك».
هنا، نبه إيلوار لرجوع شرارات الحرب فأودع في هذه القصيدة مجامع وشغاف نبضه وهو يطلق صرخة ذهبية بوجه العدوان الغاشم والاحتلال الآثم، الذي شنته ألمانيا على فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، فكانت بمثابة تنبيه للقلوب الغافلة والأرواح الذاهلة عن هول الكارثة التي لحقت ببلاده، ويحث الثورة على مواصلة التهام الجماد والرقاد الحافيين اللذين التحفا ليلاً عميق التشنجات في وطنه المغتصَب. عندما انتزع الفنان الإسباني سلفادور دالي امرأة إيلوار ونصبها ملهمةً له، تهدجت نبرات الحروف التي اقتسمها في تركيب هيكلية قصائده فغلبت عليها المرارة، ثم تخفف من هذا الثقل الضبابي العنيف بعد زيجاته الثلاث التي زج فيها انعطافات روحه المتعطشة للعشق. وقد تجلى هذا الشغف اللامحدود للحب في عددٍ من قصائده التي سطعت فيها نيازك المعاني الخلابة. ففي قصيدة «قوس عينيك» نلمحُ بحرَ الزبرجد الناعم الذي تغوصُ موجاتها في صدر الأفق لتختلج مع أنات المغيب وآهات الذكريات العائمة. ينفخُ إيلوار على قوافي الغزل ويهلل مع ترانيم الموسيقى، وتراويح البين وسعال الورد حين يرشح بالندى فيقول:
«قوسُ عينيكِ يُحيطُ بقوسِ قلبي/ حلبةَ رقصٍ ونعومة/ مكللةً بهالةِ الزمانْ، مهدَ ليلٍ آمنٍ/ وإن لم أعد أذكر يوماً كل ما عاشته عيناي في هذي الحياة/ فذلك لأن عينيكِ لم تكونا قد رأتاني/ أوراقُ شجرِ النهار ورغوةُ الندى/ مزاميرٌ من رياح، وابتساماتٌ من شذى/ أجنحةٌ تغمر الكونَ بفيضٍ من ضياء/ سفنٌ محملةً بالسماءِ والبحرِ/ صيادون يصطادون الضجيج، ومنابعُ ألوان/ عطورٌ تفتحت في غمرةِ الفجرِ/ تَرْفُلُ وسطَ أعشابِ النُجومْ/ وكما تمنحُنا البراءةُ ضوءَ النهارْ/ فإن عيونَكِ تمنحُنا العالمَ بِأَسْرِهِ».
تلك العناصر الكونية الطبيعية والمفردات الواردة التي تدل على حيوية النشوة الجياشة في أعماق الشاعر مثل: «البحر، الريح، السماء، ضوء، أجنحة، ضياء، براءة، رقص» تنغم الفعل وليس فقط القول في القصيدة وتنسق التناغم الدائر في ما بينها، وتنأى عن الاختناق بالحواشي المزخرفة المعتادة التي كان يعتمدها شعراء ذلك الزمن، لأن ما يجتذبها هو سكة الإبداع الحقيقي المتوازن، الذي يرتب الصلة بين السيريالية والعشق، كما يربط السيريالية بالثورة والتحدي والأمل الثاقب. فتبعث الحياة في الألوان الحائلة وتستيقظ عبر الخمائل كل الدلالات المفرطة بالسعادة والحيوية. هذه الروح التفاؤلية تصبحُ منهجاً للشاعر إيلوار يفرضها بعيداً عن تحريمات المجتمع وتأويلات النقاد، فينطلق متوثباً لنقطة من ضوء شارد، يغسل جباه المتعبين ويكتب ناموس الحالمين بالحرية السوية، ولذلك، فإن خيباته الوطنية والعاطفية التي عايشها، لم تحد من تطلعاته المسرفة نحو عالمٍ فاضل، ولم تدحرج آماله في هوة الاستسلام بارتجاجاته الفولاذية الحادة، بل مضى يبث الأمل ساطعاً ويستبسل في منح الحلم لمن افتقده.
بول إيلوار شاعرٌ قطع غور الخلجان الصاخبة بقلمه الساعي للإصلاح والخير والآمال الممتدة على طول المسافات وحجم الأرض، واعتد بكونه رسولَ الهداية للثورة الحقة التي ضل عنها من لم يكافح ويجادل مثله من أجل إرسال الحق، ونجح في تخليد ذكراه على مرّ العصور، فعاد مركبه الضائع في بحرٍ من التلاطمات والتناقضات تحت السحائب البنفسجية للحرية إلى شاطئ الأحلام التي رسمها بين الواقع والخيال، وباتت رمزاً لمذهبٍ خاص ابتكره في ساعاتِ الغسق الباكي لينتفض مع أول شعاع شمسٍ تحرك المكنونات والموجودات وترسم شعار الحرية مشاعل عاطرة بالسحر الغامض.
كاتبة لبنانية