بيروت- “القدس العربي”: بعد فشل المجلس النيابي للمرة الثانية في انتخاب رئيس لبناني جديد وعلى بعد أيام من انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال عون والخشية من دخول البلاد في فراغ رئاسي، شدّدت وزيرة خارجية فرنسا كاترين كولونا على أهمية انتخاب رئيس الجمهورية، وذكّرت بتمسّك بلادها بحسن سير عمل المؤسسات اللبنانية لإخراج لبنان من الأزمة الخطيرة جداً التي يواجهها منذ شهور، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية المنصوص عليها في الاتفاق الموقّع مع صندوق النقد الدولي.
وجالت الوزيرة الفرنسية على كل من رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بيري ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، مؤكدة في ختام جولتها من مطار بيروت “أن الرسالة التي تحملها هي وجوب احترام الاستحقاق الدستوري وهذه ضرورة أساسية للبنان وهو لا يحتمل خطر الفراغ في السلطة”. وأشارت إلى “أن انتخاب الرئيس اللبناني المقبل يعود إلى اللبنانيين وحدهم، وعليهم اختيار رئيس يستطيع أن يرأس الشعب ويعمل مع اللاعبين الإقليميين والدوليين لتخطّي الأزمة الحالية لضمان استقرار وأمن وسلامة لبنان”. واعتبرت “أن الاتفاق التاريخي الذي عقده لبنان مع إسرائيل في موضوع ترسيم الحدود البحرية لن يحلّ مكان الإصلاحات التي تبقى أولوية”، مشددة على أنه “يجب تطبيق الاتفاق مع البنك الدولي وهذا الخيار الوحيد لإرسال رسالة ثقة إلى المستثمرين والإتيان بالتمويل الذي يحتاج إليه لبنان”. ورأت أنه “من غير المقبول أن يستمر الشعب اللبناني بتحمّل عواقب أزمة هو غير مسؤول عنها ونحن ندعم هذا الشعب ونساعده طالما يُساعد نفسه”، وذكّرت بأنه “بعد عامين من انفجار مرفأ بيروت ينتظر اللبنانيون العدالة بعيداً عن أي نفوذ سياسي”.
وعن موضوع النازحين السوريين، أشارت كولونا إلى “أن الاتحاد الأوروبي تمكن من جمع مبالغ للغاية لمساعدة النازحين، وهي مأساة إنسانية يتحملها لبنان ومفتاح هذا الوضع يتعلق بتحسن الأوضاع في سوريا”.
وكان الرئيس عون طلب من الوزيرة كولونا “مساعدة فرنسا في موضوع إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم بعدما بات عددهم يفوق المليوني شخص في لبنان، والذين يعيشون في ظروف صعبة أيضاً بسبب عدم قدرة لبنان على تأمين الاحتياجات اللازمة لهم، وقد ظهرت أخيراً إصابات كوليرا في عدد من مخيمات إيوائهم، إضافة الى المشاكل الاقتصادية والمعيشية والأمنية التي يسببها هذا العدد الضخم من النازحين”. وشدد عون على “أهمية عودتهم الى بلادهم، خصوصاً وان العودة آمنة في ظل الاستقرار الذي تنعم به معظم المناطق السورية”، مجدداً “رفض لبنان القاطع لدمج النازحين في لبنان”، ومعتبراً أن “اللبنانيين جميعاً يقفون ضد هذه الخطوة لما تحمل من سلبيات للشعبين السوري واللبناني على حد سواء”.
ولفت إلى “أن موافقة لبنان على الصيغة النهائية التي اعدها الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين لترسيم الحدود البحرية الجنوبية، ستشكل مدخلاً أساسياً لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعاني منها لبنان، وستساهم في النهوض الاقتصادي اللبناني من جديد والانطلاق في ورشة إعادة الإعمار”، شاكراً فرنسا على “دورها في تحقيق هذا الترسيم”، معوّلاً على “دور مهم يمكن أن تقوم به في المساعدة على وضعه موضع التنفيذ”.
وأكد عون “العمل من أجل إنجاز الاستحقاق الرئاسي، فضلاً عن سعيه إلى تشكيل حكومة جديدة لا سيما وأن الوقت لا يعمل لمصلحة لبنان، في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها، وأنه من المهم جداً التوافق على رئيس جديد للجمهورية يتولى مهامه ويضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة واستكمال عملية مكافحة الفساد”.

وخلال اللقاء مع الرئيس ميقاتي، شكر الأخير فرنسا “على وقوفها الدائم إلى جانب لبنان ودعمها له على الصعد كافة، وعلى العلاقة الخاصة بين فرنسا والشعب اللبناني، والتي يعبّر عنها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في كل المحافل الدولية”.
وطلب رئيس الحكومة من الوزيرة الفرنسية “مؤازرة بلادها لبنان في حل أزمة النازحين السوريين على أرضه وإعادتهم إلى بلادهم”.

كذلك شكر الرئيس بري خلال اللقاء مع كولونا فرنسا “على الدور الذي لعبته وتلعبه لمساعدة لبنان على تجاوز أزماته لا سيما منذ زيارة الرئيس ماكرون الأولى للبنان والدور الذي لعبته أيضاً خاصة بما يتعلق بترسيم الحدود البحرية اللبنانية الجنوبية وتلبية شركة توتال لمطالب لبنان في البدء بأعمال الحفر والتنقيب في أسرع وقت ممكن”.
وأوضح المكتب الإعلامي في الرئاسة الثانية “أن الزيارة كانت مناسبة أيضاً للبحث في أمور تتعلق بالانتخابات الرئاسية والوضع الحكومي والواقع الاقتصادي وما قام ويقوم به المجلس النيابي من إنجاز للقوانين والتشريعات التي تندرج في سياق القيام بالإصلاحات المطلوبة إصلاحياً ومن قبل صندوق النقد الدولي”.

بموازاة ذلك، علّق الحزب التقدمي الاشتراكي على “ارتفاع وتيرة الخطابات والتصريحات الشعبوية التي تتخذ منحى عنصرياً في حق النازحين السوريين في لبنان وتستخدم الذرائع ذاتها في كل مرة”، كما ورد في بيان صادر عن الحزب الذي أكد “موقفه الثابت لناحية ضرورة توفير العودة الآمنة للنازحين لضمان حياة الذين فرّوا من جحيم القهر والقتل”، وسأل “من يصر على إعادتهم بشكل مريب، أي ضمانات أمنية أو عسكرية توفرت؟ ومن هي الجهة التي أعطت تلك الضمانات الوهمية؟ وما هي مبررات الضغط بهذا الاتجاه غير الإنساني طالما أن عوامل القمع والاعتقال والقتل لا تزال على حالها في سوريا؟”.
ورأى الاشتراكي أن “ما يعانيه لبنان واللبنانيون من أزمة معيشية واقتصادية ومالية خانقة، لم تكن مسألة النزوح السوري واحدة من أسبابها الفعلية، بل إن الأسباب الحقيقية معروفة ومردها بالدرجة الأولى إلى سوء سياسات وسوء الإدارة والهدر والفساد في العديد من القطاعات التي لا تزال ترزح تحت هذا الثقل، ومعالجة كل ذلك تنطلق من سلسلة إجراءات وإصلاحات أساسية باتت معروفة أيضاً، وسوى ذلك ليس إلا تعمية لا تنطلي على أحد، فيما التحريض على النازحين يضاعف من المخاطر الاجتماعية والأمنية ولا يقدم أي فرصة حقيقية للحل”، وختم “كفى لهذا العهد التحدث عن إنجازات وهمية”.
وكان رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع شدّد أمام السفير البلجيكي كون فيرفاك على “أن لبنان لم يعد باستطاعته تحمل أعباء النزوح السوري لا على المستوى الديموغرافي ولا على مستوى البنى التحتية، من مدارس ومستشفيات وطرقات وكهرباء وغيرها، ولا على المستوى الاقتصادي، وبالتالي يجب الضغط على النظام السوري لإعادتهم في أقرب وقت ممكن وإلا توزيعهم على البلاد العربية التي تملك القدرات ويمكنها استيعابهم ديموغرافياً”. ورأى أن “ما يطرح من توافق وتسوية حول هوية الرئيس العتيد يعني أن الحلول لن تكون متاحة بالنسبة للأزمة التي نعيشها وسيبقى الوضع على ما هو عليه من انهيار وفشل وأزمات”.