بيتر شامبروغ في «سياسة الخداع»: يفضح ازدواجية السياسة البريطانية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي صُنع في بريطانيا

سمير ناصيف
حجم الخط
1

في كتاب يصنفه كبار خبراء القضية الفلسطينية ومراجع تاريخ الشعب الفلسطيني ومآسيه منذ مطلع القرن العشرين بأنه أفضل دراسة موثقة عن الخيانات والسياسات الازدواجية التي ارتكبتها بريطانيا وفرنسا في مطلع القرن العشرين، يفضح كاتبه البريطاني مشروع “وعد بلفور” والأكاذيب التي قدمتها السلطة البريطانية لملك الحجاز السابق الشريف حسين بانه سيحظى بقيادة سلطة ملكية عربية على سوريا وفلسطين، ثم تراجعت بريطانيا عنها بعد “اتفاقية سايكس بيكو” مع فرنسا وعلى أثر تقديمها وعودا لصهاينة العالم بتأسيس وطن (بيت) قومي لإيواء يهود العالم تحول لاحقاً إلى دولة محتلة قمعية غاصبة هجّرت الفلسطينيين من أرضهم وما زالت تمارس التطهير العرقي والقتل ضدهم حتى الساعة.
عنوان هذا الكتاب هو “سياسة الخداع: بريطانيا وفلسطين من 1914 إلى 1939” وكاتبه الخبير والباحث والمستشار في هذا المجال بيتر شامبروك.
خلاصة هذا المرجع التاريخي ومقاربته الأساسية هما أنه خلال الحرب العالمية الأولى، وعد المفوض السامي البريطاني في مصر السير هنري ماكماهون الشريف حسين، ملك الحجاز آنذاك بواسطة مراسلات سرية معه بين عامي 1915 ـ 1916 جرت بموافقة السلطة البريطانية في لندن بانه “إذا تحالف الشريف عسكرياً مع قوات الحلفاء بقيادة بريطانيا خلال تلك الحرب ضد السلطة العثمانية حليفة ألمانيا فإنه سيحظى بقيادة دولة عربية تضم ولايات عربية بينها العراق وسوريا وفلسطين بالتحديد سيُعترف به ملكاً عليها”.
نفذ الشريف حسين وعده وانتصرت بريطانيا وحلفاؤها على ألمانيا والعثمانيين، ولكن القيادة البريطانية آنذاك تراجعت عن وعدها ومارست اللعب على الكلام إزاء وثيقة الوعد للشريف متذرعة بأن فلسطين وسوريا ليستا متضمنتين في الاتفاق معه. وقامت بريطانيا من وراء ظهر الشريف حسين بتوقيع اتفاقيتي “سايكس بيكو” و”وعد بلفور” تمنح الأولى سوريا ولبنان لانتداب فرنسي وتبقي الثانية فلسطين تحت انتداب بريطاني مشوش في خلفيته وعد بإعطاء اليهود الصهاينة حق إنشاء “بيت” قومي في فلسطين لإيواء يهود العالم المنكّل بهم.
ونفذ هذا التراجع البريطاني السلبي رئيس الوزراء البريطاني في تلك الحقبة لويد جورج ووزير خارجيته آرثر بلفور الذي أشرف على انجاز وتنفيذ وعد بلفور بالتنسيق مع قائد الصهيونية في بريطانيا حاييم وايزمان بالتعاون مع اللورد آرثر جيمس روتشيلد، أحد كبار أغنياء يهود بريطانيا والعالم الذي دعم ذلك المشروع مادياً.
وبالرغم من ان وعد بلفور وُقع في عام 1917 واتفاقية سايكس بيكو تم التوصل إليها في عام 1916 وفي الحالتين سرياً ومن دون علم الشريف حسين، فإن ونستون تشرتشل، وزير شؤون المستعمرات البريطانية بين عامي 1921 و1922 في وزارة لويد جوج والذي أصبح بعد ذلك رئيس الوزراء بين عامي 1940 و1945 ساهم في دعم إقرار وتثبيت هذين التراجعين البريطانيين بالنسبة إلى وعود بريطانيا للشريف حسين وفرض المشروع الصهيوني على فلسطين بدلاً من مراجعته لشرعيتهما القانونية والمبدأية الأخلاقية (حسب المؤلف).
ويؤكد الكاتب في مقدمة كتابه أن: الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي صُنع في بريطانيا، وان وعد ماكماهون للشريف حسين تم في عامي 1915 و1916 ما ساهم في انتصار قوات الحلفاء على ألمانيا وحلفائها العثمانيين من دون مردود.
إذن، فاتفاقية “سايكس بيكو” كانت تجري بين بريطانيا وفرنسا وروسيا في الوقت الذي يتم فيه بالمخادعة وعد بريطانيا للشريف حسين بدولته العربية. ففيما كانت الدول الامبريالية الثلاث توزع مناطق النفوذ فيما بينها بعد سقوط الدولة العثمانية، كانت الوعود الكاذبة تُقدم من بريطانيا للشريف حسين، كما تم بعد ذلك بسنة عام 1917 توقيع “وعد بلفور” مع القيادات الصهيونية البريطانية. وبالتالي فطبيعة النقاش الذي يدحضه كتاب شامبروك كانت إذا شمل وعد ماكماهون للشريف حسين ولاية فلسطين، إذ أن النسخة العربية للمراسلات بين الجهتين تؤكد ذلك فيما النسخة المحرّفة المترجمة تلعب على الكلام وتخترع ولايات لم تكن موجودة جغرافياً بحجة ترجمة تركية ـ عثمانية أجنبية للرسائل المتبادلة مع استمرار بريطانيا في حجب الرسائل المتبادلة باللغة العربية حتى عام 1939 لكونها لم تتجاوب مع الحجج التي قدمتها حكومات لويد جورج والوزراء آرثر بلفور وونستون تشرتشل، فالهدف البريطاني كان التخاذل والتراجع عن أي وعود (برأي شامبروك) ما يجعل وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو أكثر شرعية ويلغي أي وعود أخرى.
وبالتالي، فإنه إذا استندت إسرائيل إلى شرعية أي وعود قدمتها لها الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى (حسب شامبروك) فهذه “الوعود كانت باطلة لأن وعوداً أخرى قُدمت للشريف حسين وتم التراجع عنها. وعليه فإن إسرائيل من المنطلق الدولي، لا تتمتع بأي شرعية تاريخية تعود إلى قرارات الدول الفاعلة التي انتصرت في الحربين العالمية الأولى ومن بعدها الثانية”. ومن هذا المنطلق فإن شرعيتها بنظرها تعود إلى مراجع تلمودية قديمة جداً مرتبطة بالعهد القديم في الإنجيل وبتوراتها التلمودية اليهودية التي تطبّقها حالياً على المواطنين العرب في فلسطين عموماً وفي غزة ولبنان بشكل خاص، وتتجاوز عبرها وخلالها الشرائع الدولية حسب منطق العدالة الأممية المعمول به في العالم المتحضر.
وهنا تكمن أهمية هذا الكتاب الذي حظي بدعم من كبار المراجع العادلة حول الصراع العربي ـ الإسرائيلي وبينها الكاتب والأستاذ ايلان بابيه، المحاضر البارز في جامعة اكستر البريطانية وزميله في جامعة أكسفورد العريقة آفي شلايم وكُتّاب عرب آخرين، علماً أن شامبروك يحمل شهادة الدكتوراه من جامعة كمبردج البريطانية وكان مستشاراً لشؤون الشرق الأوسط في جامعة درهان البريطانية وفي مركز الدراسات اللبنانية في جامعة أكسفورد.
عدد الرسائل المتبادلة بين الشريف حسين وماكماهون آنذاك كان عشر رسائل بالعربية بين عامي 1915 و1916 ولم تكن قبل ذلك بريطانيا مهتمة بالقومية العربية إنما انطلقت في ذلك المجال إثر حرب الحلفاء على العثمانيين وقلق بريطانيا من دعوة (امكان توجيهها) إسلامية عثمانية للجهاد ضد البريطانيين وحلفائهم فيما كان الشريف حسين يخشى ان تقيله الدولة العثمانية من منصبه الملكي إذا انتصرت تركيا وحليفتها ألمانيا في الحرب (ص37). كما يؤكد المؤلف أن “ماكماهون وافق على شروط الشريف حسين في إنشاء دولة عربية مقابل دعمه للحلفاء في الحرب في رسالة رقمها (2486/371) صدرت عن وزارة الخارجية البريطانية وتضم أيضاً بنوداً متعلقة بالمنشآت الدينية المقدسة في فلسطين وحمايتها”. (ص 45).
ويؤكد الكاتب أن فلسطين شكلت جزءاً في عام 1918 من السنجق الذي تشمله الولاية التي كانت موعودة للشريف حسين والتي شملت عدة سناجق بينها عكا ونابلس والقدس. (ص 47).
ولكن و(لسوء الحظ برأي الكاتب) فإن الحكومات البريطانية بين عامي 1920 و1939 قلصت مفهوم “الولاية” واستخدمت الترجمة التركية له التي تستثني فلسطين والأراضي الفلسطينية الموعودة للعرب ما “ساهم في انطلاق حرب فلسطين حول هذه الأراضي في المئة عام التالية”.
وقد دفع ماكماهون (برأي الكاتب) ثمناً لتمسكه في البداية بما ورد في اتفاقيته مع الشريف حسين فأُقيل من منصبه حكومياً لاحقاً وعُين في مكانه مسؤول متوافق مع الموقف المتخاذل البريطاني الحكومي الملتوي في حكومة لويد جورج وأعوانه.
غير أن المؤرخ البارز آرنولد توينبي، الذي كان يحتل دوراً خلال تلك الفترة في المنطقة، أكد في مقال نشره في صحافة بريطانيا بأن فلسطين كانت مشمولة في اتفاقية الشريف حسين مع ماكماهون (ص56). كما يؤكد الكاتب جورج انطونيوس، الذي عمل إدارياً مع بريطانيا في تلك الحقبة، بأن فلسطين اعتُبرت من جهات مختلفة “ملجأ” للشعب اليهودي ولم تُعتبر “وطناً” قومياً كما رأتها الجهات الصهيونية وفسرت تالياً وعد بلفور حسب مشيئتها. (ص70).
ويذكر المؤلف أن ونستون تشرتشل، وفي دوره كوزير شؤون المستعمرات بين عامي 1921 و1922 كانت لديه المسؤولية في توضيح موضوع رسائل الشريف حسين وماكماهون ولكنه أكمل سياسة المراوغة والخداع التي اعتمدتها وزارة الخارجية في وزارة لويد جورج ما يؤكد أن تشرتشل كان (حسب المؤلف) متعاطفاً مع الموقف الصهيوني فيما يختص بوعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو. (ص 146 ـ 145).
كما يرى المؤلف أن تشرتشل، حتى عندما أصبح في الواحدة والثمانين من عمره وبعد مرور حقبة على الحرب الأولى، وجه رسالة إلى الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور أكدت ان ميوله كانت صهيونية. وقد وجهت هذه الرسالة إلى ايزنهاور في عام 1956. (ص 146).
غير أن أرنولد توينبي استمر حتى النهاية في التأكيد بان فلسطين كانت جزءاً من الوعد الذي قدمه ماكماهون إلى الشريف حسين في عامي 1915 و1916 وان وعد بلفور لم يكن متوافقاً أو متكاملاً مع مثل ذلك التعهد البريطاني للشريف حسين بل كان يناقض ذلك الوعد ولا يكمله. وقد كتب توينبي ذلك في مقال له في عام 1922 (ص 147). كما يؤكد الكاتب ان توينبي “اعترف لاحقاً بأن وزارة الخارجية البريطانية قبلت تفسيره ولكن الحكومة البريطانية رفضت ذلك التفسير وخالفته نتيجة للضغوط الصهيونية عليها”. (ص 148).
فيما يؤكد المؤلف أن الشريف حسين ظل متمسكاً بموقفه حول أن فلسطين تشكل جزءاً من الوعد المكماهوني البريطاني حتى عام 1924 عندما حدث في تشرين الأول (أكتوبر) 1924 غزو قام به آل سعود على مكة أدى إلى احتلالها والفرض على الشريف حسين والهاشميين التخلي عن ملكية الحجاز، ثم تم نفيهم إلى قبرص. وتبع الشريف نجله الأكبر علي إلى المنفى في العام التالي 1925 إثر خسارة الهاشميين جده والمدينة المنورة. (ص 155).
ويؤكد الكاتب أن الشريف حسين الذي توفي عام 1931 اعتبر في مواقفه كما قالها إلى المقربين منه، ان رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج كان ثعلباً بهلوانياً. (ص 155 أيضاً).
ويعتبر المؤلف أن المصدر الأقرب إلى الحقيقة في هذا الموضوع كان آرنولد توينبي وان مقالته التي صدرت في عام 1970 بعد إضافته لتفاصيل إلى مقاله السابق في عام 1922 شكلت وتشكل مصدر احراج لجميع الحكومات البريطانية في هذا الشأن وعلى مواقفها ليس فقط إزاء العرب بل إزاء فرنسا والولايات المتحدة وعصبة الأمم المتحدة (ص 344) وخصوصاً أن “كل قرارات بريطانيا السابقة نحو فلسطين وُضعت جانباً، وكل التعهدات في هذا الأمر خلال الحرب الأولى أُخفيت بطريقة أو بأخرى وخصوصاً إذا كانت لا تتماشى مع الانحياز نحو الصهيونية في الحكومات المتعاقبة حتى تأسيس إسرائيل”. (ص 345).
والوثائق الأولية المنشورة (حسب المؤلف) تؤكد أن حكومة لويد جورج التزمت في عام 1917 سياسة إنشاء “بيت قومي لليهود في فلسطين وروجت لهذه السياسة في عام 1922 عبر الانتداب البريطاني على فلسطين، وأن الضغوط الصهيونية كانت أقوى من أي ضغوط عربية في المراحل المصيرية من هذا المشروع على الحكومة البريطانية وان البرلمان الإنكليزي تماشى مع مشروع إنشاء بيت قومي لليهود في فلسطين” (ص 348). وهذه المسؤولية (برأي الكاتب) “لا تقع على ماكماهون وحده، بل على السلطة البريطانية التي أقالت ماكماهون وأكملت مسيرة الخداع والازدواجية بقيادة لويد جورج وبلفور وأعوانهما، وأن الشريف حسين ظل حتى اللحظة الأخيرة من سلطته في الحجاز متمسكاً بان فلسطين تُشكل جزءاً من المملكة العربية التي وعدته بريطانيا بإنشائها في حال مساعدته لها في حربها العالمية الأولى ضد ألمانيا التي انتصرت بها”.
وقد نفّذ الشريف حسين (حسب المؤلف) “تعهده في هذا المجال، غير أن الحكومة البريطانية بقيادة لويد جورج وبعض الذين تبعوه تخلفت وتقاعست لأسباب مختلفة (ص 350)”.
ان هذا الكتاب (برأي المؤلف): لا يتناول إذا كان للشريف حسين الحق في أن ينشر سلطته في فلسطين أو غير ذلك. ولكن المؤلف يؤكد بأن فلسطين كانت موعودة للشريف حسين كجزء من أراضي مملكة العرب في مناسبتين من قِبل بريطانيا الامبريالية، وان بريطانيا أخفقت في تنفيذ وعودها ما ساهم في وضع الأسس للمواجهة المستمرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين (حتى الساعة وبعد مرور قرن على ذلك). ومن أجل تضميد الجراح التي سببها ذلك الانحراف التاريخي الخطير، يجب على الأقل معرفة حقيقته ومحاسبة القياديين المسؤولين عنه بدلا من مكافأتهم!
Peter Shambrook: “Policy of Deceit”
One World Academic, London 2023
404 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية