بيوت عائمة على سطح النيل وعائلات تعيش في قوارب صيد

كمال القاضي
حجم الخط
0

من الظواهر الاجتماعية والإنسانية التي انتبهت إليها السينما المصرية منذ سنوات، تلك الفئة من سكان القاهرة التي تعيش يوماً بيوم على الرزق الذي يجود به نهر النيل من أسماك متنوعة الأحجام والسلالات والأصناف، فهؤلاء صيادون بسطاء لا يملكون من أدوات احتراف المهنة غير قارب صغير وشبكة بدائية غزلوها بأيديهم وبعض الأواني التي يذخرون فيها ما تمكنوا من صيده على مدى اليوم الذي يبدأ من قبل طلوع الشمس وينتهي عند الغروب.
من بين الأفلام التي تعرضت لحياة الصيادين بشكل إنساني، فيلم «المراكبي» للمخرج كريم ضياء الدين وبطولة صلاح السعدني ومعالي زايد، ولم يكن الفيلم الذي أنتج في عام 1995 معنياً بحركة الصيد والعائد منها قدر اعتنائه بواقع العائلة الصغيرة التي تعيش وتستقر وتمارس حياتها الطبيعية داخل قارب الصيد، فالأب صلاح السعدني لا يحمل شهادة ميلاد ولا يعرف متى ولد على وجه التحديد، فهو رجل أمي لم يلتحق بمدارس ولم يحصل أي قدر من التعليم.
هذا الرجل يعيش هو وزوجته التي تشابهه تماماً في الظروف والنشأة داخل القارب الذي يملكونه، يأكلون ويشربون وينامون ويمارسون حياتهم كاملة راضين بما قسم الله لهم من رزق محدود يكفي بالكاد احتياجهم اليومي من الطعام الضروري.
هذه الصورة الدرامية لم تكن أبداً من خيال المؤلف والسيناريست أحمد عوض، لكنه واقع حقيقي تجسدت تفاصيله في حياة عشرات الأسر التي تسكن النيل وتتحرك بأريحية على سطحه، عائمين على وجه الماء، مُتفائلين لا يعكر صفوهم شيء قط غير قلة الرزق أحياناً والعــــائد القليل من الأسماك التي يقتاتون من أثمانها ويأكـــلون جزءاً منها حامدين شاكرين.
ما يُثير الغرابة والدهشة أن الصيادين يتخذون من قواربهم الصغيرة بيوتاً، يجهزونها بأبسط الأشياء المطلوبة لاستمرار الحياة على المدى البعيد، فالإقامة وسط النيل وداخل المركب ليست مؤقتة ولا مرهونة بفترة زمنية محددة، وإنما تكاد تكون دائمة. فقد توطنت الأغلبية من هؤلاء الكادحين على الحياة في أصعب الظروف وبأقل الإمكانيات، فطالما وجد الحد الأدنى من الزاد والماء ضمنوا بقائهم وأمنوا على صحتهم وصحة أولادهم.
من يمرض منهم أو تنتابه وعكة صحية يتم الخروج به إلى البر والذهاب إلى أقرب مستشفى لمداواته والعناية به حتى يتماثل للشفاء، وإذا قرر أحد الشباب الزواج يختار واحدة من أقاربه أو معارفه، كي لا تتمرد على عيشته أو تطالبه بمسكن آخر غير القارب المعهود.
لذا فمن الضروري تفاهم الطرفين واتفاقهم قبل الزواج على كافة التفاصيل المتصلة بحياة النيل والإقامة فيه، الكل لابد أن يعرف أنه رحالة وأن قدره هو السعي الدائم والدئوب من أجل لقمة العيش، فلا تمرد مسموح به ولا فرار من الماء إلى البر، حيث العالم الخارجي المليء بالصخب والأزمات وكافة مصادر الإزعاج والتوتر.
في متغير طرأ مُجدداً على حياة سُكان النيل، استبدل البعض القارب الصغير بلانش يدور بالموتور، ويستخدم عادة لنزهة الوافدين من أهل الحضر وسكان العاصمة وقليل من السياح، وحسب ما أقر بعض ملاك اللانشات يُعتبر اللانش وسيلة ثابتة وأساسية لجلب الرزق، ويتميز بطبيعة الحال بالسهولة والسرعة واليسر، لكنه لا يُستخدم في الصيد إلا نادراً، خاصة النوعيات الصغيرة منه فائقة السرعة والتي لا تتسع إلا لنفر من الزبائن أو اثنين على أكثر تقدير.
أما المراكب متوسطة الحجم، فيتسم شكلها بالإبهار والزينة، وذلك لاستغلالها سياحياً طوال الموسم الصيفي، فالراغبون في التنزه من الوافدين العرب أو المصريين أو الأجانب يستأجرونها بالساعة للطواف حول المعالم السياحية الشهيرة ليلاً، كالقناطر الخيرية وبرج القاهرة وغيرها من الأماكن التي يبدو شكلها ومنظرها تحت الضوء جاذباً وممتعاً، وعادة ما تستغرق الرحلة النيلية ساعة أو ساعتين يقضيها السائح أو الزائر في سعادة وهدوء بعيداً عن الضوضاء والتلوث.
ويتم تنظيم رحلات التنزه بالمراكب ليلاً أو نهاراً بعلم وزارة السياحة وتحت مراقبتها، ولأنها تُدر دخلاً أوفر بكثير من مهنة الصيد فقد أثرت بالقطع على المهنة المتوارثة عبر الأجيال فأدى ذلك إلى انكماش الظاهرة التي بدأت ونمت واستمرت في أزمنه مُبكرة لكنها اقتربت من التلاشي.
فلم تعد واضحة كل الوضوح كما كانت من قبل، فشباب الصيادين هجروا مهنة آبائهم وأجدادهم ومضوا يبحثون عن فرص أخرى للعمل في مجالات أخرى، وبعضهم سافر إلى بعض الدول العربية الشقيقة بحثاً عن مستقبل أفضل وحياة أكثر استقراراً.
وعلى الرغم من انحسار ظاهرة قوارب الصيد الصغيرة بعد انتشارها لسنوات طويلة، لا يزال هناك أثر لها يتمثل في احتفاظ قله قليلة من الصيادين البسطاء بقواربهم وشباكهم وفاء لمهنتهم وارتباطاً بها بحكم التعود، أو لأنهم لا يملكون إمكانيات تغيير نشاطهم التقليدي ومجاراة الحياة العصرية الحديثة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية