في عالم اليوم، وأكثر من أي يوم مضى، يظهر الكتاب في أوج بروزه جهةَ الاهتمام به، ويُسْر طباعته، حيث التقنيات الحديثة تلعب دوراً كبيراً في هذا المجال، وهذا من شأنه أن يسارع أي كان إلى طرح أي كتاب إلى السوق «الإلكترونية» وما في ذلك من مغامرة، ومن منافسة لذلك الكتاب الذي يمضي بعض الوقت في المطبعة ذات الاسم المعلوم بطريقة ما، وربما تتم الدعاية له، وبعد ذلك ينطلق إلى خارج دار النشر، وهو يحمل إمضاءة ناشر أو كلمة من لدن مؤلفه أو سواه. سوى أن الذي يجب أن يركَّز عليه هنا، هو الكتاب الذي لم يكن ذات يوم كما هو معروف الآن، أي كان مجرداً من كل علامة، كما في الأعمال التراثية: الشعرية منها والنثرية كذلك، ويعني ذلك أن الكتب التي تنتمي إلى زمن سالف، وتبعاً لأهمية الكتاب، أو مكانة الكاتب، نعثر هنا على تنويعات في الكتابة التي تعرّف به قبل أن يفتَح الكتاب، ولفطنة الناشر حين يسطّر كلمة على ظهر الغلاف، أو يكلّف شخصاً آخر، بوضع كلمة أو علامة، أو الجمع بينهما، أو يكون هناك المحقق الذي يتولى أمر كتابة هذه الكلمة باعتباره الأعلم بمحتوى الكتاب والأجدر بكتابة الكلمة تلك.
وعلينا في الحالة هذه أن نفرّق بين كتاب شعري وآخر نثري، وفي الشعري بدوره، يجري التفريق، من باب الضرورة القيمية، بين عمل/ ديوان شعري وآخر، على مستوى المثار حول هذا الشاعر أو ذاك، أو بالنسبة الناثر، وتحديداً في المجتمع الذي نعيش فيه، ويكون الماضي حاضراً ربما أكثر من الحاضر بكثير، بقدر ما يكون ثقل التقليدية النوعي. وهذا يجعل من مهمة واضع الكلمة شاقة وممتعة في آن: في الحالة الأولى، لحظة معرفة الكاتب/ المحقق، أو الباحث فيه أن هناك من يتربص به، أو يعلم بحقيقة الموقف منه. وما أكثر الكتب التي تصنَّف تراثياً، ولكن ردود الأفعال منها حتى على المستوى الرسمي لا تزل قائمة، أو يسهل تبيّن بنيتها القيمية أو السلطوية بالذات، أو حتى الرمزية، تبعاً لكل بلد عربي (إن تحدثنا عن البلدان العربية)، وفي هذا الوقت بالذات. كتابة كلمة على غلاف الديوان الشعري لأبي نواس غير المتنبي، وهذا من جهته غير المعري. أما في الجانب النثري فعلينا أن نكون أكثر تبصرة للراصد الثقافي أو الرقيب نفسه وكيف «يموَّل» إيديولوجياً، حيث المقص لا يتوقف عن القص والتشذيب أحياناً، وهناك لائحة محاذير وتوجيهات بذلك.
أي ما يتعلق بطبيعة السياسات القائمة وطابعها المذهبي، ومحرّكها الأمني، وهي تقيم فصلاً بين كاتب وآخر تراثياً طبعاً، لا بل وبين كتاب وآخر لذات المؤلف، كالموقف من المعري وأعماله الشعرية والنثرية المختلفة (بين رسالة الغفران، والفصول والغايات، ورسالة الملائكة، وسقط الزند …الخ).
لدينا هذا المثال والمتعلق بـ«المواقف والمخاطبات» للنفري (ت 354 هـ)، تحقيق آرثر آربري، وتقديم وتعليق د. عبدالقادر محمود، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1985. نجد أن الكلمة المكتوبة على ظهر الغلاف، مكونة من فقرتين، في الأولى إيراد العبارة المشهورة للنفري «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة»، والتالية حديث مقتضب في أقل من نصف صفحة الغلاف عنه (محمد بن عبد الجبار النفري، رائد الرمزية الرفيعة، في التصوف الإسلامي، عاش طوافاً مغامراً في أقطار الأرض، حتى استقر أخيراً بالقاهرة، التي توفي بها سنة 354هـ، ولا يحتفظ التراث الصوفي بشيء من مؤلفاته سوى كتابيه الرائعين المواقف والمخاطبات… الخ).
العبارة الأولى تقديم مختصر للكاتب، وإبراز لمكانته، من خلال قولته المشهورة، وفيما بعد يجري التعريف به وإظهار المكانة الكبيرة التي اشتهر بها، وما في ذلك من لزوم الاعتناء به. ولا بد أن خطاب الغلاف في إيجازه يسعى هنا لأن يكون في مستوى لغة النفري، أي كيفية إضاءة صورته المعرفية، وتفعيل إرادة البحث في أمره وقراءته والاهتمام به أكثر، إلى جانب أن هذه الريادية المشار إليها لا تنفصل عن تلك الإشارة إلى نقطة أخرى، وهي في التشديد على أن المتبقي من أعماله هو ما تم ذكره، وفحوى القول أن ثمة أيد لم ترد تداول اسمه وقراءته.
بطريقة أخرى يمكن التعامل مع كلمة الغلاف على أكثر من صعيد في المكاشفة أو المقاربة النقديتين، أو إخضاعها لعملية التحليل، أو التفسير والتأويل، أو القراءة السيميائية. لنجر تحليلاً آخر للكلمة المركَّبة تلك:
البدء بعبارة للنفري، وهي تشكل استهلالاً للكتاب.
البدء فيما بعد باسمه الكامل، من باب إنارته.
وهناك الجانب التعريفي بمن يكون، إذ يكفي أن يأخذ القارىء علماً بريادية الكاتب، حتى تتشكل لدية منظومة اعتبارات لما يكونه، وكيف أصبح رائداً في مجاله، وماالذي مكَّنه من ذلك…الخ.
إضاءة عنصر مسلكي له دور فيما انتهى إليه، فالطواف سعي إلى الاكتشاف، إلى الدخول في العالم، وليست المغامرة إلا المدخل العريض لبنية كتابته.
المتبقى من آثاره، وما أقله وأجلّه في آن، يعطي فكرة عن عامل الأسى في ذلك، أي ما يمكن أن يفكر فيه قارئه جهة مهمليه، أو خصومه وحسّاده، ودون ذلك لما كان هذا الأثر الوحيد. يعني ذلك أن ثمة تعميقاً لمجري بحثي معين، وسعياً إلى الدفع بالقارىء لأن يتحرك في هذا المنحى تحت تأثير الكلمة المسطَّرة، وهو ما ينبغي القيام به في أي محاولة أخرى.
لنأخذ مثالاً آخر، يخص كتاباً تراثياً يتمحور حول الإيروتيكا العربية – الإسلامية، ومنشور من قبل دار عربية عرِفت باستفزازيتها للكثير من دوائر الرقابة العربية قبل غيرها، حيث طبعت ونشرت عشرات العناوين المعتبَرة مرفوضة، أو لا تتناسب وهوى الرقيب السياسي العربي، وأعني بها دار/ شركة رياض الريس، أو «الريس» اختصاراً. والكتاب المنوَّه إليه، هو «تحفة العروس ومتعة النفوس» للتجاني (تحقيق: جليل العطية، منشورات الريس، ليماسول، قبرص، ط1، 1992)، والذي أبصر النور قبل ستة قرون، ورغم ذلك فإن محتواه يصدم «ذائقة» القيّم على الثقافة، وتقيّة المعرفة حتى الآن هنا وهناك.
كلمة الغلاف الخارجي وردت ضمن مستطيل، حال الكثير من منشورات الريس، حيث يرِدُ اسم المؤلف ومن ثم كتابه يليه اسم المحقق، ومن ثم بطاقة تعريف به، كما في «هذا الكتاب وضعه مؤلفه محمد التجاني لأحد الأمراء الحفصيين في تونس في أوائل القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، وهو بمثابة موسوعة في المرأة العربية تتضمن طائفة من الأخبار والنوادر والأحاديث والأشعار ومعلومات دينية وتاريخية ولغوية تخص المرأة جسداً وروحاً».
ثمة إبلاغ عن الكتاب في موضوعه وأهميته وخروجه عن نطاق المنضبط عربياً، وهو أنه مطبوع في الخارج، وهذا يشير في الحال إلى أن موضوعه مرفوض من قبل دائرة الرقابة العربية، وفي الوقت الذي ينتمي فيه إلى «جغرافية دار الإسلام»، لكنه متنحى جانباً، وما في هذا الرفض من تعزيز لعنف سلطوي، ديني موجه. والغريب في الأمر، كما هو مشار إليه، أنه مكتوب لأمير عربي – إسلامي، وذلك يفصح عن موقع سلطوي في أصل الكتاب، ومفارقة تلك العلاقة التي تصل الكتاب بالقارىء، ومن يكون المعني المباشر به. أتراه صادماً للرقيب العربي غير المعلَن عنه باسمه؟ أي أبعد من كونه ذلك الموظف الذي يتخلص في عين مبرمجة، ويد مكونة من عدة أصابع تحسن تحريك المقص تجاه ما هو مطلوب وما هو مرفوض؟ هل إن مجرد ورود اسم أمير عربي يعني تعرية من هم في السلطة، ممن كانوا وراء ظهور كمّ كبير من الكتب ذات العلاقة بمركزهم، إما بناء على طلبهم، أو تعزيزاً لموقعهم، ليكون الإهداء ليس حباً فيهم، وإنما خشية، وليكون هذا الإهداء أشبه ما يكون برشوة سياسية – ثقافية، أي للإعلام بأن الكتاب مجاز طالما أنه يحمل اسم ولي أمر سلطوي ما؟
في الجانب التوصيفي، لا يخفي التأكيد على موسوعية الكتاب، أي أنه ليس أكثر من مجموعة من المعارف المتصلة بالمرأة، سوى أن أخلاقية التقية العربية – الإسلامية هنا رادعة، حفاظاً لها على عفتها المزعومة، ودفعاً للبلاء عنها، أي كي لا يكون ذلك دافعاً لأن تُعرَف على حقيقتها.
في الجانب الآخر، أشيرَ إلى أن الكتاب يتركز حول المرأة العربية، وهي إشارة لا أراها في محلها البتة، إنما الصحيح هو «المرأة العربية – الإسلامية»، فقارىء الكتاب يعثر على كمّ هائل من الأجساد الأنثوية ذات أصول عربية، إيرانية، رومية، بربرية…الخ، وهذا يحتّم على المحقق أن يلتزم بهذا الجانب، ويخلص للتاريخ، إذ لا يجب أن يستهان بذائقة القارىء، بثقافته، حتى وهو خارج مضمار البحث المباشر. إذ إنه ما أن يقرأ عبارة «القرن الرابع عشر الميلادي»، حتى يمضي بفكره وقلبه إلى مناخات تاريخية، اجتماعية، ثقافية، دينية مغايرة لما هو عليه، جهة المساحة التي تمثَّلها الكتاب أو غطّاها، وفي هذا يكون من العدل التجاوب مع حقيقة ما كان وما هو قائم في التاريخ.
هذه الكلمة من جهتها، لا تخفي توجهها الفكري، أو نظرتها القيمية إلى التاريخ، والموقف منه، وكيف يجب أن يصاغ، أو تدار دفته، ولعل المحقق أراد مخاطبة قارئ معين، باعتباره عربياً، وربما أكثر من ذلك حين اختزل العبارة الدقيقة بإقصاء «الإسلامية» والاكتفاء بـ«العربية»، وهو في بعده الدلالي يشكل إزاحة لمفهوم له زمانه/ مكانه لصالح آخر مستقدم من الراهن المعاش.