كيف نقرأ تراثنا الشعري الجميل في زمان لا شعر فيه ولا جمال؟وكيف نقرأ آراء نقاد الشعر الذين عاصروه في العصر العباسي الزاهر بخاصة؟ هل نقبل، أو نتقبل، تلك الآراء بوصفها أقرب إلى ذلك الشعر، في الزمان، والمكان أحياناً، ونحن ما نزال نرددها ونستشهد بها في مناسبات عديدة؟ أم ترانا نخضع تلك الأعمال الشعرية ونقادها إلى ذوقنا، أو أذواقنا، كل وطريقته؟
دفعني إلى هذا التساؤل ما ورد في كتب الأدب العربي وتاريخه مما روي أن أبا العلاء المعري سئل: أي كبار شعراء العصر العباسي هو الأفضل في رأيه فقال: «المتنبي وأبو تمام حكيمان، وإنما الشاعر البحتري». السؤال الذي يتبادر إلى الذهن قبل غيره: «لماذا لم يشرك المعري نفسه في هذا الحكم، وهو المعروف عبر العصور باسم حكيم المعرة؟». الجواب الأكثر غرارة من السؤال، هو أن المعري شديد التواضع، ربما يؤمن بقولهم: مادح نفسه كذاب. فترك الحكم لغيره. أو ربما لأنه شديد الإعجاب بالمتنبي وأبي تمام.
والسؤال الآخر، الأقل غرارة: هل يعد أبو تمام شاعر حكمة؟ وهل نجد من الحكمة في شعره ما يعادل أو يقترب من الحكمة في شعر المتنبي؟ يدفعنا هذا التساؤل إلى استعراض أمثلة من شعر المتنبي، وأبو تمام، والبحتري. والنص هو الحكم الذي يضيء الرأي النقدي. لأن النص ثابت والرأي النقدي غير ثابت، إذ قد تسير الرأي عوامل وأسباب لا تتصل دوما بالنص. فالشعر الإغريقي جاء قبل أفلاطون وأرسطو. والآراء النقدية استندت إلى النصوص مرجعاً.
يقول المتنبي:
قالوا: سكت، وقد خوصمت، قلت لهم/إن الجواب لباب الشر مفتاح
والصمت عن جاهل أو أحمقٍ شرفٌ/وفيه أيضاً لصون العرض إصلاح
أما ترى الأسد تخشى وهي صامتةٌ/والكلب يخشى، لعمري، وهو نبّاح.
ألا نجد في هذا، في كل زمان ومكان، حكمةً في كلامٍ موزون مقفى، يفيد معنى؟ وما الشعر غير ذلك؟
وفي موقفٍ شديد الصعوبة على النفس، يوم دبّ الفتور في علاقة المتنبي مع سيف الدولة، وبدأ الحسّاد يتخرّصون بالقول على الشاعر في غيابه، أملاً بنيل بعض ما أصاب من حظوة عند الأمير، فأشاعوا أن الشاعر قد مات، كان جواب الشاعر جواب حكيم هادئ، يبين حماقة الحساد، بلغة فيها من المرارة ما يفوق صفعةً على وجوه الحساد:
كم قد قتلت، وكم قد مت عندكم/ ثم انتفضت فزال القبر والكفن
قد كان شاهد موتي قبل قولهم/ جماعةٌ ثم ماتوا قبل من دفنوا
ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه/تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
أليسً هذا جواب حكيم عاقل على شر ذمةٍ من الجهلة «الزحافطة» أي الزاحفين على البطون، جمع «زحفطون»؟
وشعر أبي تمام الطائي شعر جميل بجميع المقاييس. ولكن أين الحكمة في قصيدة «فتح عمورية» مثلاً:
السيف أصدق إنباءً من الكتب/ في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
القصيدة مديح بشجاعة الخليفة المعتصم، في ذوده عن حمى ديار الإسلام، وتسخيفٌ لما ورد في كتب المنجمين الذين نصحوا المعتصم بالتريث في الهجوم على الدولة البيزنطية «حتى ينضج التين والعنب»! ولكن لا أرى إلا ظلالاً للحكمة في هذه القصيدة الأشهر، لا أحسب أنها تجعل منه «حكيماً» يضارع المتنبي في عباراته الحكيمة في ما كتب من شعر. ثمة أمثلة لا تخلو من حكمةٍ في شعر أبي تمام، ولكنها حكمة أشبه بكلام شيخ موجه إلى أبنائه:
إذا ما رأس أهل البيت ولى/ بدا لهم من الناس الجفاء
وما من شدة إلا سيأتي/ لها من بعد شدتها رخاء.
أما الحكمة في شعر أبي العلاء المعري، فلا أحسب محباً للشعر يغفل عما لدى حكيم المعرة من حكمة تكاد لا تخلو في جميع ما كتب من شعر: حكمة بائسٍ، حكمة ناقمٍ على الحياة، حكمة مدركٍ لما في طبيعة البشر من زيف، حكمة من لا ثقة له إلا في العقل:
يرتجي الناس أن يقوم إمامٌ/ ناطقٌ في الكتيبة الخرساء
كذب الظنّ، لا إمام سوى العقل/ مشيراً في صبحه والمساء
فإذا ما أطعته جلب الرحمة/ عند المسير والإرساء
إنما هذه المذاهب أسبابٌ/ لجذب الدنيا إلى الرؤساء
والمذاهب في زمن المعري أورثتنا المذاهب، لا الدينية، بل السياسية. تعرض الكلام الجميل المنمق، في النظرية، لكن التطبيق يظهر زيفها، لأن رؤساء السياسة جهلةٌ:
يسوسون الأمور بغير عقلٍ/ فينفذ أمرهم ويقال: ساسة.
فأفّ من الحياة، وأفّ مني/ ومن زمن رئاسته خساسة.
ما أشبه الليلة بالبارحة!
والحكمة الأشد وضوحاً، وإيلاماً، في شعر المعري، نجدها في إشاراته إلى الحياة والموت، وزيف التعلق بالحياة وزيف الجزع من الموت. وأحسب أن هذه القصيدة خير ما يمثل لذلك:
غير مجدٍ في ملتي واعتقادي/ نوح باكٍ ولا ترنمً شاد
وشبيهٌ صوت النعيّ إذا قيس/ بصوت البشير في كل ناد
تعبٌ كلها الحياة فما أعجب/ إلا من راغب في ازدياد
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب/ فأين القبور من عهد عاد
ربّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً/ ضاحكٍ من تزاحم الأضداد
فلماذا لم يصلح نقاد عصره ما نسب إليه من قول، وهو أفضل شعراء الحكمة؟
أما قول المعري «إنما الشاعر البحتري»، فهو قول يمكن فهمه على أساس أنه شعر وصف جميل ودقة في التعبير، وانفتاح على الحياة ومباهجها، ابتعاداً عن كآبة النظرة عند التأمل في الحياة ومصير البشر. نجد ذلك في قصيدته في وصف الطبيعة.
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً/ من الحسن حتى كاد أن يتكلما
ومن شجر ردّ الربيع لباسه/ عليه كما نشرت وشياً منمنما
ورق نسيم الريح حتى حسبته/ يجي بأنفاس الأحبة نعما
ومن أمثلة جمال الوصف قصيدة وصف بركة المتوكل:
تنصب فيها وفود الماء معجلة/ كالخيل خارجة من حبل مجريها
كأنما الفضة البيضاء سائلةً/ من السبائك تجري في مجاريها
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكاً/ مثل الجواشن مصقولاً حواشيها
ولا يقصّر عن ذلك قصيدته في وصف إيوان كسرى في المنحوتات الجدارية:
والمنايا مواثلٌ وأنو شروان/ يزجى الصفوف تحت الدرفس
وعراك الرجال بين يديه/ في خفوتٍ منهم وإغماض جرس
ومشيحٍ يهوي بعامل رمح/ ومليحٍّ من السنان بترس
تصف العين أنهم جدّ أحياء/ لهم بينهم إشارة خرس
في جميع ما عرضت من أمثلة شعرنا التراثي جمال في العبارة، وبراعة في الصياغة، بعضها يعرض من جمال الوصف أكثر مما يعرض من مقاصد الحكمة ولا أحسب أن مادة الشعر تتحمل التشريح والتجريح والتفضيل والمفاضلة، فكل قصيدة وكل شاعر يحسن النظر في شؤونه في إطار من الزمان والمكان، والظروف التاريخية والثقافية، بعيداً عن الهوى والمزاج الشخصي. وسوى ذلك يكون التعامل مع الشعر شبيهاً بالتعامل مع بضاعة تخضع للعرض والطلب، وحركة السوق والمؤشرات التجارية. وهذا قد يؤدي إلى اختفاء بعض شعرنا التراثي من الخارطة الثقافية، كما تختفي بضاعة أو أخرى من الأسواق، ولو إلى حين.