في تراث الشعر العربي، ما نزال نعود إلى قُدامة بن جعفر (889 ـ 948) وآراء أدباء القرن الرابع الهجري في قولهم إن الشعر “قولٌ موزون مقفّى يفيد معنى، فإن لم يُفِد معنى فهو ليس بشعر ولو اشتمل على الوزن والقافية”. وفي عصر قريب يقول أحمد شوقي: والشعرُ إن لم يكن ذكرى وعاطفةً / أو حكمة ًفهو تقطيعٌ وأوزانُ”. ولكننا نجد في أجمل الشعر، بما فيه من معنى وذكرى وعاطفة وحكمة، شيئا من الغموض، يكثر أو يقل حسب موهبة الشاعر وثقافته، وتكون الاستجابة لذلك الغموض معتمدة على ثقافة المتلقّي، وعلى “موهبته” في التلقي كذلك.
وقد تكون أول الأمثلة على هذا في تراثنا الشعري ما جرى بين شاعر المتوكل العباسي، أبو تمام الطائي، الذي أنشد في مدح الخليفة قصيدة تحفل بضروب البديع والمحسنات اللغوية والتضمينات والإشارات مما استثار أبرز الحاضرين، وهو الفيلسوف الكِندي، الذي لا يمكن أن يوصَم بضعف الإحاطة بفنون القول والثقافة الشعرية. اعترض الكندي فسأل الشاعر: “لماذا تقول ما لا يُفهم؟” فردّ الشاعر على الفور بسؤال للسائل: “ولماذا لا تفهم ما يُقال؟”.
وفي مثالين أعرضهما هنا ما يشبه هذا التساؤل عن الغموض في قصيدتين من الشعر الأمريكي/الإنكليزي: قصيدة الشاعر الأمريكي والاس ستيفنز (1879 ـ 1955) بعنوان “صباح الأحد”، وقصيدة الشاعر الإنكليزي/الأمريكي ت.س.إليوت (1888 ـ 1965) بعنوان “الأرض اليباب”.
كان ستيفنز حقوقياً، درس القانون في هارفرد ونيويورك، واشتغل طوال حياته في شركة تأمين، ولم يُعرف عنه شاعراً حتى عام 1915 يوم نشرت له هارييت مونرو مؤسسة مجلة “شعر” الصورة الأولى لقصيدة “صباح الأحد” وتواصلت قصائده المنشورة في جذب اهتمام النقاد والشعراء منذ عشرينات القرن الماضي، على ما فيها من غموض غير مألوف في شعر القرن التاسع عشر وامتداداته الرومانسية في القرن العشرين، حتى صار يطلق على ستيفنز لقب “شاعر الشعراء وشاعر النقاد”. ولا يخفى ما في هذا الوصف من إشارة إلى أنه ليس شاعراً لعامة القراء ومحبي الشعر. لكنه استمر في طريقه وفاز بعدد من الجوائز الأدبية وصنوف التكريم. فما الذي “تقوله” قصيدة “صباح الأحد” وما هي مواطن الغموض فيها؟ أهي اللغة، أم الصور، أم الإشارات، أم هذه جميعاً؟
هذه قصيدة طويلة قوامها 118 سطراً / بيتاً، تنقسم إلى ثمانية مقاطع، في كل مقطع فكرة أو صورة، في لغة تقوم على كثير من الإيحاء والرمز.
يدور “موضوع” القصيدة حول امرأة تجاوزت سن الشباب، ربما، حكماً على نمط الحياة التي تحياها في دارها التي لا يصاحبها فيها سوى ببغاء، وهي تتمتع بهدوء بعد حمّام في صباح يوم أحد، في غرفة مشمسة، بدل أن تذهب إلى الكنيسة لتمارس طقوس الدين. و”فكرة” القصيدة: تأملات حول الدين والألوهية والموت والسعادة: أهي في هذا العالم الملموس المنظور، أم في عالم آخر يصوّره الدين للبشر بعد الموت! مظاهر الدَعَة والراحة التي يصوّرها المقطع الأول من القصيدة “تجتمع لتُبعثر” الصمت المقدس الذي يلازم فكرة القربان المقدس، أي صلب المسيح. الحاضر الواقع المنظور الملموس يتنافر مع الماضي الخيالي الروحي. تأملات هذه المرأة عن الحياة المادية المحسوسة تحملها إلى “مملكة الدم والضريح”، إلى فلسطين، حيث تسمع “صوتاً” يقول، ولا تجرؤ هي أن تقول إن ضريح المسيح في فلسطين ليس رواقاً تنتظر فيه الأرواح دورها لتدخل الجنة، عن طريق الإيمان بصاحب الضريح. إنه قبر رجل مات منذ القِدم. وبهذا لا يكون الجواب عن تساؤلاتها وافياً، مما يتناسب مع الموقف غير المحدد في القصيدة عموماً.
الغموض في لغة هذه القصيدة يأتي من اختيار الشاعر مفردات تعبّر عن العالم والدين كما يراه هو، لا كما شاع في الاستعمال. كلمة “العالم” اختار لها المقابل اللاتيني mundo بدل الاسم بالإنكليزية. كلمة خيال المألوفة بالإنكليزية اختار لها مرادفها fiction وجعله “خيالاً أسمى”. كل هذا يخدم فكرة التساؤل التي دفعت بعض النقاد إلى القول إن الشاعر يؤمن بمبدأ اللذة الدنيوية المحسوسة، المنظورة في “فطور متأخر من قهوة وبرتقال حريف المذاق” ويا له من فطور! ومن منظر ببغاء ذي عُرف متحرّك، يسرح على بساط أخضر في غرفة مشمسة تدفعها التأملات عن صور السعادة الدنيوية ومقارنتها بصور السعادة المتخيَّلة في الأديان إلى تساؤلات أكثر جرأة: لماذا تُعطي من حياتها وشبابها للموتى؟ هل يُخفق دمُنا وتنتصر جنّة الأرض التي هي كل الفردوس الذي نعرف؟ إن الغموض في الأفكار والصور التي يعرضها ستيفنز قد أتعَبت النقاد في أمريكا. ففي رسالة إلى هارييت مونرو يقول الشاعر “إن هذه القصائد الطويلة تجعلني أرغب في الاستمرار في معالجتها والإغراق في الغموض حتى أتوصّل إلى لغة كاملة الأصالة والإنطلاق خاصة بي”.
إذا كانت القصيدة من الغموض بحيث يصبح التفسير ضرورياً للفهم فكيف يكون تعريف الشعر إزاء مثل هذه القصيدة. يجيب أ.ي.هاوسمن على مثل هذا السؤال في محاضرة في كمبرج عام 1933: “أنا لا أستطيع تعريف الشعر أكثر مما يستطيع كلب الصيد تعريف الجُرذ. كلانا يعرف الشيء حين يراه”.
وفي قصيدة إليوت الكبرى “الأرض اليباب” يكون الغموض في استعمال ست لغات غير إنكليزية، وهي لغة القصيدة، لا يشرحها الشاعر ولا يفسِّر معانيها للقارئ، كما يكون في الإحالات والمقتطفات في مراجعها. وهذا لا يساعد القارئ كثيراً. هذا الإجراء من جانب إليوت يفترض في القارئ معرفة بهذه الخمسة والثلاثين كتاباً التي يقتطف، منها أو يشير إليها. كما يفترض في القارئ معرفة بالرمزية الفرنسية وشعرائها، وبقصيدة دانته الكبرى: الكوميديا الإلهية، وبأسلوب الصُوَرية الذي أشاعه عزرا باوند، وتأثر به إليوت، ومن بعده شعراء الحداثة في العربية مثل السياب والبياتي، الذي ربما يكون قد أفرط فيه كما أفرط في التضمينات والإحالات إلى كتب وشعراء قد لا يكون معظمهم في حصيلة القارئ الثقافية.
وقد أشار أهم النقاد في عقد السنين بعد ظهور قصيدة “الأرض اليباب” ومن جاء بعدهم إلى مسألة الغموض في القصيدة، بالتوكيد على المفردات اللغوية، كما على الصور والايحاءات باستعمال كتب وأعمال بلغات غير إنكليزية. وأحسب أن أول وأهم أولئك النقاد البروفسور آ.أ.ريتشاردز الذي كان أستاذا في جامعة كمبرج في عشرينات القرن الماضي، ثم كسِبته جامعة هارفرد، وكان أستاذي والمُشرِف على دراستي في مرحلة الماجستير. في الطبعة الثانية من كتابه “مبادئ النقد الأدبي” عام 1926 ألحق الناقد دراستين احداهما عن القصيدة، فغدَت تحليلاته الغذاء الروحي لمن جاء بعده من النقاد، في حديثه عن الغموض في التضمين أو عدم وضوحه.
يرى الناقد أن “أفضل الشعر غامض بالضرورة في أثره المباشر. لذا لا بد من إعادة القراءة قبل أن تأخذ القصيدة شكلا واضحاً يخلو من الغموض”. وثمة الشاعر الناقد وليم إميسن تلميذ ريتشاردز وصاحب كتاب “سبعة أنماط من الغموض” 1930، الذي يختار الأبيات 77 ـ 93 من القصيدة ويستعملها مثالاً لنمط من أنماط الغموض الذي لا يعود إلى الأساطير أو اللغات الأجنبية، بل إلى الصيغة الصرفية لبعض الكلمات التي قد تكون فعلاً أو إسم مفعول أو صفة، وهذا مما يجعل العبارة غامضة، لسبب لغوي.
هذا كله يقف إلى جانب العوز الثقافي، وعدم الإحاطة بأفضل الشعر الأوروبي، لجميع اللغات منذ هوميروس إلى المعاصرين من الشعراء، مما يجعل القصيدة التي يريدها إليوت أن تكون أمام القارئ المعاصر غير غامضة. لكنه يقول في مقالة عن دانته إن بمقدور الشعر الجيد أن يوصل المعنى قبل الفهم! ويقول أيضاً إن كثيراً من الشعر الذي أعجبه استطاع استيعابَه قبل الفهم!.
ليتني أعرف كيف؟