يُحذّر كثير من المتداخلين في الشأن العام عادةً من مخاطر كلٍّ من «التكفير» و«التخوين» إلى درجة أن هذا التحذير بات من المقولات الكلاسيكية في الثقافة العربية المعاصرة، مع مطالبات بتجريم التكفير والتخوين قانونياً، نظراً لعواقبهما الوخيمة، التي تصل إلى درجة القتل. وليس في تلك المطالبات مبالغة طبعاً، خاصة في بلدان ارتُكبت معظم اغتيالاتها السياسية تحت حجة «الخيانة» وتنتشر فيها جماعات متطرّفة، توصف بـ«التكفيرية».
يمكن الجدل أن تحديد «الخيانة» شأن سيادي للدول، تعرّفه قوانينها، وتعاقب عليه، ولا معنى لاتهام أي شخص بها، إلا ضمن سلسلة متكاملة من المفاهيم، عن الشعب، وحدود الدولة، ورواياتها المؤسّسة، وأعدائها وأصدقائها، وبالتالي فهو ينطبق على من يتمتعون بصفة المواطنة فيها فحسب، وإذا قامت قوة سياسية ما، أو أفراد، باتهام الآخرين بالخيانة، ومعاقبتهم عليها، فهذا يعدّ انتهاكاً مباشراً للسلطة الشرعية للدولة، وانتزاعاً لصلاحياتها. أما «التكفير» فيجب أن لا يكون مشكلة في عالم مثالي، لأنه من حق كل مجموعة دينية، نظرياً، أن تضع حداً فاصلاً بين الإيمان بمعتقدها، والكفر به، وإقصاء الأفراد الذين لا يطابقون أساسيات تصوراتها عن العقيدة، دون أن يؤثّر هذا على حقوقهم خارج المجتمعات الدينية. إلا أن التكفير في حالة كثير من الدول العربية والإسلامية، يصبح تهديداً مباشراً لسلامة الأفراد، لأن تلك الدول لا تراعي حرية المعتقد، سواء في دساتيرها، التي تؤكد على «دين الدولة» أو في قوانينها التي تعاقب على «ازدراء الأديان» الذي قد تصل عقوبته إلى الإعدام، كما في الحالة الباكستانية. فما بالك بممارسات الجماعات الإسلامية المتطرفة، ضد من تعتبرهم «مرتدين».
يصبح الأمر أشدّ تعقيداً بين الدول الناطقة بالعربية، إذ تتيح اللغة المشتركة اطلاعاً كبيراً على الحوارات الدائرة في بلد معيّن، لجمهور واسع من بلدان أخرى، وبدلاً من أن يكون هذا فرصة للغنى والتنوّع الثقافي، يؤدي لارتباك كبير، ويوسّع إمكانية التخوين والتكفير. فقد يتعرض الأفراد للتخوين من قبل مواطني دولة أخرى، لا تجمعهم بهم أي رابطة سياسية؛ فيما قد يواجه أحدهم فتوى تكفير، تصدر من مرجعية دينية في بلد بعيد.
لا تُفسّر الجرأة في التخوين والتكفير هنا إلا المفاهيم القومية/الإسلامية العابرة للحدود، وإذا كان المثال الأشهر والأكثر تطرفاً هو تكفير مرشد الثورة الإيرانية آية الله الخميني، لكاتب هندي، يحمل الجنسية البريطانية، ومن المفترض أنه مسلم، هو سلمان رشدي (لينفّذ الفتوى بعد عقود شاب لبناني) فإن حالات التخوين والتكفير العربية، المبنية على المفاهيم العدوانية لـ«الأمة» تكاد تصير ظاهرة يومية حالياً، مع تصاعد الحروب والصراعات في المنطقة.
إلا أن مشكلة التخوين والتكفير لا تقتصر على العواقب القانونية المباشرة، والعنف الفيزيائي الذي قد يتعرّض له ضحاياهما، بل تؤسس لظاهرة أكثر إرباكاً، يمكن تسميتها «الابتزاز الثقافي» تقوم أساساً على التهديد الضمني، العابر للجنسيات، بإمكانية اتهام الآخر بالكفر أو الخيانة، لإسكاته أو دفعه إلى التراجع عن مواقفه. وهي طريقة يبدو أنها فعّالة، تعمل بكفاءة في الفضاء العربي، وتنجح بإرهاب أفراد وجماعات بأكملها، رغم الاختلاف الشديد في ظروف متحدثي العربية، ومشاكلهم السياسية، بل حتى ثقافاتهم وأنماط حياتهم. كيف ينجح بعض «العرب» فعلاً في ابتزاز بعضهم الآخر؟ هل ما زلنا نعيش فعلاً في «الأمة» التي تفرض علينا فروضها والتزاماتها؟
أخلاق الابتزاز
يمكن ادعاء مصادر أخرى للابتزاز الثقافي الدارج بالعربية، غير الدين والقومية، وعلى رأسها الأخلاق، إذ يتهم كثيرون غيرهم بانعدام الحس الإنساني، بسبب عدم مبالاتهم المفترضة بضحايا نزاع معيّن، لكنّ هذا المنطق الأخلاقي غير متسق، فالنزاعات كثيرة جداً في المنطقة، ويروح ضحيتها مئات الآلاف، في حين أن الابتزاز يدور غالباً حول قضايا تتمتع بمركزية أيديولوجية معيّنة. وعادةً لا يلقى ضحايا النزاعات الأهلية، كما في السودان مثلاً؛ أو مآسي طوائف وعرقيات غير عربية وغير إسلامية، مثل الإيزيديين العراقيين، الاهتمام الذي يلقاه ضحايا القضايا «القومية». المسألة ليست أخلاقاً إنسانية مجرّدة إذن، وإنما سياسة. السياسة هذه تكتسب شحنتها الأخلاقية المفرطة من مقولات أيديولوجية ما، تضع المجموعة العربية أو الإسلامية كلها (دون تعريفها سياسياً أو حتى اجتماعياً) تحت تهديد وجودي من عدو خارجي، مغاير عرقياً ودينياً، يوسم غالباً بـ«الاستعمارية» أو «الإمبريالية» (وأيضاً دون تقديم تعريف دقيق لهما في عصرنا، يمكن إثباته أو تكذيبه). هذا ينتمي أكثر لعوالم أيديولوجيات «التحرر الوطني» بتراثها المتراكم، الذي دمج في أحيان كثيرة بين النزعة القومية المتطرفة، والمقولات الماركسية حول المواجهة الأممية للإمبريالية. وقد أتاح هذا الدمج، في مراحل متأخرة من «التحرر الوطني» في القرن الماضي، اعتبار كثير من الجماعات المتشددة ديناً وقومياً، شكلاً تقدمياً (موضوعياً) من مقاومة النظام العالمي؛ وإن كان محافظاً أو رجعياً (ذاتياً). أضيفت إلى هذا التصور، في قرننا الحالي، مقولات مقتبسة من الناشطية الغربية، وسياسات الهوية، عن مجموعات سكّانية كاملة مضطهدة، بسبب العنصرية أو الاستشراق الغربي. وهو تصور يُسقط تعددية وصراعات المجتمعات «المضطهدة» عندما يعتبرها كتلة واحدة، يوحّدها التعرّض لاضطهاد «الرجل الأبيض» هذا إذا لم يسبغ عليها صفة «الأصلانية» أي كونها مجموعة عضوية من السكان الأصليين، الذين عانوا من مشاريع التحديث الكولونيالي، ما أدى لاقتلاعهم من الأرض، وتدمير أنماطهم الثقافية والاجتماعية، ورغم إمكانية رصد جذور ذلك الابتزاز الثقافي، الذي يدمج الدين بالقومية بيسارية التحرر الوطني والناشطية، يبقى من المثير للاستغراب الجرأة الشديدة، التي تقترب من الوقاحة، في استعماله بين متحدثي العربية، كأن يتكلّم مدوّن مصري عن «صهينة السوريين»؛ أو أن يلوم ناشط لبناني هذا الشعب أو ذاك لـ«حساسياته» ما يعني أن هنالك مجموعات بشرية ضخمة، يجب تعريضها لخزي جماعي، كي تعود إلى حظيرة ما يُعتبر الأمة أو الهوية المضطهدة، التي يعرف أولئك المدونون والناشطون، بشكل لا يرقى إليه الشك، ما يجب أن تكون أولوياتها، والمسائل التي يجب أن توحّدها. لا يمكن لمنطق كهذا أن يستقيم، إلا بافتراض راسخ عن الأحادية، إذ يبدو أن كلنا يجب أن نقتنع، بشكل سابق لكل ظروفنا وصراعتنا ومواقعنا وآراءنا، ومتعالٍ عليها، بما تفرضه علينا حتمية ثقافية معيّنة، يحددها أفراد، قد لا يجمعنا معهم أي شكل من أشكال العقد الاجتماعي، ولا حتى نشترك معهم بجنسية. قد يجعل هذا من «الثقافة» لعنة تلاحق حاملها، معرّضة إياه لأشكال معقدة ومتقاطعة من الابتزاز، في «الشرق» و«الغرب» ومن العنصريين ومناهضي العنصرية المزعومين معاً، بدلاً من أن تكون فضاءً يُسهّل التواصل؛ والأهم أنها تصبح نقيضاً لأي علاقة تعاقدية: ليس المهم الموقع الذي اخترته لنفسك، بما يتفق مع ما تفترض أنه مصالحك، والاختيار ليس متاحاً أصلاً، «الأمة» تراقبك!
نهاية أمة؟
يسهل إذن رصد المشتركات بين منظور الابتزاز الثقافي، مهما ادعى التحررية، وأيديولوجيات الأنظمة القمعية، القومية والإسلامية، التي تفترض الأحادية ذاتها، ومفهوماً عن الأمة العضوية غير التعاقدية، بين رعاياها. إلا أن تلك المشتركات لا يمكن أن ترقى إلى مستوى تأسيس اضطهاد فعلي جديد، خاصة مع اضمحلال أو سقوط كثير من الدول العربية، بأجهزتها العنفيّة والأيديولوجية؛ وموجات التهجير الواسعة؛ وتعدد مصادر التأثّر الثقافي بين ناطقي العربية المعاصرين.
سيبرز دائماً أفراد، ومجموعات، تتحدث بما لا يعجب «الأمة» وناشطيها، والابتزاز الثقافي لن يكون فعّالاً في إسكاتها، ولن يؤدي غالباً إلا لكثير من اللغط والسجالات وتبادل الاتهامات، ما سيخلّف في النهاية حساسيات، قد تستمر لسنوات طويلة مقبلة، بين شعوب المنطقة، باختلاف جنسياتهم وإثنياتهم وأديانهم وطوائفهم. ليس هذا بالتأكيد مبشّراً بالخير لـ«الأمة».
ربما تنتهي «الأمة» فعلاً بعد كل هذا، إلا أن ذلك لن يكون بالضرورة خبراً سيئاً، إذ تجمع أبناء دول المنطقة روابط ثقافية واجتماعية وتاريخية، أعمق بكثير من المفاهيم الرديئة للابتزاز الثقافي، والسجالات الحالية لن تُسقط تلك الروابط، رغم كل ما تخلّفه من جراح، وإن كانت قادرة على إسقاط الأيديولوجيات، القومية والدينية والناشطية، التي يصعب فهم سبب شعور حامليها البالغ بالاستحقاق.
يبقى أن القضايا المحرّكة لكل تلك السجالات ليست وهماً بالتأكيد، إذ يعاني سكان المنطقة من ظروف قاسية متشابهة، على رأسها الحروب والاحتلال والانهيارات الاقتصادية وفشل الدول، وربما كان الأجدى بالمتداخلين بالشأن العام، أن يتداولوا تجاربهم وخبراتهم حول تلك القضايا، مستغلين لغتهم المشتركة، على أساس احترام تعددية المواقع والرؤى، بدلاً من محاولة فرض القضايا المركزية على بعضهم، عبر الابتزاز الثقافي.
ما ينطبق على العلاقة بين المتحدرين من الدول الناطقة بالعربية، ينطبق أيضاً، وأساساً، على أبناء الدولة الواحدة، إذ أن التخوين والتكفير والابتزاز، وافتراض الأحادية والعضوية، دون مراعاة الاختلافات الاجتماعية والفكرية، ممارسة مجرّبة كثيراً، وأكثر من «يبدع» فيها حالياً الميليشيات. من السهل تصوّر كيف يمكن لأمة عضوية التحوّل إلى ميليشيا عقائدية، إذ لن تعدم ذكوراً متحمّسين، يجوبون الشوارع بالسلاح، عند أول انهيار كبير، ليستعيدوا أمتهم الضائعة، وقيمها، ويحاولوا فرضها على الآخرين. كل الدول الناطقة بالعربية معرّضة اليوم لذلك النوع من الانهيارات.
كاتب سوري