بيان عسكري ضد «الجزيرة»: إنهم يحتفظون بحق الرد!

حجم الخط
1

ذكرنا المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر نفسه بنفسه، عندما أصدر الأسبوع الماضي بياناً شديد اللهجة ضد قناة «الجزيرة»، بدا لي وأنا أطالع مفرداته، أن أعضاء المجلس يقفون على خط النار، وهم في الوضع «استعد»، بعد طول غياب، فمن بعثهم من مرقدهم هذا؟!
فالمجلس الذي أناط به القانون ضبط الأداء الإعلامي، ترك الأمور تجري في أعنتها، حتى صرنا أمام فوضى إعلامية غير مسبوقة، وصار الخوض في الأعراض، وممارسة السباب، معلوما من الإعلام المصري في هذا العهد التليد بالضرورة. وفي الآونة الأخيرة شاهدنا كيف صار الخبر المهم، هو الخلافات بين حسن شاكوش وزوجته، ثم بينه وبين مطلقته، تستضيفها إحدى المذيعات العاملات في الشركة المتحدة في السهرة، ليكون ما تقوله منشوراً في صحف الشركة المتحدة أيضاً صباحاً.
وكثير مما تقوله زوجة شاكوش السابقة، يعاقب عليه القانون بالسجن والغرامة، أو بإحدى هاتين العقوبتين (راجع المادة 308 من قانون العقوبات)، وهي تتهمه علناً بالزنا، وتشير إلى فنانة معروفة، فاذا بإشاراتها تصريح بحيث تم التعرف على الشخصية المقصودة، مما دفعها لإصدار بيان تنفي فيه ما قيل، وقطعاً فإن العقوبة لن تقتصر على «الضيفة الكريمة»، لأنها ستشمل مذيعة المرحلة «بسمة وهبة»، بجانب القائمين على النشر في الصحف، التي أعادت نشر ما جاء في البرنامج، لأن الجريمة اكتملت بالنشر والإذاعة، وهو سقوط لم يعرفه الإعلام المصري من قبل!

المناظرة مع عبد الحليم قنديل

وبعيداً عن التوجهات السياسية، فإن كرم جبر، رئيس المجلس الأعلى للإعلام هو في الأصل صحافي يعرف التقاليد الإعلامية، ولم يكن من كتاب النميمة، وقد تعاملت معه، عندما كان يعمل مسؤولا عن «الدسك» في مكتب جريدة «الوطن» الكويتية، إبان إدارة الراحل يوسف الشريف للمكتب، وكان هو أكبر سناً وخبرة، لكنه مع هذا كان ودوداً يألف ويؤلف وهكذا رأيته بعد ذلك بسنوات، عندما ترشح لعضوية مجلس نقابة الصحافيين، ولم يحالفه الحظ، وعموماً فما أتذكره من هذه المرحلة المبكرة، إنه عندما حدث غزو الكويت، وأغلق المكتب كان قد جاءني ما يشغلني وتركت العمل في «الوطن».
ولهذا فوجئت به في مناظرة تلفزيونية شهيرة في برنامج تلفزيوني، يتبادل السباب مع عبد الحليم قنديل، وذلك في زمن مبارك، وقد كان جبر رئيساً لمجلس إدارة مؤسسة روزا ليوسف الصحافية، وكان قنديل يصنف معارضاً لنظام مبارك، ووصل السباب حد اتهام كرم جبر لزميله بأنه تخرج في كلية «البهايم»، اعتقاداً منه أنه تخرج من كلية الطب البيطري، في حين أنه تخرج من كلية الطب البشري، لكن وما الذي ينتقص من قدر الذين تخرجوا في كلية الاعتقاد!
كانت الأعصاب مشدودة، وعبد الحليم قنديل عدائي بالفطرة، وفي مناظرة تلفزيونية سابقة كان من يناظره أسامة سرايا، رئيس تحرير «الأهرام»، فلم يجاريه في عدوانيته، وظل لآخر الحلقة يخاطبه بلقب «الدكتور»، وتردد أن هذا الأسلوب المهذب لم يعجب مبارك، فغضب وثار. وربما كانت حلقة كرم جبر، تحت تأثير غضب الرئيس، فكانت تبادل قصف، وقد فقد المذيع قدرته في السيطرة على المشهد. عندما قامت الثورة، فإن العاملين في مؤسسة «روزا اليوسف» طردوا كرم جبر، الأمر الذي تكرر في مؤسسات صحافية أخرى، وهي تصرفات لم يقم بها ثوار، فمن قاموا بها من استغلوا الثورة في الانتقام من رؤسائهم، وإحدى الصحافيات استعانت بشباب من ميدان التحرير، فطردوا رئيس تحريرها، الذي ربما لا يعرفونه، وهي عند الحسابات الدقيقة، لا يمكن أن تصنف إلا أنها الأقرب إلى النظام، الذي خرجت عليه الثورة!
انتهى كرم جبر، وجاءت فرصة عبد الحليم قنديل، فتمدد في المشهد، لكن انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، جمع بينهما بيد أن جبر هو ابن حقيقي للعهد الجديد، فتم تعيينه رئيسا للهيئة الوطنية للصحافة، قبل اختياره رئيسا للمجلس الأعلى للإعلام، بعد عزل مكرم محمد أحمد، لأنه لم يستوعب المرحلة، واعتقد أنه في عهد مبارك، الذي ورثه من عهد السادات، فأخذه بحالته وعصبيته وضرورة خلق مساحة له للاستقلال يمارس فيها طبيعته الشخصية!
بينما ما تحصل عليه قنديل من العهد الجديد، الذي رفع غريمه كرم جبر مكاناً علياً، هو ما يأخذه الريح من البلاط، مجرد ضيف في حلقة أسبوعية في برنامج تلفزيوني، شاهدته مؤخراً فوجدته يُسأل ويجيب عن الحرب الروسية – الأوكرانية!
فتذكرت النداءات، التي توجهت بها قبل 30 يونيو/حزيران (لأولادي المغرر بهم) من ثوار يناير/كانون الثاني، بأنهم ليسوا أكثر من ضيوف على هذه المظاهرات وعلى المرحلة التي تتشكل، وغداً سيقولون لهم يا بخت من زار وخفف، وقد كان!
وبمناسبة ذكرى غزو الكويت، والحديث عن مكتب صحيفة «الوطن»، فقد كانت هذه النداءات تشبه نداءات مبارك لصدام حسين بمغادرة الكويت، إبراء للذمة، لأنه يعرف أنه لن يستجيب، ولم يكن هذا وجه الشبه، فقد كنت لا أريد لرفاق ميدان التحرير، أن يلتحقوا بأعداء الثورة، ويكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، ووجه الشبه مع بيانات مبارك، هو التكرار، وعموماً فقد كنت ضد الغزو، ومع اخراج صدام حسين بأي طريقة كانت، لكني استنكرت حملة الأسرى الكويتية بعد ذلك بسنوات ورأيت أنها تبرر للحصار الأمريكي على العراق، لكن قبل أيام كنت أشاهد مقطعاً من مقابلة تلفزيونية لم أتبين اسم المحطة، وإذا بالضيف المنتمي لمرحلة صدام حسين، يقول إن الأسرى قتلوا مبكرا، وأن الحديث عن وجودهم على قيد الحياة، كان تجارة للبعض من المقربين للنظام العراقي، نعوذ بالله من غضب الله!

الكاتب ضابط وربما محرر حوادث

وعامة، فإن كرم جبر، يستوعب طبيعة المرحلة، ومما يساعده على التماهي معها، طبيعته الهادئة، فهو ليس مكرم محمد أحمد، ثم إنه يقدر للسلطة أنها أعادته لقيد الحياة، بعد واقعة الطرد من «روزا ليوسف»، فرأينا صمته على هذا الانفلات الإعلامي، ثم بيانه ضد «الجزيرة»، وما مثله من إعلان حرب، وعندما قرأت مفرداته قلت إن البيان إن لم يكتبه ضابط شرطة، فإن الكاتب هو «محرر حوادث»!
عندما ألقى السيسي بيان الانقلاب، ووصل الى عبارة «هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه»، قلت للواقفين حولي أمام شاشة التلفزيون في المقهى: «هذا هيكل»، وعندما قرأت في بيان المجلس مفردة «الإقلاع» قلت هذا ضابط، أو محرر حوادث، أو بأداء مشترك؛ فيعرب المجلس عن أمله في الإقلاع عن تلك السياسات الإعلامية العدائية، وإن كانت «العدائية» تليق بثقافة ضابط جيش، والبيان برمته يذكرنا ببيانات المتحدث الرسمي لقوات التحالف في حرب تحرير الكويت اللواء الركن أحمد الربيعان، انظر كذلك التهديد المغلف، فالمجلس يكرر التزامه (بأقصى درجات ضبط)، حيث تذكر المجلس وضعه الوظيفي فذكر (أقصى درجات ضبط الممارسة الإعلامية) وليس (ضبط النفس)، و(إزاء اعتداءات سافرة) تمارسها قناة «الجزيرة» ضد القضاء المصري. والتهديد هو في اعراب المجلس عن أمله في الإقلاع عن تلك السياسات، وأنه (يحتفظ بحقوقه في الرد)! وهي مفردات تصلح بذاتها لتكون جزءا من صميم بيان يوجه إلى إثيوبيا بعد قرارها بالملء الرابع لسد النهضة، وسطوها على حصة مصر التاريخية في مياه النيل، فينتهي البيان بإعلان الاحتفاظ بالحق في الرد!
السؤال الجوهري هنا، لماذا يصر المجلس على أن يكون بديلاً للحكومة المصرية، والأصل فيه أنه من الهيئات المستقلة عن السلطة التنفيذية، فماله بالاستنكار، وطلب الإقلاع، والاحتفاظ بحق الرد، وهو ليس من اختصاصه الرد؟
لنصل إلى سؤال أكثر جوهرية، ما دام من يزمر لا يغطي ذقنه، ولماذا لا يتم استخدام الحق في الرد في توضيح، لماذا يوجد صحافيان في «الجزيرة» رهن الاعتقال، بعد تجاوز المدة القانونية للحبس الاحتياطي؟ وما هو الرد على أسئلة، مثل ما هي الأخبار الكاذبة، التي قال الاتهام إنهما نشراها، وما هي صحتها، وأين نشراها، وهما لم ينشرا أخبارا صحيحة أو كاذبة؟!
عندما سألت عن سبب هذا البيان الانفعالي، كانت الإجابة إن أهل الحكم لم ينسوا له أنه من دفع بمرشح الحكومة في الانتخابات على مقعد نقيب الصحافيين فسقط، وفاز مرشح الاستقلال النقابي خالد البلشي، اعتقاداً من السلطة أن بعض المعلومات الخاصة تم اخفاؤها عن عمد، ولا يريد القوم الاقتناع أن سقوط مرشحهم، لا شأن له بهذه المعلومات، فلو رشحوا أحداً غيره كان سيسقط أيضا. هل أراد رئيس الأعلى للإعلام أن يقفز على الموقف، بهذا البيان العسكري، لتعويم نفسه، ومتقرباً بالنوافل؟ يجوز!

٭ صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية