بيروت- “القدس العربي”: نجح رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، في منع تفجر أول جلسة تشريعية عقدها المجلس منذ انتخابه، إذ تجاوز الأوراق الواردة ولم يسمح للنواب بالإدلاء بأي مداخلة سياسية في بداية الجلسة، وفقاً لما أوردته “القدس العربي” في وقت سابق، مجنّباً بذلك المجلس الدخول في الاتهامات والردود بين نواب القوات اللبنانية وحزب الله، على خلفية توقيف راعي أبرشية حيفا والأراضي المقدسة والمملكة الهاشمية، المطران موسى الحاج، عند معبر الناقورة ومصادرة أموال وأدوية مقدمة من لبنانيين فارين إلى إسرائيل متهمين بالعمالة.
وعلى هذا الأساس، باشر بري بعملية انتخاب أعضاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء على وقع اعتصام نفّذه أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت، اعتراضاً على هذا المجلس الذي وصفوه بـ”البدعة للهروب من التحقيق العدلي ولمنع محاكمة المتهمين”.
وامتنع نواب القوات اللبنانية والكتائب وقوى التغيير عن المشاركة في عضوية هذا المجلس بعدما كان نائب القوات جورج عقيص والياس حنكش عضوين فيه. وأسفرت الترشيحات عن تسمية الأعضاء السبعة بالتزكية وهم: جميل السيّد بدلاً من نائب حزب الله علي عمار، الذي طلب الانسحاب، عبد الكريم كبارة، جورج عطالله، طوني فرنجية، أغوب بقرادونيان، فيصل الصايغ، عماد الحوت، وحلّ رديفاً النواب قبلان قبلان وجهاد الصمد وسليم عون.
وتوجه رئيس الكتائب النائب سامي الجميّل للرئيس بري قائلاً:” المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء عقيم ومقبرة للمحاسبة ولا حاجة له”، مطالباً بإحالة القضايا إلى القضاء العادي، فردّ برّي: “يمكنك تغيير الدستور”، فأجاب الجميّل: هذا ما سنفعله”.
وبعد الانتهاء من انتخاب الأعضاء، عبثاً حاول نائب رئيس حزب القوات اللبنانية النائب جورج عدوان ونائبة قوى التغيير بولا يعقوبيان ورئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل تغيير وجهة نظر الرئيس بري والسماح بالأوراق الواردة، لأن تجاوزها يشكّل مخالفة للنظام الداخلي، إلا أن بري أجاب صراحة “لا أتهرّب منها وهذا المجلس معوّل عليه لإنقاذ البلد ومن دونه لا خلاص للبلد، وأعد أنه في الجلسة المقبلة ستكون هناك أوراق واردة”، مضيفاً “ثم هناك جلسة لمناقشة الموازنة وعندها يمكنكم الإدلاء بخطابات، فلا نريد التمسك بالقشور ونترك الأصل”.
ولئن رغب الرئيس بري في تجنيب البرلمان أي مشادات وخلافات ولاسيما في حضرة السفيرة الأمريكية، دوروثي شيا، التي شاركت في جانب من الجلسة لمتابة إقرار مشروع السرية المصرفية، إلا أن الخلاف برز في مكان آخر عندما اعترضت نائبة قوى التغيير، حليمة قعقور، على طريقة التصويت على فتح اعتماد اضافي في باب احتياطي الموازنة، فتوجّه إليها رئيس المجلس بالقول “اقعدي واسكتي”، لترد قعقور: “شو هالطريقة البطريركية”، الأمر الذي دفع بنائب كتلة “التنمية والتحرير” علي خريس للقول لها “كوني مهذّبة”، لتجيب “أنا بطلة التهذيب”.
ولكن استخدام قعقور عبارة “بطريركية” استفز بعض النواب الموارنة ولاسيما في ظل الحماوة الدائرة حول موقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي من قضية المطران الحاج، فاعترض النائب فريد هيكل الخازن على العبارة وطلب شطبها من المحضر. وتدخّلت بولا يعقوبيان لتوضح أن كلمة “طريقة بطريركية تعني لغة فوقية ولا علاقة لها بالبطريرك”، فقال الخازن “أرفض استخدام عبارة بطريركية، قولي سلطانية أو إمبراطورية”.
ولم تنته الأمور عند هذا الحد، إذ علا الصراخ بين نائبة التغيير سينتيا زرازير وعضو “التنمية والتحرير” النائب قبلان قبلان، الذي سمع همساً من صفوف النواب التغييريين حول الرئيس بري، فوقف غاضباً ووصف زرازير بـ”صراصير”، فردّت سينتيا “يا عيب الشوم”، إلا أن قبلان أصرّ على وصفه وأضاف “ما بتخوفونا”. عندها تدخّل أمين سر هيئة مكتب المجلس النائب آلان عون لتهدئة الموقف بين النواب.
وعندما أراد نائب الكتائب سليم الصايغ تفسير كلمة “بطريركية” بأنها في علم السياسة تعني “سلطوية”، قال الخازن، الذي يُصنّف بأنه من حراس بكركي، “إن البطريركية تجسّد الكيان اللبناني وليس فقط المسيحيين والموارنة، وكلمة بطريركية مقدّسة بالنسبة إلينا ولا نقبل باستخدامها بمعنى سلبي كما حصل في الجلسة خصوصاً في الظّرف الذي نمرّ به اليوم في ما يخصّ قضية المطران الحاج”. وفي ضوء هذا التراشق، قال الرئيس بري “في ناس قاصدة إنو الجلسة ما تتم”.
على المستوى التشريعي، أخذ مشروع فتح اعتماد إضافي في الموازنة حيّزاً كبيراً من النقاشات. وطلب نواب التزاماً من الحكومة حول كيفية التعاطي مع القطاع العام وألا يعني الاعتماد الإضافي صرف النظر عن الموازنة. ورأى النائب مروان حماده “أن اضراب القطاع العام أدى إلى انحلال كامل”، واعتبر النائب اسامة سعد “أن البلد يسير بسياسات غير ثابتة”، واقترح تأجيل الموضوع. ودعا النائب ابراهيم منيمنة إلى “تسريع عملية توحيد سعر صرف الدولار لتوضيح موضوع الواردات”، سائلاً “كيف سنحاسب على قرارات استثنائية بين رئيسي الجمهورية والحكومة؟”. فيما سأل النائب الياس جرادي “عن كيفية التغطية لأن الصرف بلا تغطية يقضي على ما تبقّى من أموال المودعين”.
وردّ رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي مؤكداً “سعي الحكومة المستمر والحثيث لمتابعة ملف موظفي القطاع العام وذلك من أجل توفير حلولٍ لهم ضمن الإمكانات المتوفرة”، موضحاً “أن الانفاق محدود لأنه لا موارد ولا نريد إحداث تضخم كما حصل في سلسلة الرتب والرواتب”.
وعند التصويت على المشروع صدّق بموافقة نواب “التنمية والتحرير”، و”التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” و”حزب الله” وبامتناع نواب التغيير واللقاء الديمقراطي والنواب نعمت افرام وأسامة سعد وأشرف ريفي واعتراض نواب الكتائب.
كذلك، أقرّت الجلسة اتفاقية القرض المقدمّ من البنك الدولي بقيمة 150 مليون دولار أمريكي للاستجابة الطارئة لتأمين إمدادات القمح، فيما تمّ فصل القانون الملحق وأحالة إلى لجنة المال والموازنة للدرس.
وخلال النقاش، رأى النائب زياد حواط “أن هذا دعم مقنّع في ظل التهريب وآخر المستفيدين هو الشعب اللبناني وكل يوم نتكبّد خسائر أكبر”.
وقال رئيس الحكومة أمام النواب: “معظم ربطات الخبز التي يجري إنتاجها تذهب لغير اللبنانيين والجميع يعلم بذلك”. وعلّق على مطالبة بعض النواب برفع الدعم لوقف “بهدلة الناس” بالقول “نحنُ نأخذ في عين الاعتبار إرادة المجلس إذا كنتم تريدون رفع الدعم. لهذا، إذا كنت تريدون من الحكومة الإقدام على ذلك، أصدروا توصية من المجلس النيابي بهذا الشأن”.
فطلب النائب جبران باسيل رفع توصية من مجلس النواب، لكن بري قال له “يا جبران رفع الدعم هو من واجبات الحكومة وليست من واجبات المجلس”. فعلّق ميقاتي “نحن نأخذ بالاعتبار إرادة المجلس”. فأجابه بري: “هذه إطاعة غير مرغوبة”.
وسأل نواب وزير الاقتصاد عن سعر ربطة الخبر في حال رفع الدعم فقال “ستصبح بين 30 و35 ألف ليرة”، وتوجّه إليه النائب وائل ابو فاعور بالقول “لا آلية واضحة لديكم في العمل وتضعوننا أمام خيارين: إما رفع الدعم وحرمان الفقير من الخبز وإما التصويت على سرقة 75 مليون دولار”، مضيفاً “هل تعرف ابراهيم مردم بك؟ أنا أقدّم إخباراً في حقه بداعي وجود عمولات”.
وعلى الخط التشريعي، سحب الرئيس ميقاتي المشروع المتعلق بإلغاء إتفاقية قرض بين الجمهورية اللبنانية والوكالة الفرنسية للتنمية للمساهمة في تمويل إستثمارات القطاع الخاص في مجال توفير الطاقة والطاقة المتجددة، بعدما طالب نواب بالإبقاء على الاتفاقية.
إلى ذلك، تم إقرار تعديل قانون السرية المصرفية بعد نقاشات وإدخال تعديلات عليه ورفعت الجلسة إلى المساء.

على هامش الجلسة، سجّلت “القدس العربي” عدداً من اللقطات.
– حضور السفيرة الأمريكية دوروثي شيا جانباً من الجلسة حيث شاهدت بنفسها التراشق بين النواب.

– انقطاع التيار الكهربائي أكثر من مرة وتوقف التبريد ما دفع بالرئيس بري وعدد من النواب إلى خلع ستراتهم، فيما طلب رئيس لجنة الصحة بلال عبدالله فتح أبواب القاعة لا خوفاً من “كورونا” فحسب بل من “جدري القرود”.
– انسحاب نائب القوات رازي الحاج من الجلسة اعتراضاً على إقرار مواد قبل مناقشتها ثم عاد بعد فصل القانون الملحق عن اتفاقية القمح.
– كشف النائبة سينتيا زرازير أنها تتعرّض لتلطيش من قبل بعض النواب وأنها تركن سيارتها عند مدخل قبو المجلس النيابي لأنها لم تحصل حتى الساعة على موقف خاص لسياراتها أسوة ببقية النواب.
